(2) أفضل الصدقة:
عن حكيم بن حزام رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله»[1]. ففي هذا الحديث أن أفضل الصدقة ما بقي صاحبها بعد إخراجها مستغنيًا، عنده مال يستظهر به على حوائجه ومصالحه. قال القرطبي رحمه الله: (والمختار أن معنى الحديث: أفضل الصدقة ما وقع بعد القيام بحقوق النفس والعيال، بحيث لا يصـير المتصــدق محتاجًا بعد صدقته إلى أحد)[2]. وقال البخاري رحمه الله: (ومن تصدق وهو محتاج، أو أهله محتاجون، أو عليه دين، فالدين أحق أن يقضـى من الصدقة والعتق والهبة، وهو رد عليه، ليس له أن يتلف أموال الناس)[3]. ومعنى «وهو رد عليه» أن صاحب الدين المستغرق لا يصح منه التطوع. وقد ثبت في الحديث: «إنك أن تذر ورثتك أغنياء، خير لك من أن تتركهم عالة يتكففون الناس»[4].
ولا يعارض هذا حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قيل: يا رسول الله، أي: الصدقة أفضل؟ قال: «جهد المقل، وابدأ بمن تعول»[5]. قال البيهقي رحمه الله: (والجمع بين قوله ﷺ: «خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى»، وقوله: «أفضل الصدقة جهد المقل» أنه يختلف باختلاف الناس في الصبر على الفاقة والشدة)[6].
وبناءً على ذلك؛ هل يجوز للإنسان أن يتصدق بجميع ماله؟
من العلماء من يرى عدم جواز ذلك؛ مستدلين بحديث: «خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى»، وبحديث: «إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير لك من أن تذرهم عالة يتكففون الناس».
ولكن الجمهور ذهبوا إلى أنه يجوز أن يتصدق بماله كله، في صحة عقله وبدنه، حيث لا دين عليه، وكان صبورًا على الفقر والضـيق، ولا عيال له، أو له عيال ويصبرون مثله[7]. واستدلوا على ذلك بحديث أبي بكر رضي الله عنه حيث تصدق بماله كله، وقال: «أبقيت لهم الله ورسوله»[8]. ويرى البعض أن يجعل صدقته من الثلث جمعًا بين الأدلة.
هذا، وقد ورد في بيان أفضل الصدقة ما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «أتى رسول الله ﷺ رجل، فقال: يا رسول الله، أي الصدقة أعظم؟ فقال: «أن تصدق وأنت صحيح شحيح؛ تخشـى الفقر وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا...»[9].
فهذا الحديث يبين أفضل الصدقة من حيث الوقت والزمن: وهو في حالة صحته حيث يمسك المال ويخشـى إضاعته، أما الحديث السابق فيبيِّن أفضل الصدقة من حيث قدر إخراجها، وهو ما يبقي لصاحبها غنى بعد إخراجها، فلا تعارض بين الحديثين.