حكم الأسار:
(1) سؤر الآدمي:
الآدمي طاهر في نفسه، وسؤره وعرقه طاهران؛ سواء كان مسلمًا أو كافرًا، وسواء كان رجلًا أو امرأة، وسواء كانت المرأة حائضًا أو غير حائض. اعتبارًا بأصل الخلقة وتكريم الله للإنسان.
والدليل على طهارة المسلم: ما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لقِيَني رسول الله ﷺ وأنا جنب، فمشـيت معه وهو آخذٌ بيدي، فانسللت منه فانطلقت فاغتلست، ثم رجَعت إليه فجلست معه، فقال: «أين كنت يا أبا هريرة؟» قلت: لقيتني وأنا جنب فكرهت أن أجالسك، فقال رسول الله ﷺ: «إن المؤمن لا ينجس»[1].
والدليل على طهارة الكافر: أن النبي ﷺ توضأ من مَزَادة مشـركة[2]، وربطَ ثمامة بن أُثال وهو مشـرك بسارية من سواري المسجد[3]، وأكلَ من الشاة التي أهدتها إليه يهودية من خيبر[4]. وأما قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ﴾ [التوبة:28]. فالمقصود النجاسة المعنوية، وهي نجاسة الاعتقاد.
وأما الدليل على طهارة سؤر الحائض: فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كنت أشـرب وأنا حائض، ثم أناوله النبي ﷺ، فيضع فاه على موضع في فيشـرب، وأتعرق العَرْق وأنا حائض، ثم أناوله النبي ﷺ فيضع فاه على موضع فيِّ»[5]. و«العَرْق»: هو العظم الذي أُخِذ منه مُعظمُ اللحم، وبقي منه القليل.
(2) سؤر الحيوان المأكول اللحم:
الحيوان المأكول اللحم طاهر، وعرقه وسؤره طاهران.
والدليل على ذلك: (البراءة الأصلية)؛ إذ الأصل الطهارة، فضلا عن الإجماع، فقد نقل ابن قدامة عن ابن المنذر رحمه الله قال: (وأجمع أهل العلم على أن سؤر ما أكل لحمه طاهر، ويجوز شـربه والوضوء به)[6].
(3) سؤر الهرة:
وهي طاهرة، وعرقها وسؤرها طاهر.
والدليل على ذلك: حديث كبشة بنت كعب بن مالك - وكانت تحت ابن أبي قتادة - أن أبا قتادة رضي الله عنه دخل عليها، فسكبت له وَضُوءًا، قالت: فجاءت هرة فأصغى لها الإناء حتى شـربت، قالت كبشة: فرآني أنظر إليه، فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ فقلت: نعم، فقال: إن رسول الله ﷺ قال: «إنها ليست بنجس؛ إنها من الطوافين عليكم والطوافات»[7].
وإذا أكلت الهرة نجاسة ثم شـربت من ماء يسـير بعد أن غابت فالماء طاهر، وإن شـربت مباشـرة بعد أكلها للنجاسة ففيه وجهان في تنجيس الماء، والأصح في ذلك أنه لا يحكم بتنجيسه إلا بالتغير.
(4) سؤر البغال والحمير:
قال ابن قدامة رحمه الله: (والصحيح عندي طهارة البغل والحمار؛ لأن النبي ﷺ كان يركبها وتُركب في زمنه وفي عصـر الصحابة، فلو كان نجسًا لبين النبي ﷺ ذلك، ولأنهما لا يمكن التحرزُ منهما لمقتنيهما، فأشبها السِّنور)[8]. ومعنى «السِّنور» الهرة.
(5) سؤر السباع وجوارح الطير والحشرات ونحو ذلك:
اختلف أهل العلم في سؤر السباع؛ فذهب بعضهم إلى طهارتها اعتبارًا بالأصل، لما ورد في الحديث أنه سئل: أنتوضأ بما أفضَلَتِ الحُمُر؟ قال: نعم، وبما أفضلت السباعُ كلها، لكنه حديث ضعيف، وقد أورد النووي أثرًا عن عمر وهو أثر مرسل، لكن قال النووي في المجموع (1/174): (إلا أن هذا المرسل له شواهد تقوِّيه)[9].
وذهب آخرون إلى نجاسة سؤرها مستدلين بما ثبت في الحديث أنه ﷺ سئل عن الماء في الفلاة من الأرض وما ينوبه من السباع والدواب؟ فقال: «إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث»[10]. قالوا: (وظاهر هذا يدل على نجاسة سؤر السباع؛ إذ لولا ذلك لم يكن لهذا الشـرط فائدة، ولكان التقييد بها ضائعًا)[11].
قلت: وفي الاستدلال بذلك نظر؛ فقد قال الخطابي رحمه الله: (وقد يحتمل أن يكون ذلك من أجل أن السباع إذا وردت المياه خاضتها وبالت فيها، وتلك عادتها وطباعها، وقلما تخلو أعضاؤها من لوث أبوالها ورجيعها، وقد ينتابها في جملة السباع: الكلاب، و أسآرُها نجسة ببيان السنة)[12].
قال ابن قدامة رحمه الله: (ورَخص في سؤر ذلك: الحسن، وعطاء، والزهري، ويحيى الأنصاري، وبكير بن الأشج، وربيعة، وأبو الزناد، ومالك والشافعي، وابن المنذر)[13].
(6) سؤر الكلب والخنزير:
وحكمه: النجاسة؛ أما سؤر الكلب فلقوله ﷺ: «طُهُور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب»[14]. وهو دليل على نجاسته. وأما الخنزير فلقوله تعالى: ﴿ أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ ﴾ [الأنعام:145]. أي نجس، فما تولد منه يكون نجسًا، وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد، وذهب مالك والأوزاعي وداود إلى طهارة سؤرهما، والقول الأول أرجح، والله أعلم.