حكم تخليل الخمر (أي: جعلها خلاًّ):
إذا أمكن صناعة الخل من غير تخمير فإن هذا الخل حلال، ولا إشكال في ذلك. أما تحويل الخمر إلى خل فحكمه كالآتي:
(أ) إذا تخللت الخمر بنفسها، فإن هذا الخل حلال، لا اختلاف بين الفقهاء في ذلك، وعلى ذلك حملوا قوله ﷺ: «نِعْم الإدام الخل»[1].
(ب) وإذا تخللت الخمر بوضع شـيء فيها؛ كالملح، أو الخل، أو السمك، أو الخبز الحار، أو البصل، أو بإيقاد النار قريبًا منها ونحو ذلك؛ فقد اختلف أهل العلم في حكم هذا الخل على قولين:
القول الأول: لا يجوز تخليلها، ولا يحل هذا الخل، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة، وقول عند المالكية.
ودليلهم على ذلك ما ثبت عن أنس أن أبا طلحة سأل النبي ﷺ عن أيتام ورثوا خمرًا؟ قال: «أهرقها»، قال: أفلا نجعلها خلًّا؟ قال: «لا»[2]. فهذا يدل على تحريم تخليلها، وأنه لا سبيل إلى إصلاحها.
قال الخطابي: (في هذا بيان واضح أن معالجة الخمر حتى تصـير خلًّا غير جائز، ولو كان إلى ذلك سبيل لكان مال اليتيم أولى الأموال به؛ لما يجب من حفظه وتثميره، والحيطة عليه.. وفي إراقته إضاعته، فعلم بذلك أن معالجته لا تطهره)[3].
القول الثاني: يجوز تخليلها، ويحل خلها، وهذا مذهب الحنفية والرواية الثانية عن المالكية، ودليلهم عموم حديث: «نعم الإدام الخل» إذْ لم يفرق بين ما خلل بنفسه وما خلل بغيره، قالوا: ولأن التخليل يزيل الوصف المفسد في الخمر.
والراجح هو رأي الفريق الأول؛ لوضوح الدليل فيه بعدم اتخاذ الخل من الخمر، وأما حديث: «نعم الإدام الخل» فمحمول على خل تخلل بنفسه، أو لم يتخمر أصلًا[4]؛ جمعًا بين الأدلة.