الإبهاج في شرح المنهاج للسبكي -(ج: 1) - (ص: 6 ، 7).
فائدة علم الأصول:
وإن علم أصول الفقه وهو من أعظم العلوم ثلاثة أصناف: عقلية محضة، كالحساب والهندسة والنجوم والطب، ولغوية: كعلم اللغة والنحو والتصريف والعروض والقوافي والبيان، وشرعية: وهي علوم القرآن والسنة وتوابعهما.
ولا ريب في أن الشريعة أشرف الأصناف الثلاثة في الوسائل والمقاصد.وأشرف العلوم الشرعية بعد الاعتقاد الصحيح وأنفعها: معرفة الأحكام التي تجب للمعبود على العابد، ومعرفة ذلك بالتقليد، ونقل الفروع المجردة تستفرغ جمام الذهن، ولا ينشرح الصدر له لعدم أخذه بالدليل، وأين سامع الخبر من المشاهد؟ وأين أجر من يأتي بالعبادة لفتوى إمامه أنها واجبة أو سنة من الذي يأتي بها وقد ثلج صدره عن الله ورسوله بأن ذلك دينه؟
تالله إن أجر هذا لزائد، وهذا لا يحصل إلا بالاجتهاد، ولا يكمل فيه إلا الواحد بعد الواحد، وكل العلماء في حضيض عنه إلا من تغلغل بأصول الفقه، وكرع من مناهله الصافية بكل الموارد، وسبح في بحره، ودرى من الإله، وبات يعل به وطرفه ساهد، وإني لم أزل منذ نشأت محبًّا في هذا العلم، مولعًا بالبحث فيه مع كل زائد.
البحر المحيط في أصول الفقه للزركشي - (ج: 1) - (ص: 8).
فصل: في بيان شرف علم الأصول
اعلم أن العلوم ثلاثة أصناف:
الأول : عقلي محض، كالحساب والهندسة.
والثاني : لغوي، كعلم اللغة والنحو والصرف والمعاني والبيان والعروض.
والثالث : الشرعي، وهو علم القرآن والسنة، ولا شك أنه أشرف الأصناف، ثم أشرف العلوم بعد الاعتقاد الصحيح: معرفة الأحكام العملية، ومعرفة ذلك بالتقليد ونقل الفروع المجردة يستفرغ جمام الذهن ولا ينشرح بها الصدر؛ لعدم أخذه بالدليل، وشتان بين من يأتي بالعبادة تقليدًا لإمامه بمعقوله وبين من يأتي بها وقد ثلج صدره عن الله ورسوله، وهذا لا يحصل إلا بالاجتهاد، والناس في حضيض عن ذلك، إلا من تغلغل بأصول الفقه، وكرع من مناهله الصافية، وأدرع ملابسه الضافية، وسبح في بحره، وربح من مكنون دره.قال إمام الحرمين في كتاب (المدارك)، وهو من أنفس كتبه: والوجه لكل متصدٍّ للإقلال بأعباء الشريعة: أن يجعل الإحاطة بالأصول شوقه الآكد، وينص مسائل الفقه عليها نص من يحاول بإيرادها تهذيب الأصول، ولا ينزف جمام الذهن في وضع الوقائع مع العلم بأنها لا تنحصر مع الذهول عن الأصول.
وقال الغزالي في "المستصفى": خير العلم ما ازدوج فيه العقل والسمع، واصطحب فيه الرأي والشرع علم الفقه، وأصول الفقه من هذا القبيل، فإنه يأخذ من صفو العقل والشرع سواء السبيل، فلا هو تصرف بمحض العقول بحيث لا يتلقاه الشرع بالقبول، ولا هو مبني على التقليد الذي لا يشهد له العقل بالتأييد والتسديد، ولأجل شرف علم أصول الفقه ورفعته وفر الله دواعي الخلق على طلبته، وكان العلماء به أرفع مكانًا، وأجلهم شأنًا، وأكثرهم أتباعًا وأعوانًا.
وقال أبو بكر القفال الشاشي في كتابه الأصول: اعلم أن النص على حكم كل حادثة عينًا معدوم، وأن للأحكام أصولًا وفروعًا، وأن الفروع لا تدرك إلا بأصولها، وأن النتائج لا تعرف حقائقها إلا بعد تحصيل العلم بمقدماتها، فحق أن يبدأ بالإبانة عن الأصول؛ لتكون سببًا إلى معرفة الفروع.
المهذب في علم أصول الفقه المقارن - د. عبد الكريم النملة - (1/ 42: 44) .
فوائد علم أصول الفقه:
الفائدة الأولى: إنه يُبين المناهج والأسس والطرق التي يستطيع الفقيه عن طريقها استنباط الأحكام الفقهية للحوادث المتجددة، فإن المجتهد إذا كان عالماً بتلك الطرق - من أدلة إجمالية وقواعد أصولية - فإنه يستطيعَ إيجاد حكم لأي حادثة تحدث.
وهذا موضوع أصول الفقه، وقد سبق بيان ذلك.
الفائدة الثانية: إن طالب العلم الذي لم يبلغ درجة الاجتهاد، يستفيد من دراسة أصول الفقه، حيث يجعله على بينة مما فعله إمامه عند استنباطه للأحكام، فمتى ما وقف ذلك الطالب للعلم على طرق الأئمة، وأصولهم، وما ذهب إليه كل منهم من إثبات تلك القاعدة، أو نفيها، فإنه تطمأن نفسه إلى مدرك ذلك الإمام الذي قلَّده في عين ذلك الحكم أو ذاك، فهذا يجعله يمتثل عن اقتناع، وهذا يفضي إلى أن يكون عنده القدرة التي تمكنه من الدفاع عن وجهة نظر إمامه.
الفائدة الثالثة: أن العارف بأصل هذا الإمام في هذا الحكم أعظم أجراً من الشخص الذي يأتي بالعبادة لفتوى إمامه أنها واجبة أو سُنَّة، ولا يعرف الأصل الذي اعتمد عليه في هذه الفتوى.
الفائدة الرابعة: أن العارف بالقواعد الأصولية يستطيع أن يُخرِّج المسائل والفروع غير المنصوص عليها على قواعد إمامه.
الفائدة الخامسة: أن العارف بتلك القواعد الأصولية يستطيع أن يدعو إلى الله تعالى وإلى دينه، بناء على أسس ومناهج وطرق يستطيع بها أن يقنع الخصم بما يريد أن يدعوه إليه.
الفائدة السادسة: أن العارف بتلك القواعد يستطيع أن يُبيِّن لأعداء الإسلام أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان، وأنه موجد لكل حادثة حكماً شرعياً، وأنه لا يمكن أن توجد حادثة إلا ولها حكم شرعي في الإسلام، بعكس ما كان يصوره أعداء الإسلام من أن الإسلام قاصر عن حل القضايا المتجددة. قاتلهم الله.
الفائدة السابعة: أن أهل اللغة يستفيدون من تعلم علم أصول الفقه " حيث إن أهل اللغة يبحثون عن اشتقاقات الكلمة، وهل هي نقلية أو قياسية، أما أهل الأصول فإنهم يبحثون عن معاني تلك الألفاظ، لذلك تجد الأصوليين قد توصلوا إلى نتائج لم يتوصل إليها اللغويون وذلك بسبب جمعهم بين معرفة اللغة ومعرفة الشريعة، لذلك تجد أكثر أهل اللغة لهم إلمام في علم أصول الفقه.
الفائدة الثامنة: أن المتخصص بعلم التفسير وعلم الحديث محتاج إلى دراسة علم أصول الفقه، حيث إنه يبين دلالات الألفاظ، وهل تدل على الحكم بالمنطوق أو بالمفهوم، أو بعبارة النص، أو بإشارته، أو بدلالته، أو باقتضائه، ونحو ذلك، لذلك تجد أكثر المفسرين والشارحين للأحاديث هم من الأصوليين.
الفائدة التاسعة: أن كل شخص يريد كتابة أيَّ بحث من البحوث العلمية محتاج إلى معرفة علم أصول الفقه، ذلك لأن علم أصول الفقه قد جمع بين النقل والعقل، ومن تعمق فيه عرف طريقة إيراد المسألة، وتصويرها والاستدلال عليها، والاعتراض على بعض الأدلة، والجواب عن تلك الاعتراضات بأسلوب مبني على أسس ومناهج وطرق يندر أن تجدها في غير هذا العلم.
الفائدة العاشرة: أن كل شخصٍ يريد أن يتخصص بالإعلام محتاج إلى معرفة أصول الفقه، وذلك لأن علم أصول الفقه قد اعتنى عناية فائقة ومميزة في الأخبار، وكيف أنها تنقسم إلى متواتر، وآحاد، ومشهور، وكيف العمل عند تعارض تلك الأخبار، وطريقة الترجيح فيما بينها، واعتنى - أيضاً - في بيان أنه عند إعلان الأخبار لا بد من مراعاة مصالح الناس وأعرافهم.
الوجيز في أصول الفقه الإسلامي - د. محمد مصطفى الزحيلي - (1/ 33: 40)
فائدة علم أصول الفقه:
إن علم أصول الفقه من أشرف العلوم، وأعظمها قدرًا، وأكثرها نفعًا، ولا تظهر فائدته إلا بعد بيان الغاية منه.والغاية من علم أصول الفقه هي الوصول إلى معرفة الأحكام الشرعية ، أي أحكام الله تعالى في أفعال العباد، سواء أكانت اعتقادًا بالقلب، أم نطقًا باللسان، أم عملًا بالأعضاء، وسواء أكانت في العقيدة أم العبادات، أم المعاملات، أم الأخلاق، أم العقوبات، وذلك ليلتزم المكلف حدود الله تعالى، ويبتغي مرضاته، ويؤدي واجباته، وينتهي عن المحارم، وباختصار ليكون المكلف في المكان الذي أمره الله به، ويتجنب معاصيه وما نهاه عنه.
وبناء على ذلك فإن علم أصول الفقه ليس غاية في ذاته، وإنما هو طريق ووسيلة إلى معرفة حكم الله تعالى في الوقائع، وإن دراسة القواعد والأدلة، ومعرفة طرق الاستنباط ليست مقصودة بذاتها، وإنما تقصد لما وراءها، ولا يجوز بحال من الأحوال أن يغيب ذلك عن ذهن الطالب والعالم والمجتهد الذين يدرسون الأصول ويدركون فائدته وأهميته ومكانته الرفيعة بين العلوم، وأنه لا يقصد منه الحفظ والتلقي، وإنما يقصد منه أن يكون سلاحًا ماضيًا، ومفتاحًا سديدًا في يد الباحث.
وبعد هذه المقدمة نذكر أهم فوائد علم الأصول:
1 - إن علم الأصول يرسم للمجتهد الطريق القويم الموصل إلى استنباط الأحكام، ويضع أمامه منهجًا واضحًا ومستقيمًا في كيفية الاستنباط، فلا ينحرف يمينًا أو يسارًا، ولا يخبط خبط عشواء، ولا يزل به العقل والهوى عند أخذ الأحكام من الأدلة، فيضع عالم الأصول القواعد الكلية لمعرفة كيفية استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة والنصوص.
2 - كان علم الأصول الوسيلة الناجحة لحفظ الدين من التحريف والتضليل، فصان أدلة الشريعة، وحفظ حجج الأحكام، وعرف الناس بمصادر التشريع الأصلية التي يجب الالتزام بها والرجوع إليها، كما بيّن المصادر الفرعية والتبعية التي كانت المجال الرحب لاتساع الشريعة، وتلبية حاجات المجتمع والأمة فيما يعتريها من وقائع وأحداث، وكان علم الأصول العقبة الكأداء في وجه المنحرفين والمضللين والمشعوذين الذين حاولوا الدسّ في الأحكام، وتشويه مقاصد التشريع والمراوغة في التضليل والدعوة (1)، كمن ينفي حجية خبر الآحاد، أو ينكر السنة، أو ينفي حجية الإجماع والقياس، ومن يدعي أنه لا دلالة في ألفاظ القرآن على شيء، ومن يدعي أن في القرآن ألفاظًا مبهمة، ومن يتلاعب بالأحكام، وأن الخمر مثلًا ليست محرمة لعدم النص على التحريم بلفظ يحرم.
وقد بيّن علماء الأصول مصادر التشريع وبينوا دلالات الألفاظ وتفسير النصوص، ونصوا على قوة الأدلة القطعية والظنية، والعلاقة بين النص السابق واللاحق في التخصيص والنسخ، كما بينوا لنا طرق الاجتهاد وشروط المجتهد، فكان علم الأصول سلاحًا ذا حدين يعين المخلصين على معرفة أحكام الله، ويرد كيد الكائدين في نحورهم.
- إن علم الأصول يبين للأمة عامة، ولأتباع المجتهد، ودارسي الفقه خاصة، المنهج الذي سلكه الإمام المجتهد، ويرسم أمامهم معالم الطريق الذي سار عليه في الاستنباط والاجتهاد لتطمئن قلوبهم لعلمه، وتزداد ثقتهم بالحكم الذي وصل إليه، وتستقر نفوسهم إلى مسلك الإمام وأساس الاختلاف، وأن المجتهد يقصد وجه الله تعالى ويبغي مرضاته في عمله، دون أن يدفعه لذلك الهوى الجامح، أو المصلحة الشخصية، أو القصد المادي، أو التطلع إلى منصب أو جاه.
وأتباع كل مذهب -وإن لم يصلوا إلى درجة الاجتهاد، ولم ينزلوا إلى درجة العوام- يرغبون بطبيعة الحال في معرفة أساس الاجتهاد عند الأئمة، وكيف وصلوا إلى استنباطها، ولا يتمكنون من ذلك إلا بدراسة علم أصول الفقه، وإن فعلوا ذلك فقد نفوا عن أنفسهم وصمة التقليد الأعمى للإمام.
والعلماء -إن عرفوا مناط الأحكام وسبل الاجتهاد وأساس التشريع- إن ورد أمامهم رأيان استطاعوا أن يختاروا الرأي الأقرب إلى قواعد المذهب، وإن اعترضتهم جزئية صغيرة استطاعوا تخريجها على أصول المجتهد .
4 - إن علم أصول الفقه يكوِّن عند الطالب والدارس والباحث ملكة عقلية وفقهية تصحح تفكيره، وتعبد الطريق أمامه للاجتهاد والاستنباط والإدراك الصحيح والفهم التام للحكم على الأشياء، ليكون في المستقبل القريب من علماء الأمة ورجال الغد، وحملة الرسالة السماوية والأمانة الإلهية في التشريع، ويصبح قادرًا على استنباط الأحكام من الأدلة.
5 - يرسم علم أصول الففه الطريق للعلماء، في كل عصر لمعرفة حكم الله تعالى في المسائل المستجدة، والوقائع الحادثة التي لم يرد فيها دليل شرعي، ولم ينص عليها الأئمة في كتبهم، فيخوض العالم غمار هذه الأحداث فيعرف ما يتفق منها مع حكم الله تعالى، وما يحقق شريعته، ويحفظ مقاصده الأصلية، فيبقى التشريع مسايرًا لتطورات الزمن، ولا شك أن الحاجة ملحة للتشريع الدائم، والاجتهاد المستمر، لأن التشريع نفسه وليد الحاجة، وإذا كان من الترف الفكري والعقلي وجود الفقه الافتراضي، فإنه من الخطأ الفادح، والتقصير الآثم جمود الفقه والتشريع عن مجاراة العصر وبيان كل ما يقع فيه من جديد، لأن الإسلام صالح لكل زمان ومكان، ومن ذلك طفل الأنابيب، وموانع الحمل، والتأمين على الحياة، والتعامل مع المصارف، ونقل الأعضاء، وموت الدماغ، والتجارة الدولية، وحوادث السير، ونظام المرور، والاتصالات الحديثة، والأعمال المصرفية، والمواصلات الدولية، وغيرها كثير.
وإن علم أصول الفقه هو الذي يعرفنا على الأحكام الشرعية في كل حادث وطارئ، فقد قال علماء الأصول: إن لكل واقعة حكمًا لله تعالى، وإن كل مجتهد مأجور، وهذا يبين السبب في غلق باب الاجتهاد الذي أوصده العلماء أمام الجهال والدجالين، وأنصاف المتعلمين، خشية أن يتولوا كرسي الاجتهاد، ويدسُّوا في الدِّين ما ليس فيه، فيَضلوا ويُضلوا، كغلق المدرسة إذا لم يتوفر طلاب أو أساتذة، وغلق معمل إذا لم يتوفر فيه مهندس أو اختصاصي، أو مواد أولية.
وعلى الرغم من القول بقفل باب الاجتهاد في فترة زمنية، فلم تتوقف دراسة أصول الفقه، ولم يَحرم الاطلاع عليه، ولم يُلغ من حلقات الدرس، بل بقي هذا العلم على مر الأزمان والعصور علمًا شرعيًّا يتبوأ الدرجة العليا في الدراسة والتدريس والتأليف، وما ذلك إلا لأن هذا العلم يؤكد صلاحية هذه الشريعة لكل زمان ومكان، ويظهر مرونة التشريع الإسلامي ومسايرته لمصالح الناس، وإن الشريعة الغراء تلبي حاجات المجتمع كيفما كان.
6 - إن علم أصول الفقه يضبط الفروع الفقهية بأصولها، ويجمع المبادئ المشتركة، ويبين أسباب التباين بينها، ويظهر أساس الاختلاف.
مثال ذلك القاعدة الأصولية "الأمر للوجوب"، فإنها تشمل جميع النصوص في القرآن الكريم والسنة الشريفة التي جاءت بصيغة الأمر، فإنها تفيد الوجوب، ما لم يوجد قرينة تصرف الأمر عن الوجوب إلى الندب أو الإباحة، وإن القاعدة الأصولية "لا اجتهاد في مورد النص" قاعدة أساسية تعتبر شعار المجتهد والمتبع والمقلد والباحث والمناظر، فحيثما ورد النص في القرآن والسنة فلا مجال لإعمال الرأي والاجتهاد والاستنباط.
7 - إن علم أصول الفقه هو الدعامة الرئيسية والركيزة الأساسية لدراسة المذاهب المختلفة والمقارنة بينها، وخاصة في عصرنا الحاضر الذي شاع فيه البحث المقارن، وانتشرت الدراسات المقارنة لبيان ما يتفق مع الدليل الراجح، وما يوافق مقاصد الشريعة، ويحقق مصالح الناس، ويؤكد هذه الأهمية أن القوانين والفتاوى والاجتهادات والدراسات تتجه للأخذ من مختلف المذاهب، باعتبار أن الشريعة الإسلامية بمذاهبها المتعددة مصدر للتشريع وأخذ الأحكام، ولم تعد تقتصر على مذهب معين، بل تبحث في المذاهب، وتطوف بين الأدلة والأحكام لاختيار ما يؤيده الدليل القوي، وما يصلح للأمة .
ويأتي علم أصول الفقه في قمة الوسائل التي يستخدمها الباحث في المقارنة فيتعرف على الدليل، ومنهج الاستنباط، ومسلك الاجتهاد، ثم يختار الأحكام التي يرجحها على غيرها، ويكون علم أصول الفقه هو المقياس الذي توزن به الآراء عند الاختلاف .
8 - إن علم أصول الفقه يعطي الدليل الجازم لعظمة الثروة الفقهية من جهة، ويؤكد للباحث المجرد، والمطلع الحيادي أن أسباب الاختلاف بين الأئمة هي أسباب موضوعية علمية، وليست أسبابًا شخصية أو عشوائية، وهذا ما نفصله في الفصل الرابع من هذا التمهيد إن شاء الله تعالى.
هذه الفوائد -وغيرها كثير- تثبت أهمية أصول الفقه، وضرورة دراسته وتعلمه، والاطلاع عليه، والتزود بقواعده، والتمرس بأسلوبه، والاهتداء به في معرفة تراث الأمة السابق، واستنباط الأحكام للوقائع في الحاضر، وتوضيح الرؤية لمستقبل المسلمين الذين يأملون في تطبيق شريعة ربهم والرجوع إلى كتابهم وسنة رسولهم بمشيئة الله تعالى .