البحر المحيط في أصول الفقه للزركشي - (ج: 1) - (ص: 139).
فصل: [خطاب التكليف]
إذا ثبت بطلان التحسين والتقبيح العقليين وتقرر أنه لا حاكم إلا الشرع، فلنشرع في تبيين خطاب التكليف، ثم خطاب الوضع، فنقول: الخطاب إن اقتضى الفعل اقتضاء جازمًا فإيجاب، أو غير جازم فندب. وإن اقتضى الترك جازمًا فتحريم أو غير جازم فكراهة، وإن اقتضى التخيير فإباحة، فالأحكام إذن خمسة هذا هو المشهور.
ورأيت في تعليق الشيخ أبي حامد في أول كتاب النكاح أنها ثلاثة: واجب ومحظور ومباح، ولعله أراد بالواجب الطلب بالمحظور الممنوع.
وقيل: اثنان: حرام ومباح، وفسرت الإباحة بنفي الحرج عن الإقدام على الفعل، فيندرج الواجب والمندوب والمباح.
وبقي شيئان: أحدهما : خلاف الأولى، وهو قسم من أقسام المكروه، لكن فرقوا بينهما بأن المكروه ما ورد فيه نهي مقصود وخلاف الأولى بخلافه، فترك صلاة الضحى خلاف الأولى، ولا يقال: مكروه، والتقبيل للصائم مكروه.
المهذب في علم أصول الفقه المقارن - د. عبد الكريم النملة - (1/ 137)
في اختلاف العلماء في التعبير عن أقسام الحكم التكليفي أقسام الحكم التكليفي عند الجمهور خمسة، واختلف العلماء في التعبير عنها على مذهبين: المذهب الأول: أنه يُعبَّر عن أقسام الحكم التكليفي بـ "الوجوب "، و" الندب "، و " الإباحة "، و " التحريم "، و " الكراهة ".
المذهب الثاني: أنه يُعبَّر عن تلك الأقسام بـ " الواجب "، و" المندوب "، و " المباح "، و " الحرام "، و " المكروه ".
والأوْلى في التعبير هو الأول؛ وذلك لأن " الواجب " - مثلاً - ليس حكماً، وإنما هو فعل مكلف تعلق به الإيجاب، فهو من متعلقات الحكم وليس من أقسامه.
كذلك المندوب ليس حكماً، وإنما هو فعل مكلَّف تعلَّق به الندب فهو من متعلقات الحكم، وليس من أقسامه.
بيان نوع الخلاف: الخلاف في هذه المسألة خلاف لفظي؛ لاتفاق الفريقين على المعنى والمراد، ولكن جاء هذا الاختلاف في الإطلاق بسبب ما لاحظه كل فريق.
فمن لاحظ اعتبار المصدر المنبثق عنه: سمَّاه " إيجابا ".
الوجيز في أصول الفقه الإسلامي - د. محمد مصطفى الزحيلي - (1/ 299، 300)
في الحكم التكليفي:
تعريفه: هو خطاب اللَّه تعالى المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاء أو تخييرًا، وسبق شرح هذا التعريف، وما يدخل فيه وما يخرج منه مع الأمثلة، واختلف العلماء في تقسيم الحكم التكليفي إلى فريقين، الجمهور والحنفية.
أقسام الحكم التكليفي عند الجمهور:
قسم جمهور الأصوليين الحكم التكليفي إلى خمسة أقسام، وهي:
الأول: الإيجاب: وهو ما طلب الشارع فعله طلبًا جازمًا، أو هو طلب الفعل مع المنع من الترك لترتب العقاب على التارك، ويكون أثره الوجوب، والفعل المطلوب هو الواجب، والفرض والواجب بمعنى واحد عند الجمهور.
الثاني: الندب: هو ما طلب الشارع فعله طلبًا غير جازم، أو هو طلب الفعل مع عدم المنع من الترك لعدم الإشعار بالعقاب، وأثره الندب، والمطلوب فعله هو المندوب.
الثالث: الإباحة: وهو التخيير بين الفعل والترك، وأثره الإباحة والفعل المخير بين فعله وتركه هو المباح.
الرابع: الكراهة: وهو ما طلب الشارع تركه طلبًا غير جازم، أو هو طلب الترك مع عدم المنع من الفعل، وأثره الكراهة، والمطلوب الكف عن فعله هو المكروه.
الخامس: التحريم: وهو ما طلب الشارع تركه طلبًا جازمًا، أو هو طلب الترك مع المنع عن الفعل، لترتب العقاب على الفاعل، وأثره الحرمة، والمطلوب تركه والكف عن فعله هو الحرام .
الوجيز في أصول الفقه الإسلامي - د. محمد مصطفى الزحيلي - (1/ 300)
تقسيم الحكم التكليفي عند الحنفية:
قسم الحنفية الحكم التكليفي إلى سبعة أقسام (2)، وهي:
1 - الافتراض: وهو ما طلب الشارع فعله طلبًا جازمًا بدليل قطعي الثبوت والدلالة، كالصلاة والزكاة والجهاد، وحكمه وجوب فعله، وأن منكره كافر، وتاركه بلا عذر فاسق.
2 - الإيجاب: وهو ما طلب الشارع فعله طلبًا جازمًا بدليل ظني الثبوت أو ظني الدلالة، مثل صدقة الفطر والأضحية وقراءة الفاتحة وصلاة الوتر ومسح ربع الرأس، وحكمه وجوب إقامته كالفرض، ولكنه لا يكفر جاحده، ويفسق تاركه إذا تركه استخفافًا.
3 - الندب: وهو ما طلب الشارع فعله طلبًا غير جازم، كالجمهور.
4 - الإباحة: وهي التخيير بين الفعل والترك.
5 - الكراهة التنزيهية: وهي ما طلب الشارع تركها طلبًا غير جازم، كالمكروه عند الجمهور، مثل لطم الوجه بالماء في الوضوء، وصوم يوم الجمعة فقط.
6 - الكراهة التحريمية: وهي ما طلب الشارع تركه طلبًا جازمًا ولكن بدليل ظني الثبوت أو ظني الدلالة، ويشترك مع الحرام باستحقاق العقاب للفاعل، مثل البيع وقت صلاة الجمعة، والبيع على بيع الأول، وأنكر الإمام محمد هذا القسم، وألحقه مع الحرام، وقال: كل مكروه حرام، بينما اعتبره الشيخان أبو حنيفة وأبو يوسف قسمًا مستقلًا، وقالا: إنه إلى الحرام أقرب، وإذا أطلق المكروه عند الحنفية فهو المكروه تحريمًا .
7 - التحريم: وهو ما طلب الشارع تركه طلبًا جازمًا بدليل قطعي الثبوت قطعي الدلالة، مثل قتل النفس والزنا.
الوجيز في أصول الفقه الإسلامي - د. محمد مصطفى الزحيلي - (1/ 301: 304)
ثمرة الاختلاف في التقسيم:
وتظهر ثمرة الاختلاف بين الحنفية والجمهور في عدة حالات، أهمها:
1 - قال الحنفية: إذا أنكر المكلف فرضًا أو حرامًا فهو كافر ولو كان متأولًا، لأن الفرض والحرام ثبتا بدليل قطعي الدلالة ولا مجال فيه للتأويل، أما إذا أنكر واجبًا فلا يكفر، مع لزوم العمل للفرض والواجب.
وقال الجمهور: الفرض والواجب مترادفان، ويدلان على تعبير واحد، وهما سيان في حالة الإنكار ولزوم العمل، ومن أنكر الفرض أو الواجب فهو كافر.
2 - إذا ترك المكلف الفرض بطل عمله، عند الحنفية، كما لو ترك المصلي الركوع أو السجود، ولا تبرأ ذمته إلا بالإعادة، أما إذا ترك الواجب فإن عمله صحيح ولكنه ناقص، وعليه الإعادة، فإن لم يعد برئت ذمته مع الإثم ، مثل ترك قراءة الفاتحة في الصلاة، وعند الجمهور يبطل العمل سواء ترك المكلف فرضًا أو واجبًا.
3 - إن المكروه تحريمًا يعاقب فاعله، ولا يكفر منكره، أما المكروه تنزيهًا فإن فاعله لا يستحق عتابًا ولا ذنبًا ولا إثمًا، لكنه فعل غير الأولى، وقال الجمهور: المكروه نوع واحد، وفاعله لا يستحق عقابًا لكنه يعاتب، وإن المكروه تحريمًا يدخل في الحرام.
الترجيح:قبل اختيار أحد القولين نبين الأمور التالية:
1 - إن الجمهور يقسمون المندوب والمكروه إلى درجات كما سنرى ذلك في كل فرع، ويدخلون في المندوب السنة المؤكدة والسنة غير المؤكدة، وفي المكروه خلاف الأولى، دون أن يعتبروا هذه الدرجات أقسامًا جديدة للحكم مع ترتيب بعض الأحكام المختلفة لكل درجة.
2- إن التفريق بين الفرض والواجب يترتب عليه نتائج غريبة، فقراءة الفاتحة في الصلاة مثلًا تعتبر فرضًا بالنسبة إلى رسول اللَّه وإلى الصحابي الذي سمع الحديث منه، فإن تركها بطلت صلاته، بينما تعتبر قراءة الفاتحة واجبًا بالنسبة إلى بقية الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ولا تبطل الصلاة بتركها لثبوتها بخبر الآحاد.
3 - إن الأحكام الشرعية الثابتة بدليل قطعي الدلالة والثبوت قليلة ومحصورة، وأغلب الآيات الكريمة والأحاديث المتواترة ليست قطعية الدلالة، وإنما تحتمل التأويل، وإن معظم السنة وردت إلينا بطريق الآحاد، وهذا يقلل من وجود الفرض بمعناه الخاص عند الحنفية.
4 - كثيرًا ما يستعمل الحنفية لفظ الافتراض ويريدون به الإيجاب، أو يستعملون لفظ الإيجاب ويريدون به الافتراض.
5 - إن الفرق بين لفظي الفرض والواجب في اللغة لا يؤثر ولا يرجح، لأننا بصدد التفريق بين المعاني الاصطلاحية، وليس بين المعاني اللغوية، وإن القرآن الكريم استعمل أحدهما بمعنى الآخر، فقال تعالى: { فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ } [البقرة: 197]، أي: أوجب .
6 - إن الجمهور يقولون: إن ترك ما ثبت بدليل قطعي يوجب الكفر، وترك ما ثبت بدليل ظني لا يوجبه.
7- إن الاختلاف بين الجمهور والحنفية لفظي واصطلاحي، ولا مشاحة في الاصطلاح، قال الآمدي: وبالجملة فالمسألة لفظية، وقال المحلي: وهو أي الخلاف لفظي، أي عائد إلى اللفظ والتسمية، وجاء في شرح العضد: "والنزاع لفظي"، وقال الشيخ أبو النور زهير: وبذلك يكون غير الحنفية قد رتبوا على القطع والظن ما رتبه الحنفية على كل منهما، فلا خلاف بينهم في المعنى.
لهذه الأسباب فإننا نختار تقسيم الجمهور ....
والكلام عن الحكم التكليفي يدور على متعَلَّق الحكم وهو فعل المكلف، فإن تعلق الحكم بالإيجاب فالفعل واجب، وإن تعلق بالندب فهو مندوب، وإن تعلق بالإباحة فهو مباح، وإن تعلق بالكراهة فهو مكروه، وإن تعلق بالتحريم فهو محرم.