الإبهاج في شرح المنهاج للسبكي -(ج: 1) - (ص: 94).
المسألة الثانية في الواجب الموسع والمضيق
"الثانية: الوجوب إن تعلق بوقت:فإما إن يساوي الفعل كصوم رمضان وهو المضيق،
أو ينقص عنه فيمنعه من يمنع التكليف بالمحال إلا لغرض القضاء كوجوب الظهر على الزائل عذره وقد بقي قدر تكبيرة أو يزيد عليه فيقتضي إيقاع الفعل في جزء من أجزائه لعدم أولوية البعض، وقال المتكلمون: يجوز تركه في الأول بشرط العزم وإلا لجاز ترك الواجب بلا بدل، ورد بأن العزم لو صح بدلًا لتأدى الواجب به، وبأنه لو وجب العزم في الجزء الثاني لتعدد البدل والمبدل واحد، ومنا من قال: يختص بالأول وفي الآخر قضاء، وقالت الحنفية: يختص بالآخر وفي الأول تعجيل، وقال الكرخي: الآتي في الأول إن بقي على صفة الوجوب يكون ما فعله واجبًا.
احتجوا بأنه لو وجب في أول الوقت لم يجز تركه. قلنا: المكلف مخير بين أدائه في أي جزء من أجزائه".
نهاية السول شرح منهاج الوصول للإسنوي - (ج: 1) - (ص: 42).
هذا تقسيم آخر للوجوب باعتبار وقته، حاصله: أن يفعل المتعلق وقتًا معينًا، ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون وقته مساويًا لا يزيد عليه ولا ينقص كصوم رمضان، ويسمى هذا بالواجب المضيق،
الثاني: أن يكون الوقت ناقصًا عن الفعل، فلا يجوز التكليف به عند من لا يجوز التكليف بالمحال إلا أن يكون الغرض القضاء, فيجوز كوجوب الظهر مثلا على من زال عذره في آخر الوقت, كالجنون والحيض والصبى، وقد بقي مقدار تكبيرة، وإطلاق المصنف لفظ القضاء فيه نظر؛ لأن ذلك مخصوص بما إذا لم يكن فعل ركعة في الوقت فإن فعل, كان أداء المشهور عندنا، فالأحسن أن يقول إلا لغرض التكميل خارج الوقت,
الثالث: أن يزيد الوقت على الفعل، وهو الذي نسميه بالواجب الموسع، وفيه خمسة مذاهب, أحدها: وهو اختيار الإمام وأتباعه وابن الحاجب أن الأمر بذلك يقتضي إيقاع الفعل في أي جزء من أجزاء الوقت بلا بدل, سواء كان أول أو آخر؛ لأن قوله -صلى الله عليه وسلم: "الوقت ما بين هذين" متناول لجميع أجزائه, وليس تعيين بعض الأجزاء للوجوب بأولى من تعيين البعض الآخر, وهذا معنى قول الأصحاب: إن الصلاة تجب بأول الوقت موجبًا موسعًا، وأهمل المصنف التصريح بوجوبه بأول الوقت، ولكنه يؤخذ من تعليل ما يليه،
والمذهب الثاني, ونقله المصنف عن المتكلمين يعني أصحاب أصول الدين: أن الحكم كذلك لكن لا يجوز تركه في الجزء الأول بشرط العزم على الفعل في الجزء الثاني.ونقل الإمام في آخر المسألة أن قول أكثر أصحابنا، وأكثر المعتزلة، وكذلك في المنتخب، واختاره الآمدي، ولأصحابنا فيها وجهان حكاهما الماوردي في الحاوي وغيره، والصحيح هو الوجوب وصححه النووي في شرح المهذب وغيره, ونقل الأصفهاني في شرح المحصول عن القاضي عبد الوهاب المالكي أنه قول أكثر الشافعية. قوله: "وإلا لجاز" أي: احتج الذاهب إلى وجوب العزم أنه لو جاز الترك في أول الوقت بلا عزم مع قولنا بوجوبه في أول الوقت, كان يجوز ترك الواجب من غير بدل وهو محال، ورده المصنف بوجهين, أحدهما: أن العزم لا يصلح أن يكون بدلا عن الفعل؛ لأنه لو صلح بدلا لتأدى الواجب به لأن بدل الشيء يقوم مقامه، وإذا لم يصلح للبداية، فقد لزم جواز ترك الواجب بلا بدل، الثاني: أنه إذا عزم في الجزء الأول من أجزاء الزمان على الفعل فلا يخلو إما أن يجب العزم في الجزء الثاني أيضا أو لا يجب, فإن لم يجب فقد ترك فإن الواجب بلا بدل ويلزم أيضا التخصيص من غير مخصص، وإن وجب فقد تعدد البدل وهو الإعزام مع أن المبدل واحد فإن قيل: قد يكون صالحا للبدل في ذلك الوقت لا مطلقا, فإذا أتى بالبدل في هذا الوقت سقط عنه الأمر بالأصل في هذا الوقت لا في كل الأوقات. قال في المحصول: هذا ضعف؛ لأن الأمر لا يفيد التكرار بل لا يقتضي الفعل إلا مرة واحدة، فإذا صار البدل قائما مقام الأصل في هذا الوقت فقد صار قائما مقامه في المرة الواحدة فيلزم الاكتفاء به. قال في البرهان: والذي أراه أنهم لا يوجبون تحديد العزم في الجزء الثاني، بل يحكمون بأن العزم الأول ينسحب على جميع الأزمنة المستقبلة كانسحاب النية على العبادة الطويلة مع عزوبها، وهذا الذي قاله فيه تبيين لمذهبهم وجواب عما قاله المصنف، وهذان المذهبان متفقان على الاعتراف بالواجب الموسع، والثلاثة الآتية منكرة له. قوله: "ومنا من قال ... إلخ" شرع في ذكر المذاهب الثلاثة المنكرة للواجب الموسع، أحدها: أن الوجوب يختص بأول الوقت, فإن فعله في آخره كان قضاء لقوله -صلى الله عليه وسلم: "الصلاة في أول الوقت رضوان الله, وفي آخره عفو الله" 1 والمراد بقوله: ومنا أي: ومن الشافعية, صرح به الإمام في المعالم خاصة، فإن عبارة المحصول والمنتخب ومن أصحابنا, وهذا القول لا يعرف في مذهبنا ولعله التبس عليه بوجه الإصطخري حيث ذهب إلى أن وقت العصر والعشاء والصبح يخرج بخروج وقت الاختيار، نعم نقله الشافعي في الأم عن المتكلمين فقال: وقال قوم من أهل الكلام وغيرهم ممن يفتي ممن يقول: إن وجوب الحج على الفور أن وجوب الصلاة يختص بأول الوقت حتى لو أخره عن أول وقت الإمكان عصى بالتأخير, وهذا يحتمل أيضا أن يكون سبب هذا الغلط, والثاني: أن الوجوب يختص بآخر الوقت, فإن فعل في أول الوقت كان تعجيلا ويصير كمن أخرج الزكاة قبل وقتها، ومقتضى هذا الكلام أن تقع الصلاة نفسها واجبة ويكون التطوع إنما هو التعجيل كمن عجل دينا أو زكاة, وقد ذكر في البرهان ما يقتضيه، لكن نقل الآمدي وابن الحاجب وغيرهما عن هذا القائل أنه يقع نقلا, وهذا المذهب باطل؛ لأن التقديم لا يصح بنية التعجيل إجماعا. كما قاله ابن التلمساني في شرح المعالم فبطل كونه تعجيلا، والثالث وهو رأي الكرخي من الحنفية: أن الآتي بالصلاة في أول الوقت إن أدرك آخر الوقت وهو على صفة التكليف كان ما فعله واجبا، وإن لم يكن على صفته بأن كان مجنونا أو حائضا أو غير ذلك كان ما فعله نفلا، هكذا في المحصول والمنتخب وغيرهما، ومقتضى ذلك أن صفة التكليف لو زالت بعد الفعل وعادت في الوقت يكون أيضا فرضا وكلام المصنف يأباه؛ لأنه شرط بقاءه على صفة الوجوب إلى آخر الوقت، وسبقه الآمدي وصاحب الحاصل وابن الحاجب إلى هذه العبارة، ونقل الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع1 عن الكرخي أن الوجوب يتعلق بوقت غير معين ويتعين بالفعل, ففي أي وقت فعل يقع الفعل واجبا، ونقل عنه القولين معا الآمدي في الأحكام. قوله: "احتجوا" أي: احتجت الحنفية على اختصاص الوجوب بآخر الوقت بأنه لو وجب في أوله لما جاز تركه, لكنه يجوز إجماعا, فانتفى أن يكون واجبا, والجواب ما قاله في المحصول وأشار إليه المصنف أن الوجوب الموسع في التحقيق يرجع إلى الواجب المخير؛ لأن الواجب الأداء في وقت ما، أما أوله أو وسطه أو آخره فجرى مجرى قولنا في الواجب المخير: إن الواجب إما هذا أو ذاك, فكما أنا نصفها بالوجوب على معنى أنه لا يجوز الإخلال بجميعها ولا يجب الإتيان به فكذلك هذا، فتلخص أن المكلف مخير بين أفراد الفعل في المخير وبين أجزاء الوقت الموسع، ونحن لم نوجب الفعل في أول الوقت بخصوصه حتى يورد علينا جواز إخراجه عنه، بل خيرناه بينه وبين ما بعده.
الوجيز في أصول الفقه الإسلامي - د. محمد مصطفى الزحيلي - (1/ 315: 317)
وينتج عن هذا التقسيم عدة نتائج، أهمها حكم تعيين النية في العبادات، واعتبار الوقت سببًا أو شرطًا في الواجب المؤقت والموسع، ونقتصر على مسألة النية.
اتفق العلماء على أن المكلف يجب أن يعين الواجب الموسع بالنية حين أدائه، وإذا لم يعينه فلا يسقط عنه الواجب الموسع، لأن الوقت يسعه ويسع غيره من جنسه فلا يقع الأداء عن الواجب إلا بالنية كمن صلى أربع ركعات في وقت الظهر، ولم يعين فريضة الظهر، فتقع نفلًا، ولا تبرأ ذمته من الواجب، وإن نوى فريضة الظهر صح أداؤه، وإن نوى تطوعًا وقعت تطوعًا.
أما الواجب المضيق فقد اتفق جمهور العلماء على صحة أدائه بالنية مطلقًا سواء عين أم لم يعين، كمن نوى مطلق الصوم في شهر رمضان فيصح صومه ويقع عن رمضان، وأن مجرد النية تنصرف إلى الواجب، لأن الوقت محدد له ولا يسع غيره.
ولكن العلماء اختلفوا في حالة النية المخالفة كمن نوى التطوع أو النذر في رمضان، فقال الحنفية يقع الصوم عن رمضان بالنية المباينة، ولا عبرة لتعيينه المخالف، لأن وقت الواجب المضيق متعين له، ولا يسع غيره من جنسه، فينصرف الفعل إليه عند الإطلاق، وأن النية المخالفة باطلة، لأنها تخالف تعيين الشارع، فيقع الفعل أيضًا عن لواجب المضيق، وبعبارة مختصرة قال الحنفية: الواجب المضيق يختلف عن الواجب الموسع.
وقال جمهور العلماء: لا تصح النية المخالفة، ولا يقع الصوم عن رمضان، لأن المكلف قصد صيام النفل، وصرح بهذه النية، وجاهر بعدم رغبته في صوم رمضان، فإن صحت النية فتقع عن النفل، وإن بطلت وقع الفعل بدون نية فلا قيمة له، لأن النية شرط أساسي في العبادات، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى"، وأن الفعل إن كان عن رمضان مع نية غيره فيكون الصوم جبرًا على المكلف، وهذا ينافي صحة الأداء.
ورجح المحققون في المذهب الحنفي رأي الجمهور، وأن الحق معهم للحديث السابق.
أما الواجب المؤقت ذو الشبهين فإنه يقع صحيحًا بمطلق النية كالواجب المضيق، كمن نوى الحج مطلقًا ولم يبين أنه الفريضة أم النفل فإنه يقع عن الواجب، لأن الغالب أن يبدأ الإنسان بما يجب عليه، وإن نوى التطوع وقصد خلاف الواجب فإن فعله يقع تطوعًا حسب نيته عند الحنفية كالواجب الموسع، وقال الشافعية: ينصرف إلى الفرض، حتى قال النووي رحمه اللَّه تعالى: "لو تكلف غير المستطيع الحج وقع عن فرض الإسلام، ولو نوى غيره وقع عنه"