التحبير شرح التحرير للمرداوي - (ج: 2) - (ص: 923).
{ ما لا يتم [الوجوب] إلا به ليس بواجب مطلقا إجماعا } .
سَوَاء قدر عَلَيْهِ الْمُكَلف: كاكتساب المَال لِلْحَجِّ، وَالْكَفَّارَات، وَنَحْوهمَا.
قَالَ ابْن عقيل وَغَيره: (وإرغاب العَبْد سَيّده فِي كِتَابَته بِمَال كثير).
أَو لم يقدر عَلَيْهِ: كَالْيَدِ فِي الْكِتَابَة، وَحُضُور الإِمَام وَالْعدَد الْمُشْتَرط فِي الْجُمُعَة، فَإِنَّهُ لَا صنع للمكلف فِيهِ.
المهذب في علم أصول الفقه المقارن - د. عبد الكريم النملة - (1/ 220: 221)
ما لا يتم الواجب إلا به هل هو واجب؟
هذه المسألة تسمى تارة بهذا الاسم، وتسمى تارة بـ " مقدمة الواجب "، وتارة تسمى بـ " الوسيلة " أو " وسيلة الواجب " أو "ما لا يتم الأمر إلا به يكون مأموراً به ".تحرير محل النزاع في هذه المسألة: أقول في ذلك: إن الذي يتوقف عليه الواجب قسمان: القسم الأول: ما يتوقف عليه في وجوبه.
القسم الثاني: ما يتوقف عليه في وقوعه.
أما القسم الأول - وهو: ما يتوقف عليه وجوب الواجب - فهذا القسم لا يجب إجماعا سواء كان سببا أو شرطا، أو انتفاء مانع.
فبلوغ النصاب - مثلاً - سبب يتوقف عليه وجوب الزكاة، فلا يجب على أحد تحصيله حتى تجب الزكاة عليه.
والزوجات والمماليك سبب وجوب النفقات، فلا يجب تحصيلها حتى تجب تلك النفقات.
والإقامة شرط وجوب الصوم، فلا يجب على أحد أن يقيم في بلد ويترك السفر حتى يجب عليه الصوم.
والدين مانع من الزكاة، فلا يجب على أحد أن يوفي دينه حتى تجب الزكاة.
الوجيز في أصول الفقه الإسلامي - د. محمد مصطفى الزحيلي - (1/ 329: 331)
حكم مقدمة الواجب:
اتفق العلماء على أن مقدمة الوجوب ليست واجبة على المكلف لأنها ليست في مقدوره، مثل دخول الوقت والاستطاعة وحولان الحول.
أما مقدمة الوجود فهي نوعان، نوع لا يقدر المكلف على فعله فلا يجب عليه، كحضور العدد في صلاة الجمعة، ونوع يقدر المكلف على فعله، مثل صيام جزء من الليل حتى يكون صوم النهار الواجب صحيحًا، ومثل غسل جزء من الرأس، حتى يكون غسل الوجه الواجب في الوضوء صحيحًا، فهذا النوع واجب باتفاق العلماء، وهو المقصود من مقدمة الواجب، وقاعدة "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب".
لكنهم اختلفوا في دليل الإيجاب، هل هو نفس دليل الواجب الأصلي، أم هو بدليل جديد؟ أي هل إيجاب الواجب يدل على إيجاب مقدمته أم لا يدل عليها، ولا بد من إيجاب جديد، اختلفوا على عدة مذاهب نذكر اثنين منها:
الأول: مذهب الجمهور وهو أن دليل الواجب يدل على وجوب المقدمة، سواء أكانت سببًا أم شرطًا، لأن التكليف بالواجب بدون التكليف بمقدمته يؤدي إلى التكليف بالمحال، وهو ممنوع، وأن السعي إلى تحصيل أسباب الواجب واجب، وأن السعي في تحصيل أسباب الحرام حرام، باتفاق، فكان دليل الواجب دليلًا للمقدمة.
الثاني: وهو عكس الأول، وهو أن مقدمة الواجب لا تجب بإيجاب الواجب، وإنما تحتاج إلى إيجاب جديد، لأنه لو وجبت المقدمة بدليل الواجب الأول لوجب التصريح بها، مع أن المقدمة لا يصرح بها، أو لكانت واردة في ذهن المخاطب مع أنه كثيرًا ما يغفل عنها، فإثبات
إيجاب المقدمة لشيء لا يقتضيه الخطاب فيكون باطلًا .
وهناك آراء أخرى تفرق بين السبب والشرط، وبين الشرط الشرعي والشرط العقلي وغيره، وذلك أن عدم المشروط عند عدم الشرط إن كان منشؤه الشرع فهو شرط شرعي، كالطهارة بالنسبة للصلاة، وإن كان منشؤه العقل فهو شرط عقلي، مثل ترك ضد من أضداد المأمور به، كالأكل بالنسبة للصلاة، وإن كان منشؤه العادة فهو شرط عادي، كنصب السلم بالنسبة لصعود السطح، وغسل جزء من الرأس بالنسبة لغسل الوجه، فإن غسل الوجه لا ينفك عادة عن غسل جزء من الرأس.
وتفصيل هذا الموضوع دقيق ولا طائل تحته، ولذا نكتفي بهذا الجزء منه، قال الآمدي: وبالجملة فالمسألة وعرة، والطرق ضيقة فليقنع بمثل هذا في المضيق.
فائدة: يقول القرافي رحمه اللَّه تعالى: "الوسيلة إلى أفضل المقاصد أفضل الوسائل، وإلى أقبح المقاصد أقبح الوسائل، وإلى ما هو متوسط متوسطة".