شرح الكوكب المنير لتقي الدين الفتوحي -(ج: 1) - (ص: 402).
المندوب لغة" أي: في اللغة: "المدعو لمهم" أي: لأمر مهم "من الندب، وهو الدعاء" لأمر مهم. قال الشاعر:
لا يسألون أخاهم حين يندبهم ... في النائبات على ما قال برهانا
ومنه الحديث: "انتدب الله لمن يخرج في سبيله" أي: أجاب له طلب مغفرة ذنوبه.
والاسم الندبة - مثل غرفة-، وندبت المرأة الميت، فهي نادبة، والجمع نوادب؛ لأنه كالدعاء، فإنها تقبل على تعديد محاسنه، كأنه يسمعها.
"و" المندوب "شرعًا" أي في عرف أهل الشرع: "ما أثيب فاعله" كالسنن الرواتب "ولو" كان "قولا" كأذكار الحج "و" لو كان "عمل قلب" كالخشوع في الصلاة.
المهذب في علم أصول الفقه المقارن - د. عبد الكريم النملة - (1/ 233، 235)
أولاً: المندوب لغة مأخوذ من الندب وهو: الدعاء إلى أمر مهم، يقال: " ندبته " أي: دعيته إلى شيء مهم، ولم يرد عن العرب إلا لذلك كما قال قريط العنبري: لا يسألون أخاهم حين يندبهم للنائبات على ما قال برهانا والنائبة هي: المصيبة العظيمة.
فهذا الشاعر قد دعا بني مازن من تميم لنجدته وإعانته على استرجاع إبله ممن أخذها، فقاموا بذلك، واسترجاع الإبل من الأعداء ليس بالأمر الهين، فيثبت: أن الندب هو الدعاء إلى فعل أمر مهم، أما الدعاء إلى فعل أمر غير مهم، فلا يسمى ندباً.ثانياً: المندوب اصطلاحا: أقرب التعريفات إلى الصحة عندي هو: المطلوب فعله شرعاً من غير ذم على تركه مطلقاً.
شرح التعريف وبيان محترزاته:
قولنا: " المطلوب فعله " أخرج الحرام؛ لأنه مطلوب تركه، - وأخرج المكروه؛ لأنه مطلوب تركه - أيضاً -، وأخرج المباح؛ لأنه لم يطلب تركه ولا فعله.قولنا: " شرعاً " أخرج المطلوب فعله من غير طريق الشرع.
قولنا: " من غير ذم على تركه " أخرج الواجب؛ لأنه مطلوب فعله، ويذم على تركه مطلقا.
قولنا: " مطلقا " لبيان أنه يجوز ترك المندوب مطلقاً، أي: بلا بدل.
وأخرج بلفظ " مطلقاً " الواجب الموسَّع، والواجب المخير، والواجب الكفائي؛ لأن هذه الواجبات الثلاثة يجوز تركها، لكن بشرط البدل.
فالواجب الموسَّع يجوز تركه في أول الوقت بشرط العزم على فعله في آخر الوقت.
والواجب المخيَّر يجوز فيه ترك أيِّ خصلة بشرط العزم على فعل الخصلة الأخرى من بين المخيَّر بينها.
والواجب الكفائي يجوز للمكلَّف ترك الواجب بشرط علمه بأن غيره قد فعله.
أما المندوب فيجوز تركه بلا بدل ولا شرط.
المهذب في علم أصول الفقه المقارن - د. عبد الكريم النملة - (1/ 235)
في صيغ المندوب وأساليبه:
المندوب ليس له صيغة معينة، بل له صيغ مختلفة تدل عليه وهي: الصيغة الأولى: الأمر الصريح إذا وجدت قرينة تصرفه من الوجوب إلى الندب، مثل قوله تعالى: (فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً) ، فهذا الأمر للندب وليس للوجوب، والقرينة الصارفة هي: السُّنَّة التقريرية؛ حيث إنه لما نزلت هذه الآية لم يكاتب بعض الصحابة عبيدهم الذين بين أيديهم، ولم ينكر عليهم النبي - صلى الله عليه وسلم -.الصيغة الثانية: التصريح بأن ذلك سُنَّة، كقوله - صلى الله عليه وسلم - في قيام رمضان - في رواية -: " وسننت لكم قيامه ".
الصيغة الثالثة: التصريح بالأفضلية الوارد من الشارع، ومنه قوله - في غسل الجمعة -: " ومن اغتسل فالغسل أفضل ".
الصيغة الرابعة: كل عبارة تدل على الترغيب، ومنه قوله - عليه السلام - لبريرة - حيث أعتقت وفارقت زوجها مغيثا وكان رقيقا -: " لو راجعتيه ".
الوجيز في أصول الفقه الإسلامي - د. محمد مصطفى الزحيلي - (1/ 333: 336)
تعريف المندوب:
المندوب أصله المندوب إليه، وحذف الجار والمجرور تخفيفًا وتسهيلًا، والمندوب في اللغة: المدعو إليه والمستحب، والندب: الدعاء إلى أمر مهم، ومنه قول الشاعر:
لا يسألون أخاهم حين يندبهم *** في النائبات على ما قال برهانا
وفي الاصطلاح: نذكر تعريفين له -كما فعلنا في الواجب- أحدهما: يتعلق بالماهية في دليل الحكم، والثاني: يتعلق في أثر الخطاب بالمدح والذم أو بالثواب والعقاب.
التعريف الأول:
المندوب: هو ما طلب الشارع فعله طلبًا غير جازم.
1 - ما: اسم موصول بمعنى الذي، صفة فعل المكلف، لأن المندوب هو الفعل الذي تعلق به الندب، والندب حكم شرعي يتعلق بأفعال المكلفين، ولفظ "ما" يشمل كل فعل يتعلق به أحد الأحكام الخمسة، ويخرج فعل غير المكلف كفعل اللَّه تعالى، فلا يوصف بالندب والإيجاب.2 - طلب الشارع فعله: وذلك بخطاب اللَّه الاقتضائي، ويدخل في التعريف الواجب والمندوب، ويخرج المباح والمكروه والمحرم؛ لأن الشرع لم يطلب فعلها، وتخرج الأحكام الوضعية أيضًا.
3 - طلبًا غير جازم: يخرج الواجب بأنواعه، لأن الشارع طلبه طلبًا جازمًا، والطلب غير الجازم إما أن يكون صريحًا أو غير صريح، كما سنرى قريبًا.
فالمندوب هو فعل المكلف الذي طلبه الشارع طلبًا غير جازم ولا حتمي.
التعريف الثاني:
عرف البيضاوي المندوب فقال: "هو ما يحمد فاعله ولايذم تاركه".
1 - ما يحمد: ما اسم موصول صفة لفعل المكلف -كما سبق- الحمد لغة: الثناء بالجميل على فعل الجميل، والمراد به هنا الثواب من اللَّه تعالى، ويخرج من التعريف المباح، لأنه لا حمد فيه على الفعل، ولا حمد فيه على الترك.
2 - فاعله: قيد أول يخرج المكروه والحرام، فإنه يحمد تاركهما، وحمد الفاعل يدخل فيه الواجب والمندوب.
3 - ولا يذم تاركه: يخرج الواجب بأنواعه، لأن تارك الواجب مذموم، أما تارك المندوب فلا يذم ولا يعاقب، لأن الشارع تركه بدون جزم.
وأضاف بعض العلماء لفظ "مطلقًا" على التعريف، أي لا يذم تاركه مطلقًا في جميع حالات الترك، لإخراج الواجب المخير، لأن المخاطب لا يذم على تركه في الجملة إذا فعل واحدًا من المأمورات، ولإخراج الواجب الموسع، لأن المكلف لا يذم على تركه في أول الوقت، فالذم في الواجب المخير بترك جميع المأمورات، والذم في الواجب الموسع بتركه حتى فوات الوقت، ويخرج المباح لأنه لا يذم تاركه.
وذهب كثير من الأصوليين إلى اختيار الجمع بين التعريفين في المندوب، فعرفه الآمدي بقوله: "هو المطلوب فعله شرعًا من غير ذم على تركه مطلقًا".
الوجيز في أصول الفقه الإسلامي - د. محمد مصطفى الزحيلي - (1/ 336، 337)
الأساليب التي تفيد الندب:
الأساليب التي تدل على الندب كثيرة، وأهمها هي:
1 - التعبير الصريح بلفظ يندب أو يسن، مثل قوله - صلى الله عليه وسلم - في رمضان: "سننت لكم قيامه".
2 - الطلب غير الجازم، وذلك بأسلوب الأمر السابق المقترن بقرينة لفظية تصرف الأمر عن الوجوب إلى الندب، وقد تكون القرينة قاعدة شرعية عامة، مثل قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ } فلفظ { اكتبوه } أمر يقتضي الوجوب، وصرف من الوجوب إلى الندب بقرينة لاحقة في الآية بقوله تعالى: { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ } [البقرة: 283]، فكتابة الدَّيْن مندوب، لأن الدائن إن وثق بمدينه فلا حاجة لكتابة الدين عليه، ومثل قوله تعالى: { وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا } [النور: 33]، فلفظ كاتبوهم أمر بمكاتبة العبد ليصبح حرًّا فيما بعد، ولكن هذا الأمر يفيد الندب للنص على القرينة بعده فعلق الكتابة على علم المالك بأن الكتابة خير للعبد، ولوجود قرينة أخرى وهي قاعدة عامة في الشريعة أن المالك له حرية التصرف في ملكه، وأول الآية نصت على ثبوت الملك له { مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } مما يدل على أن الأمر مصروف من الإيجاب إلى الندب.
3 - عدم ترتيب العقوبة على ترك الفعل، مع طلبه من الشارع، كقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن اللَّه يحب أن تؤتى رخصه كما يجب أن تؤتى عزائمه"، فالحديث لم يرتب عقوبة على ترك الرخصة.
4 - مواظبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - على الفعل في معظم الأحيان، وتركه في حالة أو في بعض الأحيان، ليدل على عدم العقاب على الترك، كالسنن المؤكدة قبل صلاة الفرض أو بعدها.
5 - الأساليب العربية الأخرى التي تدل على عدم الإلزام وعدم التحتيم، مثل قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل" ومثل قوله: "إن اللَّه يحب أن يرى أثر نعمته على عبده"، وقوله: "إن اللَّه جميل يحب الجمال".
فهذه الأحاديث تدل على طلب الفعل، ولكن بدون إلزام ولا تحتيم، وبدون ترتيب العقوبة على التارك، وإنما اقتصر الطلب على التحبيب وبيان الفضل والترغيب في الفعل.