التقرير والتحبير لابن أمير الحاج - (ج: 2) - (ص: 185 ، 186).
ص -184-…مسألة
"اختلف في لفظ المأمور به في المندوب" أي في أن تسميته به حقيقة أو مجاز "قيل" أي قال القاضي عضد الدين "عن المحققين: حقيقة،
والحنفية وجمع من الشافعية: مجاز ويجب كون مراد المثبت" للحقيقة "إن الصيغة" أي صيغة الأمر "في الندب يطلق عليها لفظ أمر حقيقة بناء على عرف النحاة في أن الأمر" اسم "للصيغة المقابلة لصيغة الماضي وأخيه" أي وصيغة المضارع حال كون الصيغة المذكورة "مستعملة في الإيجاب أو غيره" كالندب والإباحة "فمتعلقه" أي الأمر اسما للصيغة المذكورة "المندوب مأمور به حقيقة والنافي" للحقيقة مستمر "على ما ثبت أن الأمر خاص في الوجوب" والمراد به الصيغة وهو أي نفي الحقيقة "أوجه لابتنائه" أي النفي "على الثابت لغة" من أن الأمر خاص بالوجوب "
وابتناء الأول" أي الإثبات حقيقة "على الاصطلاح" للنحويين في أن الصيغة لما هو أعم من الوجوب. "واستدلال المثبت بإجماع أهل اللغة على انقسام الأمر إلى أمر إيجاب وأمر ندب إنما يصح على إرادة أهل الاصطلاح من النحاة" بأهل اللغة مجازا وحينئذ لا حاجة إلى ذلك فإن أحدا لا يخالف فيه حتى يستدل عليه بذلك "لأن ما ثبت من أن الأمر خاص في الوجوب حكم اللغة كاستدلالهم" أي وإرادة أهل الاصطلاح في هذا الاستدلال للمثبتين كإرادة الاصطلاح في استدلالهم أيضا "بأن فعله" أي المندوب "طاعة وهي" أي الطاعة "فعل المأمور به أي ما يطلق عليه لفظ المأمور في الاصطلاح" النحوي "وإلا" أي، وإن لم يكن مرادهم ذلك "فعين النزاع" إذ ليس النزاع إلا في أن إطلاق المأمور على المندوب في اللغة حقيقة أو مجاز "مع أنه" أي هذا الاستدلال إنما يتمشى "على تقدير اصطلاح في الطاعة" وهو أن الطاعة فعل المأمور
به بالاصطلاح النحوي "وهو" أي وهذا الاصطلاح فيها "منتف للقطع بعدم تسمية فعل المهدد عليه طاعة لأحد" أي لا يقال للفعل الذي تعلق به افعل به تهديدا إنه مأمور به ولا إنه أمر بذلك الفعل قطعا مع صدق الأمر اصطلاحا نحويا على صيغته بل الطاعة فعل المأمور به أو المندوب "وإلا" أي، وإن لم يرد المثبتون في الاصطلاح النحوي بل أرادوا في اللغة "فإنما يصح على أن الصيغة" التي هي مسمى لفظ أمر "حقيقة في الندب مشتركا" بينه وبين الإيجاب "أو خاصا" للندب "وهم" أي المثبتون "ينفونه" أي أنها حقيقة مشتركة بينهما أو خاصة في الندب ويجعلونها حقيقة في الوجوب خاصة فلا يكون المندوب مأمورا به حقيقة، وإن كان مطلوبا وحينئذ "فاستدلال النافي بأنه" أي المندوب "لو كان مأمورا أي حقيقة لكان تركه معصية" لما ثبت من أن تارك المأمور به عاص إذ كان الأمر خاصا بصيغة الإيجاب "ولما صح". قوله صلى الله عليه وسلم: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء" كما في صحيح ابن خزيمة وغيره أو عند كل صلاة كما في الصحيحين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ندبهم إلى السواك ونفى كونه مأمورا به لوجود المشقة على تقدير الأمر ثم فاستدلال النافي مبتدأ خبره "زيادة" منه غير محتاج إليها "وتأويله" أي الأمر في هذين "بحمله" أي الأمر "على قسم خاص هو أمر الإيجاب" كما ذكر ابن الحاجب وغيره مخالفة للظاهر "بلا دليل وقولهم" أي المثبتين "لدليلنا ظهر أنه لم يتم" وحينئذ فأخف الأمرين على المثبتين أن تجعل هذه المخالفة لفظية فالمثبت يعني الاصطلاح النحوي ولا يخالفه النافي والنافي مشى على الجادة ولا يخالفه المثبت كما أشار إليه بقوله "ومثل هذه" المسألة "في اللفظية الخلاف في أن المندوب تكليف والصحيح" الذي عليه الجمهور "عدمه" أي كونه تكليفا "خلافا للأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني والقاضي أيضا"، وإنما كان هذا الخلاف لفظيا "لدفع بعده" أي خلافه "بأن المراد" بقوله إنه تكليف "إيجاب اعتقاده" أي اعتقاد كونه مندوبا وإن كان هذا الدفع بعيدا أيضا؛ لأن الندب حكم والوجوب حكم آخر كما أشار إليهما القاضي عضد الدين وكيف لا، وفي هذا التأويل إهدار الندب من الأحكام التكليفية.
التقريب والإرشاد للباقلاني- (ج: 2) - (ص: 28).
باب: ذكر الفصل بين حقيقة الإيجاب والندب
فإن قيل: فما حقيقة الندب والفرق بينه وبين الإيجاب؟
قيل: حقيقة الندب أنه " اقتضاء" الطاعة والانقياد بالفعل مع سقوط اللوم والمأثم بتركه" وبهذا ينفصل من الواجب.
ولا يصح أن يحد الندب" بأنه ما كان فعله خيرا من تركه, من غير ممأثم يلحق بتركه" لأن هذا تحقيق الفعل المندوب إليه دون الندب إليه الذي يفعل تارة ويترك أخرى.
فأما حد الإيجاب وحقيقته فإنه" اقتضاء الطاعة والانقياد بالفعل على وجه يحرم ترك موجبه ومتضمنه, أو تركه وترك البدل منه, أو تركه على وجه ما أو يلحق المأثم على ترك متضمنه على وجه ما."
وإنما قلنا: على وجه يحرم تركه أو تركه وترك البدل منه لأجل أنه قد يكون متضمنة الواجب فعله, وبهذا بان من الندب.
المحصول في علم أصول الفقه للرازي - (ج: 2) - (ص: 211 ، 212).
البحر المحيط في أصول الفقه للزركشي - (ج: 1) - (ص: 230 ، 231).
مسألة: المندوب مأمور به
المندوب مأمور به حقيقة في قول القاضي، والغزالي، وابن الصباغ، ونقله عن أبي بكر الدقاق وكثير من الأصحاب.
وقال سليم في "التقريب": إنه قول أكثر أصحابنا، وصور المسألة بما إذا ورد لفظ الأمر ودل الدليل على أن المراد به الندب، فإن ذلك لا يجعله مجازا؛ لأنه حمل على بعض ما يتناوله، وإخراج البعض فكان حقيقة كلفظ العموم إذا خص في بعض ما يتناوله، وبه قال أبو هاشم وغيره، ونقله ابن القشيري وغيره عن المعتزلة، ولهذا قسموا الأمر إلى واجب وندب، ومورد التقسيم مشترك.
وقال الكرخي وأبو بكر الرازي: ليس مأمورا به حقيقة بل مجازا، واختاره الشيخ أبو حامد، وأبو إسحاق وأبو بكر الشاشي، وإلكيا الهراسي، واستحسنه ابن السمعاني، ونقله ابن برهان في الأوسط عن معظم الأصحاب، ونقله المازري عن الشيخ أبي الحسن الأشعري، وقال ابن العربي: إنه الصحيح.
وقال الرازي في المحصول: إنه المختار، والصحيح: الأول، فقد قال القاضي أبو الطيب في شرح الكفاية: الصحيح من مذهب الشافعي: أن المندوب مأمور به، وقد نص عليه الشافعي في كتبه، ومن أصحابنا من قال: ليس مأمورا به، وهو خلاف نص الشافعي، فإن ثبت هذا كان في المسألة قولان. قال ابن الصباغ: وقولنا: إن ظاهر الأمر للوجوب يدل على أنه ليس مأمورا به، وقال الصفي الهندي: والصواب: أن الأمر إن كان حقيقة في الوجوب فقط فالمندوب ليس مأمورا به، وإلا فمأمور به، قال: والعجب من قول الغزالي، فإنه من جملة الواقفية في مقتضى الأمر، فكيف اختار أن المندوب مأمور به، وكان من حقه التوقف فيه، فإن قيل: كيف يصح القول بأنه مأمور به مع القول بأن صيغة افعل حقيقة في الوجوب؟ وهذا السؤال يخص الآمدي، وابن الحاجب فإنهما زعماه كذلك.
قلنا: الكلام هنا في الأمر هو صيغة أ م ر لا في صيغة افعل والأمر مقول على الواجب والمندوب بالحقيقة، و افعل يختص بالوجوب.
ومنهم من قال: الأمر المطلق لا يكون إلا إيجابا، وأما المندوب فهو مأمور به مقيدا لا مطلقا، فيدخل في مطلق الأمر لا في المطلق، وأما كونه حقيقة أو مجازا فهو بحث آخر، وقد أجاب عنه أبو محمد البغدادي من الحنابلة بأنه مشكك كالوجود والبياض، وأجاب القاضي منهم بأن الندب بعض الوجوب فهو كدلالة العلم على بعضه، وهو ليس بمجاز، وإنما المجاز دلالته على غيره.
قيل: والمندوب، وإن قلنا: إنه مأمور به إلا أن إطلاقه على الواجب أولى أو هو الظاهر من الإطلاق، وذلك بحسب الاستعمال الشرعي.
ثم قيل: الخلاف لفظي، إذ المندوب مطلوب بالاتفاق كما قاله إمام الحرمين وابن القشيري، فعلى هذا مطلوب هذه المسألة هل اقتضاء الشرع للمندوب أمر حقيقة أم لا؟ والصحيح: أنه معنوي.
المهذب في علم أصول الفقه المقارن - د. عبد الكريم النملة - (1/ 238، 245)
المسألة الخامسة: هل المندوب مأمور به حقيقة؟
لا خلاف ولا نزاع في أن المندوب تتعلق به صيغة الأمر " افعل "، وتستعمل فيه.ولكن الخلاف في -: هل المندوب مأمور به حقيقة؟ اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أن المندوب مأمور به حقيقة.
ذهب إلى ذلك الإمام الشافعي، وأحمد، وأكثر أتباعهما، واختاره المحققون من الحنفية، وهو وجه عند المالكية.
وهذا هو الصحيح عندي؛ للأدلة التالية: الدليل الأول: أن الأمر هو: استدعاء الفعل بالقول على وجه الاستعلاء.
والاستدعاء هو: الطلب، والمندوب مستدعى ومطلوب، وبناء على ذلك فإن المندوب يدخل في حقيقة الأمر كما دخل الواجب؟ لاشتراكهما في شيء واحد وهو: أن كلًّا منهما مستدعى ومطلوب، فهذا يصدق عليهما.
أي: كما أن " الإنسان " و " الفرس " يصدق عليهما اسم واحد،
وهو: " الحيوان "؛ إلا أن الأول حيوان ناطق، والثاني حيوان غير ناطق، فكذلك الواجب والمندوب يصدق عليهما اسم واحد، وهو: أن كلًّا منهما مأمور به حقيقة إلا أن الأمر بالواجب أمر جازم، والأمر بالمندوب أمر غير جازم.
الدليل الثاني: أنه قد شاع وذاع بين الفقهاء وأهل اللغة أن الأمر ينقسم إلى قسمين: " أمر إيجاب " و " أمر ندب واستحباب "، وحيث إن مورد القسمة مشترك بين القسمين بالضرورة، فإنه يثبت: أن المندوب مأمور به حقيقة كالواجب.
الدليل الثالث: أن اللَّه سبحانه وتعالى قد أطلق الأمر على المندوب في الكتاب، والأصل في الإطلاق الحقيقة، فيكون المندوب مأموراً به حقيقة.
من ذلك: قوله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى) ، فهنا قد أمر اللَّه تعالى بأشياء، منها: ما هو واجب، كالأمر بالعدل، ومنها ما هو مندوب إليه كالأمر بالإحسان، وإعطاء ذي القربى، وهذا يدل دلالة واضحة على أن الأمر يطلق على المندوب، كما يطلق على الواجب سواء بسواء، وهذا يقتضي أن المندوب مأمور به حقيقة كالواجب.
ومن ذلك قوله تعالى: (وأمر بالمعروف) ، فهنا قد أمر الله تعالى بالمعروف، والمعروف عام لدخول أل الاستغراقية عليه، فهو يشمل الطاعات الواجبة، والطاعات المندوبة، وهذا يدل على أن الأمر يطلق على المندوب حقيقة كما يطلق على الواجب ولا فرق.
ومن ذلك ما قالته أم عطية - رضي اللَّه عنها -: "أمرنا - صلى الله عليه وسلم - أن نخرج في العيدين العواتق "، ومعروف أنه ليس إخراجهن واجباً.
ومن ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم: " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بعيادة المريض، واتباع الجنائز، وتشميت العاطس، وإبرار القسم، ونصرة المظلوم، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام " فإن هذه الأمور فيها ما هو واجب، وفيها ما هو مندوب إليه، ومع ذلك قد وحَّد الشارع الأمر، مما يدل على أن الأمر قد استعمل في المندوب، والأصل في الاستعمال الحقيقة، فثبت أن المندوب مأمور به حقيقة.
الدليل الرابع: أن المندوب طاعة، وكل ما هو طاعة فهو مأمور به حقيقة، فالمندوب مأمور به حقيقة.
دليل المقدمة الصغرى - وهي: أن المندوب طاعة -: إجماع العلماء على أن المندوب طاعة.
دليل المقدمة الكبرى - وهي: أن كل ما هو طاعة فهو مأمور به حقيقة -: أن الطاعة تقابل المعصية، والمعصية مخالفة الأمر، فالطاعة: امتثال الأمر.
فتكون النتيجة: أن المندوب مأمور به حقيقة.
اعتراض على هذا: قال معترض على الدليل الرابع: إن كون المندوب طاعة لا يدل على أنه مأمور به؛ لأن الطاعة ليست من خصائص الأمر.
جوابه: يقال في الجواب عن ذلك: إن الطاعة والمعصية مقرونتان بالأمر من حيث الامتثال والمخالفة، فيكونان من خصائصه، ويؤيد ما قلناه نصوص قد وردت: منها: قوله تعالى: (أفعصيت أمري) ، وقوله: (ويفعلون ما يؤمرون) .
ومن ذلك: قول حصين بن منذر ليزيد بن المهلَّب - شعراً -:
أمرتك أمراً جازما فعصيتني*** فأصبحت مسلوب الإمارة نادمَا
فما أنا بالباكي عليك صبابة *** وما أنا بالداعي لترجع سالماَومن ذلك قول العرب - نثراً -: " فلان مطاع الأمر "، و " فلان معصي الأمر "، وقولهم: " أمر فأطيع "، وقولهم: "أمر فعصي ".
المذهب الثاني: أن المندوب غير مأمور به حقيقة، وإنما اعتبر مأموراً به عن طريق المجاز.
ذهب إلى ذلك: أبو الحسن الكرخي، والجصاص، وأبو بكر الشاشي، وأبو إسحاق الشيرازي، وأبو حامد الإسفراييني، وفخر الدين الرازي، وعبد الرحمن الحلواني، ونقل عن أكثر الشافعية، وهو وجه للمالكية، واختاره إلكيا الهراسي، وأستحسنه ابن السمعاني، وصحَّحه ابن العربي.
أدلة أصحاب هذا المذهب: الدليل الأول: قوله تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) .
وجه الدلالة: أن اللَّه حذَّرنا من مخالفة أمره، وتوعَد من يخالف ذلك الأمر بالعقاب - وهو الفتنة والعذاب -، فلو كان المندوب مأموراً به حقيقة لحذَّرنا اللَّه سبحانه من مخالفته، ولكن لم يصدر أيّ تحذير من مخالفة المندوب؛ حيث إنه يثاب على فعله، ولا يعاقب على تركه، فينتج أن المندوب ليس مأموراً به حقيقة.
جوابه: يقال في الجواب عنه؛ إنا نسلِّم أن الأمر - هنا - يقتضي الوجوب حيث إن اللَّه تعالى توعَّد من يخالف أمره بالعقاب، ولكن يجوز صرف هذا الأمر من الوجوب إلى الندب بصارف، فإذا صرف الأمر من كونه يقتضي الوجوب إلى كونه يقتضى الندب، فإن ذلك لا يخرج الأمر عن تسميته أمراً، فثبت: أن الأمر يطلق على المندوب حقيقة كالواجب بدليل: اشتراكهما في التسمية.
الدليل الثاني: قوله - صلى الله عليه وسلم -: " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ".
وجه الدلالة: أن " لولا " تفيد انتفاء شىء لوجود غيره، والمراد هنا: انتفاء الأمر لوجود المشقة.
فلو كان المندوب مأموراً به حقيقة، لكان السواك مأموراً به، ولكن الصادق المصدوق نفى الأمر عن السواك من أجل المشقة التي ستلحق الأمة لو أمر به، والمشقة لا تلحق إلا فيما يجب فعله، فثبت أن المندوب غير مأمور به حقيقة.
جوابه: يقال في الجواب عنه: إن المنفي هنا هو الأمر الجازم الذي يقتضي الوجوب، ويكون تقدير الكلام: " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أمر إيجاب وإلزام "، بدليل: أنه امتنع منه لأجل المشقة، والمشقة إنما تلحق فيما يلزم فعله.
وإذا ثبت أن المنفي هو الأمر الجازم: ثبت أن الأمر غير الجازم لم ينفه الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وهو الدال على المندوب، فنتج من ذلك: أن المندوب مأمور به حقيقة بقطع النظر عن كونه جازماً أو غير جازم.
الدليل الثالث: أنه يفهم من صيغة الأمر أنها تقتضي إيقاع الفعل
اقتضاء جازما لا تخيير فيه؛ حيث إن تاركه يعاقب، بخلاف المندوب، فإن فيه نوع تخيير، وهو: إن شاء المكلَّف فعل المندوب وله ثواب، وإن شاء ترك ولا عقاب عليه، ولو كان المندوب مأموراً به حقيقة لما وقع التخيير فيه، فثبت أن المندوب ليس مأموراً به حقيقة لثبوت التخيير فيه.
جوابه: يجاب عنه بجوابين: الجواب الأول: لا نُسَلِّمُ أن الأمر ليس فيه تخيير، بل يقع التخيير فيه بدليل " الواجب الموسَّع "، حيث خيَّر الشارع المكلَّف بين أن يوقع الفعل في أول الوقت، أو وسطه، أو آخره، وبدليل "الواجب المخيَّر "، حيث خيَّر الشارع المكلَّف بين أن يفعل إحدى خصال الكفارة.
الجواب الثاني: سلمنا لكم قولكم: " إن الأمر لا تخيير فيه "، ولكن لا نُسَلِّمُ أن المندوب فيه تخيير؛ لأن فعل المندوب أرجح من تركه.
أما التخيير فهو عبارة عن كون فعل الشيء وتركه سواء لا يرجح أحدهما على الآخر كالفعل والترك بالنسبة للمباح، فثبت أن المندوب لا تخيير فيه، فشارك الواجب في عدم التخيير، فثبتت مشاركته في كونه مأموراً به حقيقة، فنتج: أن المندوب مأمور به حقيقة.
الدليل الرابع: لو كان المندوب مأموراً به لسمى تاركه عاصيا، ولجاز أن يقال لمن ترك قيام الليل، وصيام التطوع، وصلاة النفل، وصدقات التطوع، وإماطة الأذى عن الطريق: " عصيت أمر اللَّه "،
كما يقال في الواجب، ولما لم يجز أن يوصف تارك المندوب بالعصيان دلَّ على أن المندوب غير مأمور به حقيقة.
جوابه: يقال في الجواب عنه: إن تارك المندوب لم يسم عاصياً بسبب أن العصيان اسم ذم مختص بمخالفة أمر الإيجاب، فلو سمي تارك المندوب عاصياً لالتبس مع الواجب، لذلك أسقط اللَّه تعالى الذم عن تارك المندوب.
بيان نوع هذا الخلاف: لقد اختلف في هذا الخلاف على قولين: القول الأول: إن الخلاف لفظي لا ثمرة له.
وهذا هو الصحيح عندي؛ لأن المندوب مطلوب فعله باتفاق أصحاب المذهبين، فلم يبق إلا في إطلاق اسم الأمر على المندوب حقيقة، أو مجازاً.
القول الثاني: إن الخلاف معنوي، قد ترتب عليه بعض الآثار والفوائد، منها:
1 - أنه إذا ورد لفظ الأمر، ودل دليل على أنه لم يرد به الوجوب، فإنه يحمل على الندب، دون الحاجة إلى دليل، وذلك بناء على المذهب الأول؛ حيث إن اللفظ عندهم له حقيقتان.أما على المذهب الثاني: فإنه لا يحمل الأمر على الندب إلا بدليل وذلك لأن حمل اللفظ على المجاز لا يجوز إلا بدلالة؛ لجواز كون الأمر للإباحة.
2 - أنه إذا قال الراوي: " أمرنا "، أو "أمرنا رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - بكذا "
فعلى المذهب الأول: يكون الأمر متردداً بين إرادة الوجوب والندب، فيكون الأمر مجملاً بينهما ولا بد من دليل يرجح المقصود.
أما على المذهب الثاني: فإن الأمر يكون للوجوب، وهو ظاهر فيه حتى يقوم دليل على خلافه.
الوجيز في أصول الفقه الإسلامي - د. محمد مصطفى الزحيلي - (1/ 338: 340)
هل المندوب مأمور به:
بما أن الندب يستفاد من صيغة الأمر المصحوب بقرينة صارفة عن الإيجاب إلى الندب، فيتفرع عن ذلك مسألة هامة، وهي هل المندوب مأمور به أم لا؟اتفق العلماء على كون المندوب مأمورًا به، ثم اختلفوا في طبيعة هذا الأمر على قولين:
القول الأول: أن المندوب مأمور به حقيقة، وهو رأي الجمهور من الشافعية والحنابلة وقول عند المالكية والمحققين من الحنفية، واستدلوا على ذلك بما يلي:
1 - إن فعل المندوب يسمى طاعة، والطاعة تكون من امتثال أمر اللَّه تعالى لعباده، فكان المندوب مأمورًا به.
واعترض ابن عبد الشكور على الدليل فقال: الطاعة تكون في الأمر وتكون في الندب، فلا يكون الندب مأمورًا به.
2 - إن الأمر ينقسم لغة إلى قسمين أمر إيجاب وأمر ندب، وكما أن الواجب مأمور به، فكذلك يكون المندوب مأمورًا به.
واعترض على الاستدلال بأن الأمر ينقسم عند أهل اللغة إلى أمر تهديد وأمر إباحة أيضًا، والتهديد والإباحة ليس مأمورًا بهما باتفاق، فيكون الندب كذلك ليس مأمورًا به حقيقة.
3 - المندوب مطلوب كالواجب، ولكن الواجب مطلوب مع ذم تاركه، والمندوب مطلوب من الشارع مع عدم ذم تاركه، والطلب أمر من الشارع، فالمندوب مأمور به.
القول الثاني: أن المندوب ليس مأمورًا به حقيقة، وإنما هو مأمور به مجازًا، وهو رأي بعض الحنفية، كالكرخي والرازي، وأخذت به كتب الحنفية، واستدلوا على ذلك بما يلي:
1 - لو كان المندوب مأمورًا به حقيقة لكان تركه معصية، والمعصية معاقب عليها لمخالفة الأمر، مع أن العلماء اتفقوا على أن ترك المندوب لا يكون معصية، وأن التارك لا يعاقب فاعله، ولا يذم -كما سبق في حكمه- فكان المندوب مأمورًا به مجازًا فقط .
ويعترض الغزالي عليهم بأن الندب اقتضاء لا تخيير فيه، لأن التخيير عبارة عن تسوية بين أمرين، فإذا رجح جهة الفعل بربط الثواب به ارتفعت التسوية والتخيير، واللَّه تعالى يقتضي من عباده ما فيه صلاحهم، ويقتضي بالندب لنيل الثواب، وأما القول بأن تاركه لا يسمى عاصيًا فسببه أن العصيان اسم ذم مختص بمخالفة أمر الإيجاب، وقد أسقط الذم عن المندوب، ويسمى تاركه مخالفًا وغير ممتثل، كما يسمى فاعله موافقًا ومطيعًا .
2 - قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة"، فالسواك مندوب، ولم يأمر به الرسول عليه الصلاة والسلام، ولو أمر به لكان واجبًا.
واعترض عليه بأن الأمر في الحديث محمول على أمر الإيجاب للجمع بين الأدلة، أي: إن الحديث لم يأمر أمر الإيجاب، وهذا الحديث استدل به ابن بدران للدلالة على أن المندوب مأمور به حقيقة.
3 - الأمر حقيقة في لفظ "افعل"، وهذا اللفظ حقيقة في الإيجاب فقط، فالأمر حقيقة في الإيجاب، ولا يكون حقيقة في الندب.
وأرى أن هذا الخلاف لفظي لا طائل تحته، ولا تترتب عليه حقائق عملية في الأحكام بين الجمهور والحنفية، وإنما ذكرناه كنموذج عن البحوث النظرية الكثيرة التي بحثها علماء الأصول، وأطالوا الحديث عنها من الناحية النظرية والفكرية والجدلية.