البحر المحيط في أصول الفقه للزركشي - (ج: 3) - (ص: 247 ،248).
[أقسام الأفعال]
وأما تقسيم الأفعال: ففعله صلى الله عليه وسلم ينقسم إلى أقسام:
أحدها : ما كان من هواجس النفس والحركات البشرية، كتصرف الأعضاء وحركات الجسد. قال ابن السمعاني: فلا يتعلق بذلك أمر بامتناع ولا نهي عن مخالفة، أي وإنما يدل على الإباحة.
الثاني : ما لا يتعلق بالعبادات، ووضح فيه أمر الجبلة، كأحواله في قيامه وقعوده، والمشهور في كتب الأصول أنه يدل على الإباحة، ونقل القاضي عن قوم أنه مندوب بخصوصه، وكذلك حكاه الغزالي في "المنخول". وقد كان ابن عمر لما حج جر خطام ناقته حتى بركها حيث بركت ناقة النبي صلى الله عليه وسلم تبركا بآثاره الظاهرة.
الثالث : ما احتمل أن يخرج عن الجبلية إلى التشريع بمواظبته على وجه خاص، كالأكل والشرب، واللبس والنوم، وهو دون ما ظهر منه قصد القربة، وفوق ما ظهر فيه الجبلية، وقد يخرج فيه قولان للشافعي من القولين في تعارض الأصل والظاهر، إذ الأصل عدم التشريع، والظاهر أنه شرعي; لكونه منصوبًا لبيان الشرعيات، وقد جاء عن الشافعي أنه قال لبعض أصحابه: اسقني قائمًا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم شرب قائمًا.
شرح الكوكب المنير لتقي الدين الفتوحي -(ج: 2) - (ص: 178 : 182).
"وما كان" من أفعاله صلى الله عليه وسلم "جبليًّا. كنوم" واستيقاظ وقيام وقعود وذهاب ورجوع وأكل وشرب ونحو ذلك فمباح. قطع به الأكثر، ولم يحكوا فيه خلافًا؛ لأن ذلك لم يقصد به التشريع. ولم نتعبد به، ولذلك نسب إلى الجبلة. وهي الخلقة، لكن لو تأسى به متأس فلا بأس، كما فعل ابن عمر رضي الله عنهما. فإنه كان إذا حج يجر بخطام ناقته حتى يبركها حيث بركت ناقته صلى الله عليه وسلم تبركًا بآثاره، وإن تركه لا رغبة عنه، ولا استكبارًا فلا بأس.
ونقل ابن الباقلاني والغزالي قولًا: أنه يندب التأسي به. ونقل أبو إسحاق الإسفراييني وجهين:
أحدهما: هذا وعزاه لأكثر المحدثين.
والثاني: لا يتبع فيه أصلًا. فتصير الأقوال ثلاثة: مندوب ومباح وممتنع.
وما كان من أفعاله صلى الله عليه وسلم يحتمل الجبلي وغيره، وهو المشار إليه بقوله: "أو يحتمله كجلسة الاستراحة" وركوبه في الحج ودخوله مكة من ثنية كداء، وخروجه من ثنية كدي، وذهابه ورجوعه في العيد ونحوه. "ولبسه" النعل "السبتي" والخاتم "فمباح" عند الأكثر. وقيل: مندوب.
قال في "شرح التحرير": وهو أظهر وأوضح، وهو ظاهر فعل الإمام أحمد رضي الله عنه، فإنه تسرى، واختفى ثلاثة أيام، ثم انتقل إلى موضع آخر اقتداء بفعل النبي صلى الله عليه وسلم في التسري، واختفائه في الغار ثلاثًا. وقال: ما بلغني حديث إلا عملت به، حتى أعطي الحجام دينارًا.
وورد أيضًا عن الإمام الشافعي فإنه جاء عنه أنه قال لبعض أصحابه: اسقني. فشرب قائمًا. فإنه صلى الله عليه وسلم شرب قائمًا.
المهذب في علم أصول الفقه المقارن - د. عبد الكريم النملة - (2/ 830)
الوجيز في أصول الفقه الإسلامي - د. محمد مصطفى الزحيلي - (1/ 189)
- ما صدر عن رسول الله بمقتضى طبيعته الإنسانية من قيام وقعود ومشي ونوم وأكل وشرب وغير ذلك من الأفعال فلا تعتبر تشريعًا؛ لأن هذه الأعمال صدرت عنه بصفته الإنسانية وليس بصفته التشريعية، ويطلق عليها العلماء الأفعال الجبلية، إلا إذا قام الدليل على أن المقصود من فعله الاقتداء فتكون تشريعًا بهذا الدليل، وليس بمجرد صدوره عنه، كالأكل باليد اليمنى الذي ورد في حديث ابن أم سلمة "يا غلام، سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك".