المستصفى في علم الأصول لمحمد الغزالي - (ج: 1) - (ص: 152).
مسألة: الإجماع السكوتي
إذا أفتى بعض الصحابة بفتوى وسكت الآخرون لم ينعقد الإجماع، ولا ينسب إلى ساكت قول، وقال قوم: إذا انتشر وسكتوا فسكوتهم كالنطق حتى يتم به الإجماع، وشرط قوم انقراض العصر على السكوت، وقال قوم: هو حجة وليس بإجماع، وقال قوم: ليس بحجة ولا إجماع، ولكنه دليل تجويزهم الاجتهاد في المسألة، والمختار أنه ليس بإجماع ولا حجة، ولا هو دليل على تجويز الاجتهاد في المسألة، إلا إذا دلت قرائن الاحوال
على أنهم سكتوا مضمرين الرضا، وجواز الأخذ به عند السكوت، والدليل عليه أن فتواه، إنما تعلم بقوله الصريح الذي لا يتطرق إليه احتمال وتردد.
الإبهاج في شرح المنهاج للسبكي -(ج: 2) - (ص: 370 : 372).
الباب الثاني: في أنواع الإجماع، وفيه مسائل:
الأولى إذا اختلفوا على قولين فهل لمن بعدهم إحداث الثالث، والحق أن الثالث إن لم يرفع مجمعًا عليه جاز وإلا فلا، مثاله: قيل في الجد مع الأخ الميراث للجد، وقيل: لهما، فلا سبيل إلى حرمانه.
لك هنا مناقشتان:
إحداهما: كان من جنس الوضع تأخير هذا الباب عن الذي بعده وهو الثالث في شرائط الإجماع.
والثانية: أن الإجماع شيء واحد ليس تحته أنواع لكنه أراد الأنواع ما لا يكون إجماعا عند طائفة دون الآخرين وهو إجماع بالإتفاق ثم عرض الفصل أنه اختلف أهل العصر في المسألة على قولين هل يجوز لمن بعدهم احداث قول ثالث وفيه ثلاثة مذاهب.
الأول: المنع مطلقًا وعليه الجمهور.
والثاني: الجواز مطلقًا وعليه طائفة من الحنفية والشيعة وأهل الظاهر.
والثالث: وهو الحق عند المتأخرين وعليه الإمام وأتباعه الآمدي أن الثالث ان لزم رفع ما أجمعوا عليه لم يجز أحداثه وإلا جاز،مثال الأول: إذا مات رجل وخلف جدًّا وإخوة، ذهب بعض العلماء إلى الاشتراك، وذهب الباقون إلى سقوط الإخوة بالجد، فلو قال بإسقاط الجد بالأخوة لم يجز لأنه رافع لأمر مجمع عليه مستفاد من القولين المتقدمين، وهو أن الجد إما منفردًا أو مشاركًا للإخوة فإذا أسقطنا الجد فقد رفعنا أمرًا مجمعًا عليه. وهذا المثال سبق المصنف بذكره الإمام والآمدي وغيرهما وهو صحيح.
وإن صح ما نقله ابن حزم الظاهري من ذهاب بعضهم إلى انفراد الأخ بالمال لأن الإجماع وقع بعد ذلك على خلافهومن أمثلته أيضًا: الجارية الثيب إذا وطئها المشتري ثم وجد عيبًا قديمًا، قال بعضهم: تمنع الرد، وقال آخرون بالرد مع العقد، فالقول بالرد مجانًا ثالث، كذا صوره الآمدي في الثيب وابن الحاجب في البكر.
فإن قلت: كيف قال الشافعي رضي الله عنه ومالك والليث بالرد مجانًا.
قلت: لم يثبت تكلم جميع الصحابة في المسألة، بل كان القولان ممن يتكلم فيها فقط ولو فرض كلام جميعهم فلا نسلم استقرار رأيهم على قولين.
وهذا الفرض على تقرير صحة اختلاف الصحابة بل قد روي عن زيد بن ثابت مثل قولنا، ثم إن المنقول عن علي وعمر لم يصح.
قال والدي رحمه الله: وقد وقعت على أسانيد وردت في ذلك عنهما فرأيتها كلها ضعيفة، وأمثلها الرواية عن علي، وهي منقطعة لأنها من رواية علي بن الحسين وهو لم يدرك جده.
ومثال الثاني: وهو ما لم يرفع مجمعًا عليه ولم يمثل له في الكتاب، قيل: يجوز فسخ النكاح بأحد العيوب الخمسة وقيل: لا يجوز بشيء منها، فالقول بالفسخ بالبعض دون بعض ليس رافعًا لما أجمعوا عليه بل هو موافق لكل من القولين في بعض مقالتهومثاله أيضًا: قيل: يحل أكل متروك التسمية سهوًا وعمدًا، وقيل: لا يحل لا سهوًا ولا عمدًا، فالقول بالحل في السهو دون العمد جائز.
قال: قيل: اتفقوا على عدم الثالث، قلنا: كان مشروطًا بعدمه فزال بزواله، قيل: وارد على الوحداني، قلنا: لم يعتبر فيه إجماعًا.
احتج الجمهور وهم المانعون مطلقًا بوجهين:
أحدهما: أن اختلافهم على قولين إجماع على أنه يجب الأخذ بأحدهما ولا يجوز العدول عنهما وتجويز القول الثالث مبطل فكان مبطلًا
للإجماع وذلك باطل.
والجواب: الأخذ بأحد القولين وعدم جواز غيرهما مشروط بعدم حدوث ثالث فإذا حدث ثالث انتفى شرط الاتفاق على وجوب هذا الأخذ بأحد القولين وامتناع الثالث.
العدة لأبي يعلى الفراء - (ج: 4) - (ص: 1170).
مسألة: الإجماع السكوتي
إذا قال بعض الصحابة قولاً، وظهر للباقين، وسكتوا عن مخالفته والإنكار عليه حتى انقرض العصر، كان إجماعاً .
وهذا ظاهر كلام أحمد -رحمه الله- في رواية الحسن بن ثواب، قال: "أذهبُ في التكبير غداةَ يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق، فقيل له: إلى
أي شىء تذهب؟ قال: بالإجماع: عمر وعلي وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس" .
وظاهر هذا: أنه جعله إجماعاً، لانتشاره عنهم، ولم يظهر خلافه .
شرح الكوكب المنير لتقي الدين الفتوحي -(ج: 4) - (ص: 601 ، 602).
وهو أنواع. أحدها: الإجماع النطقي المتواتر، وهو أعلاها، ثم يليه الإجماع النطقي الثابت بالآحاد، ثم يليه الإجماع السكوتي المتواتر، ثم يليه الإجماع السكوتي الثابت بالآحاد، فهذه الأنواع الأربعة كلها مقدمة على باقي الأدلة. ثم "سابق" يعني أنه إذا نقل إجماعان متضادان، فالمعمول به منهما: هو السابق من الإجماعين. فيقدم إجماع الصحابة على إجماع التابعين،
وإجماع التابعين على من بعدهم، وهلم جرًّا؛ لأن السابق دائما أقرب إلى زمن النبي صلى الله عليه وسلم المشهود له بالخيرية في قوله "خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" فإن فرض في عصر واحد إجماعان، فالثاني باطل؛ لأن كل من اجتهد من المتأخرين فقوله باطل لمخالفته الإجماع السابق.
فإن كان أحد الإجماعين مختلفًا فيه، والآخر متفقًا عليه، فالمتفق عليه مقدم، وكذلك ما كان الخلاف في كونه إجماعا أضعف. فإنه يقدم على ما كان الخلاف في كونه إجماعا أقوى، وإلى ذلك أشير بقوله "ومتفق عليه أو أقوى".
قال ابن مفلح: وما اتفق عليه أو ضعف الخلاف فيه أولى. انتهى.
الأصول من علم الأصول (ص: 65، 66)
أنواع الإجماع:
الإجماع نوعان: قطعي وظني.
|1 - فالقطعي: ما يعلم وقوعه من الأمة بالضرورة كالإجماع على وجوب الصلوات الخمس وتحريم الزنى، وهذا النوع لا أحد ينكر ثبوته ولا كونه حجة، ويكفر مخالفه إذا كان ممن لا يجهله.2 - والظني: ما لا يعلم إلا بالتتبع والاستقراء. وقد اختلف العلماء في إمكان ثبوته، وأرجح الأقوال في ذلك رأي شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال في «العقيدة الواسطية» (1): «والإجماع الذي ينضبط ما كان عليه السلف الصالح، إذ بعدهم كثر الاختلاف وانتشرت الأمة». اهـ.
واعلم أن الأمة لا يمكن أن تجمع على خلاف دليل صحيح صريح غير منسوخ، فإنها لا تجمع إلا على حق، وإذا رأيت إجماعاً تظنه مخالفاً لذلك، فانظر فإما أن يكون الدليل غير صحيح، أو غير صريح، أو منسوخاً، أو في المسألة خلاف لم تعلمه.
المهذب في علم أصول الفقه المقارن - د. عبد الكريم النملة - (1/ 19)
المهذب في علم أصول الفقه المقارن - د. عبد الكريم النملة - (2/ 933: 941)
المهذب في علم أصول الفقه المقارن - د. عبد الكريم النملة - (3/ 989)
اختلاف الصحابة على قولين في مسألة معينة هو إجماع ضمني بينهم على صحة القولين، وهذا يجوز الأخذ بكل واحد منهما بلا دليل بالاتفاق.
وذهب بعضهم إلى أن إن اختلاف الصحابة على قولين لا يدل على ما ذكرتم، بل يدل على أنهم سوَّغوا وأجازوأ الأخذ بالأرجح منهما، ولا يمكن أن يتبين الراجح منهما إلا بالاجتهاد في القولين معا، ولا يمكن الاجتهاد إلا بالأدلة.
المهذب في علم أصول الفقه المقارن - د. عبد الكريم النملة - (2/ 917)
- الإجماع القطعي وهو: أن يتوفر فيه ما يلي: أولاً: أن تتوفر جميع شروط الإجماع السابقة - على التفصيل المذكور -.
ثانيا: أن يصرح كل واحد من المجتهدين بحكم المسألة، أو أن يصرح بعضهم، ويعمل البعض الآخر على وفق هذا القول المصرح.
ثالثا: أن ينقل هذا القول وهذا التصريح إلينا نقلاً متواتراً.
إذا توفرت هذه الأمور، فإن الإجماع يكون حُجَّة قاطعة.- الإجماع الظني وهو: ما اختل فيه أحد الأمور الثلاثة السابقة في القسم الأول، ويشتمل الكلام عن هذا القسم على مسائل كثيرة، منها المسألة الثامنة عشرة - من مسائل شروط الإجماع - وهي: " هل يشترط نقل الإجماع بالتواِتر؟ " فإذا نقل الإجماع الصريح بالآحاد صار إجماعاً ظنياً، وقد بينت ذلك في موضعه.
الوجيز في أصول الفقه الإسلامي - د. محمد مصطفى الزحيلي - (1/ 233، 236)
الإجماع هو الاتفاق على الحكم من جميع المجتهدين مع اختلاف أجناسهم وطوائفهم وبلادهم، وهذا الاتفاق إما أن يكون صريحًا بالقول أو بالفعل، وهو الإجماع الصريح الحقيقي المتفق عليه، وهو المراد عند إطلاق العلماء لفظ الإجماع، وإما أن يصدر بعض المجتهدين حكمًا ويسكت الآخرون عليه دون إقرار ولا إنكار، وهو الإجماع السكوتي، وهذا مختلف فيه، فقال الشافعية والظاهرية بعدم حجيته، وقال الحنفية والمالكية وأحمد: إنه حجة؛ وهاتان مرتبتان للإجماع، وله مراتب أخرى في كتب الأصول.