المستصفى في علم الأصول لمحمد الغزالي - (ج: 1) - (ص: 152).
مسألة: الإجماع السكوتي
إذا أفتى بعض الصحابة بفتوى وسكت الآخرون لم ينعقد الإجماع، ولا ينسب إلى ساكت قول، وقال قوم: إذا انتشر وسكتوا فسكوتهم كالنطق حتى يتم به الإجماع، وشرط قوم انقراض العصر على السكوت، وقال قوم: هو حجة وليس بإجماع، وقال قوم: ليس بحجة ولا إجماع، ولكنه دليل تجويزهم الاجتهاد في المسألة،
والمختار أنه ليس بإجماع ولا حجة.
المهذب في علم أصول الفقه المقارن - د. عبد الكريم النملة - (2/ 933: 941)
الإجماع السكوتي:
إذا قال بعض علماء العصر قولاً وسكت الباقون، أو أعلن بعض المجتهدين قولاً وسكت بقية أهل العصر من المجتهدين سكوتا لا يستدل منه على رضا ولا على سخط، فهل هذا يعتبر إجماعاً أو لا؟ الإجماع السكوتي ": لقد اختلف في ذلك على مذاهب، من أهمها ثلاثة: المذهب الأول: أنه يعتبر إجماعا وحُجَّة.ذهب إلى ذلك جمهور العلماء، وهو الحق؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: أنه لو اشترط لانعقاد الإجماع أن ينص كل واحد منهم على رأيه بصراحة لأدى ذلك إلى عدم انعقاد الإجماع أبداً؛ لأنه يتعذر اجتماع أهل كل عصر على قول يسمع منهم، والمتعذر معفو عنه؛ ل قوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) ، والمعتاد في كل عصر أن يتولى كبار العلماء إبداء الرأي، ويُسلِّم الباقون لهم، فثبت بذلك: أن سكوت الباقين دليل على أنهم موافقون على قول من أعلن رأيه في المسألة، فكان إجماعاً وحُجَّة.الدليل الثاني: الوقوع؛ حيث إن المجتهدين من التابعين إذا حدثت حادثة بينهم، ولم يجدوا حكماً لها في نص، ووجدوا قولا فيها لصحابي، وعلموا أن هذا القول قد انتشر، وسكت بقية الصحابة عن الإنكار، فإن التابعين لا يجوزون العدول عن ذلك القول، بل يعملون به؛ بناء على أنه قول قد أجمع عليه.
الدليل الثالث: قياس المسائل الاجتهادية على المسائل الاعتقادية، بيان ذلك: أنه قد ثبت أن العلماء قد أجمعوا على أن السكوت معتبر في المسائل الاعتقادية، أي: سكوت الساكت في العقيدة يدل على رضاه؛ لأنه لا يحل السكوت فيها على باطل، فيقاس عليها المسائل الاجتهادية، والجامع: أن الحق واحد، فلا يحل له السكوت في الأمور الاجتهادية إذا كان عنده بخلاف ما أعلن؛ لأن الساكت - عن الحق شيطان أخرس؛ لأن الحكم لو كان عنده بخلافه: لكان سكوته تركاً للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا بخلاف ما شهد اللَّه به لهذه الأمَّة من أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر،
فلو تصور منهم ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأدَّى ذلك إلى الخلف في كلامه سبحانه وتعالى، وهو محال، فوجب أن نحمل سكوت الساكت على أنه موافق لما أعلنه ذلك المجتهد، وهو الذي تدل عليه عدالته.
المذهب الثاني: أن ذلك ليس بإجماع ولا حُجَّة.
وهو مذهب داود الظاهري، وابنه محمد، وابن حزم، والمرتضى، وينسب إلى القاضي الباقلاني وعزاه للشافعي، وممن نسبه إلى الإمام الشافعي أيضاً كثير من الشافعية كالآمدي، وفخر الدين الرازي، وقال إمام الحرمين: إنه ظاهر مذهب الشافعي، واختاره الغزالي في " المستصفى "، والرازي في " المحصول "، والبيضاوي في " المنهاج "، وغيرهم.
أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: أن مذهب المجتهد يعلم بقوله الصريح الذي لا يتطرق إليه أي احتمال، أما سكوت الساكت فإنه يحتمل أنه سكت لكونه راضيا بالحكم الذي أعلنه ذلك المجتهد.
ويحتمل أنه سكت، لأنه لم يجتهد في المسألة الحادثة، بل تركها.
ويحتمل أنه اجتهد فيها، ولكنه سكت؛ لأنه لم يتوصل إلى حكم معين فيها.
ويحتمل أنه اجتهد فيها، وتوصل إلى حكم معين مخالف لرأي المجتهد المعلن، ولكنه لم يظهره، تقية ومخافة.
ويحتمل أنه اجتهد فيها، وتوصل إلى حكم مخالف لرأي المجتهد المعلن، ولكنه سكت لعارض طرأ عليه لم يظهره لنا.
ويحتمل أنه اجتهد فيها، وتوصل إلى حكم مخالف لرأي المجتهد المعلن، ولكنه سكت، لاعتقاده أن كل مجتهد مصيب.
ويحتمل أنه اجتهد فيها، وتوصل إلى حكم مخالف لرأي المجتهد المعلن، ولكنه سكت، لأنه يرى أن قول ذلك المجتهد جائزاً، وإن لم يكن هو موافقاً عليه، بل كان يعتقد خطأه.وإذا كان السكوت يحتمل هذه الاحتمالات، فلا يدل السكوت على الرضا لا قطعاً، ولا ظاهراً، وهو معنى قول الإمام الشافعي - رحمه اللَّه -: " لا ينسب لساكت قول "، وإذا كان الأمر كذلك فلا يكون سوتهم مع انتشار قول المجتهد المعلن له إجماعاً ولا حُجَّة.
جوابه: إنه إذا سكت المجتهد بعد أن يعلن المجتهد الآخر رأيه مدة يستطيع من خلالها التفكر في المسألة، فإن سكوته يدل على رضاه بذلك الرأي المعلن، فيكون إجماعاً وحُجَّة.
أما الاحتمالات التي ذكرتموها فلا نسلمها، وإليك بيان ذلك: أما الاحتمال الأول - وهو أنه سكت لعدم اجتهاده في المسألة - فلا يقبل ولا يجوز؛ لأمرين: أولهما: أن عدم اجتهاد العالم في الحادثة خلاف عادة العلماء عند نزول الحوادث.
ثانيهما: أن عدم اجتهاد العالم في الحادثة يؤدي إلى خلو العصر من حُجَّة اللَّه - تعالى -، لأنا إذا جوزنا أن يكون المجتهد المعلن لرأيه قد أخطأ، والمجتهد الساكت لم يجتهد فقد خلا العصر من حُجَّة، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: " لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يرد عليّ ".
أما الاحتمال الثاني - وهو: أنه اجتهد، ولكن لم يتوصل فيها إلى حكم- فهذا بعيد؛ لأمرين هما: الأمر الأول: أنه يبعد عدم وصول المجتهد إلى حكم معين في تلك الحادثة مع توفر الدواعي للاجتهاد، وظهور الدلائل.
الأمر الثاني: أن احتمال عدم وصول المجتهد إلى حكم معين يؤدي إلى خلو العصر عن القائم بحُجَة اللَّه تعالى؛ لأنا إذا فرضنا أن يكون المجتهد المعلن لمذهبه قد أخطأ فيه، والجتهد الساكت لم يصلِ إلى حكم معين فيها، فإنه يخلو العصر عن قائم لله تعالى بحجته.
أما الاحتمال الثالث - وهو: أنه لما توصل إلى حكم فيها لم يظهره تقية - فهو بعيد؛ لأمرين: الأمر الأول: أنه عرف من عادة المجتهدين الذين يفعلون مثل ذلك أن يظهر قوله ورأيه عند ثقاته وخاصته، ثم بعد مدة قصيرة ينتشر القول ويعرف.
الأمر الثاني: أنه إذا سكت حتى ينقرض العصر، فإما أن يموت من يتقيه، أو يموت هو قبل من يتقيه.
فإن مات من يتقيه قبل الساكت، فيجب - حينئذ - على الساكت أن يظهر قوله ورأيه، كما قال ابن عباس - حين توفي عمر -: إن المال لا يعول "، فقيل له: لِمَ لم تقل ذلك في زمن عمر؛ فقال: "هبته ".
وإن مات الساكت قبل من يتقيه فينعقد الإجماع.أما الاحتمال الرابع - وهو: أنه لما توصل إلى حكم فيها لم يظهره لعارض - فهو بعيد - أيضاً -؛ لأمرين: الأمر الأول: أن هذا خلاف الظاهر من عادة العلماء وأهل الحق.
الأمر الثاني: أن سكوت المجتهد من أجل عارض غير معروف: يؤدي إلى خلو العصر عن قائم لله تعالى بحجته؛ لأن هذا المجتهد إذا سكت، وذاك المجتهد المعلن لرأيه قد أخطأ في رأيه، فإنه يخلو العصر من حُجَّة.
أما الاحتمال الخامس - وهو: أنه سكت؛ لاعتقاده أن كل مجتهد مصيب -.
والاحتمال السادس - وهو: أنه سكت؛ لأنه لا يرى الإنكار في المجتهدات - فهما بعيدان - أيضا -؛ لأمرين:
الأمر الأول: أن من عادة من يعتقد أن كل مجتهد مصيب يأخذ بمذهب، ويخالف غيره فيه، ويناظر غيره، ويبين أن مذهبه هو الصحيح بخلاف مذهب غيره.الأمر الثاني: أن هذا لم يقع ولم يوجد في عصر الصحابة، ولم ينقل إلينا أن واحداً من الصحابة سكت عن الإنكار لهذين الفرضين، حيث إن الصحابة - رضي اللَّه عنهم - ومن سار على نهجهم من العلماء الذين سلكوا طريق النصح، وتركوا الغش كانوا ينكر بعضهم على بعض، ويتناظرون، ويتجادلون لتحقيق الحق، وإبطال الباطل كمناظرتهم في مسألة " الجد والإخوة " حتى أن ابن عباس - رضي اللَّه عنه - قال: " ألا يتقي اللَّه زيد يجعل ابن الابن ابنا، ولا يجعل أب الأب أبا "، وقال معاذ لعمر - حين عزم على جلد الحامل -: " إن جعل اللَّه لك على ظهرها سبيلاً، فما جعل الله لك على ما في بطنها سبيلاً "، ومناقشاتهم في مسألة: " العول "، و" التحريم "، و " دية الجنين "، وغيرها لا تخفى على أحد، فكل هذا يدل دلالة واضحة على أن المجتهد لا يسكت عن شيء هو يعلم خلافه، بل يبين رأيه فيها دون إلزام.
فإذا كانت تلك الاحتمالات للسكوت بعيدة: فإن احتمال: أنه سكت لموافقته ورضاه للقول المعلن هو الأقرب للصواب، فيكون ذلك إجماعا، وإذا كان إجماعاً فهو حُجَّة.
الدليل الثاني: أنه لما قال ذو اليدين للنبي - صلى الله عليه وسلم -: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول اللَّه؟ فنظر رسول اللَّه إلى أبي بكر وعمر - رضي اللَّه عن الجميع - وقال: " أحقٌّ ما يقوله ذو اليدين؟".
وجه الدلالة: أن السكوت لو كان دليلاً على الموافقة لاكتفى به رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، ولما طلب من أبي بكر وعمر بيان ذلك بالنطق من غير حاجة، فدل ذلك على أن السكوت لا يدل على رضا الساكت، فلا يكون إجماعاً ولا حُجَّة.
جوابه: إن أبا بكر وعمر وغيرهما من الصحابة إنما سكتوا اكتفاء منهم بكلام ذي اليدين؛ نظراً لكونهم مثله في عدم علمهم أيهما الذي وقع أهو قصر الصلاة، أو النسيان؛، فلما نفى رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - ذلك بقوله: " كل ذلك لم يكن "، وطلب منهما الجواب: كان لهم الكلام.
المذهب الثالث: أنه حُجَّة، وليس بإجماع.
وهو مذهب أبي هاشم الجبائي، وصححه الصيرفي، واختاره الآمدي، وهو أحد القولين عن الإمام الشافعي.
دليل هذا المذهب: أن سكوت الباقين يدل دلالة ظاهرة على الموافقة فيكون قول ذلك المجتهد المعلن مع سكوت الباقي من المجتهدين عن الإنكار - مع قدرتهم على ذلك - حُجَّة يجب العمل به كخبر الواحد والقياس.
وإنما لم نقل إنه إجماع، لأن سكوت الباقي من المجتهدين يحتمل تلك الاحتمالات الستة السابقة الذكر فأثرت على وصوله إلى درجة الإجماع.
جوابه: إن هناك قاعدة وهي: " أن كل احتمال لا يُعضد بدليل صحيح فلا يُعتبر "، والاحتمالات الستة السابقة الذكر قد بينا بُعْدَها، وعدم صحتها، فثبت من إبطالها: أن سكوتهم يدل على رضاهم بالقول الذي أعلنه ذلك المجتهد - لا سيَّما وأنه لا مانع من إعلان مخالفتهم - وإذا كان الأمر كذلك فيكون ذلك إجماعاً وحُجَّة.
تنبيه: هناك مذهب رابع وهو: التفصيل بين الفتوى والحكم: فإن كان السكوت إثر فتوى مجتهد - فقط -: فهو إجماع؛ لعدم سلطته، وإن كان السكوت إثر حكم حاكم فليس بإجماع.
وهناك مذهب خامس وهو: عكس الرابع.
وهناك مذهب سادس، وهو: التفصيل بين ما يفوت استدراكه، وبين ما لا يفوت: فإن وقع في شيء يفوت استدراكه من إراقة دم أو استباحة فرج: كان سكوت الساكتين إجماعا، وإن وقع في غير ذلك: كان سكوتهم حُجَّة فقط.
الجواب عن ذلك: إن هذا التفريق لا دليل عليه، وما لا دليل عليه فلا يعتد به " وذلك لما قلناه فيما سبق.
بيان نوع الخلاف: الخلاف في هذه المسألة معنوي قد أثر في كثير من الفروع الفقهية، حيث إنه لو أعلن مجتهد رأيه في مسألة معينة، ثم سكت بقية المجتهدين - بدون عذر - ومضى وقت يمكنهم فيه النظر في المسألة، فإن هذا يدل على أنهم موافقون على ذلك الرأي المعلن، فيكون إجماعاً تحرم مخالفته، ولا يجوز الاجتهاد في تلك المسألة بعد ذلك، حيث إن ذلك الرأي يكون ملزماً للجميع، هذا بناء على المذهب الأول.
أما على المذهب الثاني، فتجوز مخالفة ذلك الرأي المعلن؛ لأنه اجتهاد فرد أو جماعة لم يجمع عليه، ويجوز الاجتهاد في تلك المسألة، لأنه رأي غير ملزم لأحد من المجتهدين.
أما على المذهب الثالث فهو حُجَّة يُقدَّم على غيره من الأدلة إذا عارضه، ولكنه غير ملزم، فإن وجد دليل أقوى منه: قدم عليه؛ قياساً على الاحتجاج بخبر الواحد والقياس.
الوجيز في أصول الفقه الإسلامي - د. محمد مصطفى الزحيلي - (1/ 235، 236)
أما الإجماع السكوتي فقد اختلف العلماء في حجيته، فذهب أكثر الحنفية والإمام مالك والإمام أحمد إلى اعتباره حجة قطعية، كالإجماع الصريح، لعموم الأدلة التي لم تفرق بين إجماع صريح وإجماع سكوتي، وذهب الكرخي من الحنفية، والآمدي من الشافعية إلى اعتباره حجة ظنية؛ لأن السكوت يحتمل الموافقة، ويحتمل غيرها، فهو ظني الدلالة على الحكم، ولا يمنع الاجتهاد في الواقعة والإجماع عليها بخلافه.
وقال الشافعي وأكثر أصحابه والظاهرية: إنه ليس بحجة أصلًا .