التقرير والتحبير لابن أمير الحاج - (ج: 3) - (ص: 338).
"وبعض الحنفية" قالوا "لا يمكن دفع النقض عن الطردية" لأنه يبطلها حقيقة "إذ الاطراد لا يبقى بعد النقض" كما يفيده عبارة عامة المتأخرين كصاحب الكشف وهي أي المناقضة تلجئ أصحاب الطرد إلى القول بالأثر لأن الطرد الذي تمسك به المجيب لما انتقض بما أورده السائل من النقض لا يجد المجيب بدا من المخلص عنه إلا ببيان الفرق وعدم وروده نقضا ولا يتحقق ذلك إلا بالعدول عن ظاهر الطرد إلى بيان المعنى وهذا إن لم يجعل ذلك انقطاعًا أو سامحه السائل ولم يناقشه في الشروع في بيان الفرق والتأثير فأما إذا جعل انقطاعًا كما هو مذهب البعض ولم يسامحه السائل في ذلك بأن يقول: احتججت علي باطراد هذا الوصف وقد انتقض ذلك بما أوردته فلم يبق حجة فلا ينفعه بيان التأثير والشروع في الفرق في هذا المجلس لأن ذلك انتقال عن حجة هي الطرد إلى حجة أخرى وهي التأثير لإثبات المطلوب الأول فلا يسمع منه فيضطر إلى التمسك بالتأثير والرجوع عن الطرد فيما بعد من المجالس.
التحبير شرح التحرير للمرداوي - (ج: 7) - (ص: 3214 ، 3215).
قد يعد من شُرُوط الْعلَّة: أَن تكون مطردَة، أَي: كلما وجدت وجد الحكم، وَعدم الاطراد يُسمى نقضًا.
وَهُوَ: أَن يُوجد الْوَصْف الَّذِي يدعى أَنه عِلّة فِي مَحلٍّ مَا، مَعَ عدم الحكم وتخلف عَنْهَا.
وَاعْلَم أَن النَّقْض وَالْكَلَام فِيهِ من مشكلات علم الْأُصُول والجدل، فلنقتصر على مَا يتَبَيَّن بِهِ الْمَقْصُود.
وَهُوَ أَن الْوَصْف الْمُدعى عِلّة يُوجد فِي بعض الصُّور ويتخلف عَنهُ الحكم، فَهَل يكون ذَلِك قادحا فِي عليته أَو لَا؟
مِثَاله: أَن يُقَال فِي تَعْلِيل وجوب تبييت النِّيَّة فِي الصَّوْم الْوَاجِب: صَوْم عري أَوله عَن النِّيَّة فَلَا يَصح كَالصَّلَاةِ، فتنتقص الْعلَّة وَهِي: العري، فِي أَوله بِصَوْم التَّطَوُّع، فَإِنَّهُ يَصح من غير تبييت.
ثمَّ تخلف الحكم عَن الْوَصْف، إِمَّا فِي وصف ثبتَتْ عليته بِنَصّ قَطْعِيّ، أَو ظَنِّي، أَو باستنباط، والتخلف إِمَّا لمَانع، أَو فقد شَرط، أَو غَيرهمَا،
فَهِيَ تِسْعَة من ضرب ثَلَاثَة فِي ثَلَاثَة.
المهذب في علم أصول الفقه المقارن - د. عبد الكريم النملة - (5/ 2140: 2143)
هل الطرد دليل على صحة العِلَّة؟
المراد من الطرد هو: الوصف الذي لم يعلم كونه مناسبا، ولا مستلزماً للمناسب إذا كان الحكم حاصلاً مع الوصف في جميع الصور المغايرة لمحل النزاع.بيان محترزات التعريف: فقولنا: " الوصف الذيْ لم يعلم كونه مناسبا " أخرج الوصف المناسب للحكم، وقد سبق بيانه.
وقولنا: " ولا مستلزما للمناسب " أخرج الوصف الشبهي؛ لأن الوصف الشبهي قد التفت إليه الشارع في بعض الأحكام، فيكون فيه شبه من المناسب، وقد سبق بيان ذلك.
وقولنا: " إذا كان الحكم حاصلاً مع الوصف في جميع الصور المغايرة لمحل النزاع " أخرج الدوران؛ لأن الدوران هو: اقتران الحكم مع الوصف وجوداً وعدما، فإذا وجد الوصف وجد الحكم، وإذا عدم الوصف عدم الحكم - وقد سبق بيان الدوران -.
أي: أن هذه العبارة تميز الطرد عن الدوران، فلو اقترن الحكم مع الوصف في صورة النزاع لكان دوراناً.
فالفرق بين الطرد والدوران: أن الدوران: مقارنة الحكم مع الوصف وجوداً وعدماً، والطرد: مقارنة الوصف في الوجود دون العدم.
فاتضح من ذلك: الفرق بين الوصف الطردي، والوصف المناسب، والوصف الشبهي، والدوران.
وقد سبقت أمثلة الوصف الطردي أثناء كلامنا عن الوصف الشبهي، ومنها: قول بعضهم في نية الوضوء: عبادة يبطلها الحدث، وتشطر بعذر السفر فيشترط فيها النية كالصلاة.
ومنها: قول بعضهم في طهارة الكلب: حيوان مألوف له شعر كالصوف، فكان طاهراً كالخروف.
فهل الطرد دليل على صحة العِلَّة؟ وللجواب عن ذلك أقول: في ذلك تفصيل: فالقائلون بأن الدوران لا يكون دليلاً على صحة العلَّة، ولا يعتبر طريقاً لثبوت العلَّة كابن السمعاني، والآمدي، وابن الحاجب،.
وأكثر الحنفية - كما سبق بيانه - يقولون بعدم اعتبار الطرد طريقا لصحة العِلَّة من باب أوْلى؛ لأن الطرد يتعلق بجانب الوجود فقط، لذلك سُمِّي بـ " الدوران الوجودي ".
أما الدوران فهو يتعلق بجانب الوجود والعدم معا - وقد تقدم الإشارة إلى ذلك أثناء تعريفنا للدوران، فمن نفى أن يكون الدوران طريقاً لثبوت العِلَّة: نفى أن يكودط الطرد دليلاً على ثبوتها وصحتها.
أما القائلون بأن الدوران حُجَّة، وأنه دليل على صحة العلَّة - وهو قول أكثر العلماء، وهو الذي رجحناه - فإنهم اختلفوا في الطرد هل يصلح أن يكون دليلاً لصحة العِلَّة أو لا؟ على مذهبين: المذهب الأول: أن الطرد لا يصلح دليلاً على صحة العِلَّة مطلقا.
وهو قول جمهور القائلين بحجية الدوران، وهو الحق؛ لدليلين: الدليل الأول: أن أقل أحوال الدليل الشرعي: أن يوجب الظن، لأن مناط الأعمال في الشريعة ينقسم إلى معلوم ومظنون، وما لا يفيد العلم ولا الظن، فمعلق الحكم به متحكم - وهو الدعوى بلا دليل -، والتحكم ممنوع شرعا، وقد رأينا الطرد في علل لا يغلب على الظن تعلق الحكم بها واتباعه لها، فإذا ادعى الطارد الظن في أحدها تبين خطأوه، لأن للظن في العرف أسبابا كما أن للعلوم النظرية طرقا مفضية إليها، فمن ادعى أن وراء هذا الجدار شخصا من غير أن يبني ظنه على سبب يقتضي ذلك: كان مخطئا، فكذلك الحال في الوصف الطردي لا يصلح سببا لظن الأحكام.
الدليل الثاني: أن طرد العِلَّة لا يرجع في التحقيق إلا إلى تعليق المعتل للحكم بها أينما وجدت، وذلك فعله وهو مخالف فيه، وإنما يجب تعليق الحكم بها إذا ثبت كونها عِلَّة بالدليل، ومتى لم يثبت ذلك لم يجب تعليق الحكم بها في أي موضع، وإذا ثبت ذلك وجب تقدم العلم بكونها عِلَّة على طردها.
المذهب الثاني: أن الطرد يصلح دليلاً على صحة العِلَّة.
وهو مذهب فخر الدين الرازي، والبيضاوي، والصيرفي، وابن القصار.أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن عدم الطرد يدل على فساد العلَّة، وهو النقض، فيجب أن يكون وجود الطرد يدل على صحتها.جوابه: إن القائلين بتخصيص العِلَّة يمنعون ذلك - كما سيأتي بيانه-.
أما من لم يقل بتخصيص العلَّة فإنهم يقولون: إن الطرد شرط في صحة العِلَّة، ولذلك تفسد العلة بعدم الطرد، ولكن هذا لا يدل على أن وجوده دليل على صحتها، فلا يلزم من كون عدم الشرط يمنع الصحة: أن يكون وجوده موجباً لها، يؤيد ذلك أمران: الأمر الأول: أن عدم الإحصان يمنع وجوب الرجم، ووجود الإحصان لا يوجب الرجم، كذلك: عدم الطهارة يمنع صحة الصلاة، ووجودها لا يوجب صحة الصلاة.
الأمر الثاني: أن الشيء يجوز أن يثبت بمعنى ولا يثبت ضده بعدم ذلك المعنى: فالحكم ثبتت صحته بالإجماع، ولا يثبت فساده بعدمه، فكذلك هنا: يجوز أن يثبت فساد العِلَّة لعدم الطرد، ولا تثبت صحتها لوجوده.
الدليل الثاني: من الواقع؛ حيث إننا إذا رأينا مركوب القاضي عند باب الأمير، فإنه يغلب على ظننا كون القاضي في دار الأمير، وسبب ذلك: أن مقارنتهما في سائر الصور أفاد ظن مقارنتهما في هذه الصورة المعينة.
جوابه: أن هذا ليس من قبيل قياس الطرد، بل من قبيل العمل بقرائن الأحوال، وترجيح احتمال على احتمال: فغلب على الظن وجود القاضي في منزل الأمير عند النظر إليها واعتبارها.
بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا لفظي؛ لأن أصحاب المذهبين اتفقوا على أنه لا يمكن أن يُنكر الطرد إذا غلب على الظن، وأنه لا يمكن لأحد أن يتبع كل وصف لا يغلب على الظن، وإن أحالوا أطراداً لا ينفك عن غلبة الظن.