المستصفى في علم الأصول لمحمد الغزالي - (ج: 2) - (ص: 330).
مسألة: (قياس الدلالة وقياس العلة)
اختلفوا في أن النفي الأصلي هل يعرف بالقياس، وأعني بالنفي الأصلي البقاء على ما كان قبل ورود الشرع،
والمختار: أنه يجري فيه قياس الدلالة لا قياس العلة، وقياس الدلالة أن يستبدل بانتفاء الحكم عن الشيء على انتفائه عن مثله، ويكون ذلك ضم دليل إلى دليل، وإلا فهو باستصحاب موجب العقل النافي للأحكام
قبل ورود الشرع مستغن عن الاستدلال بالنظر، أما قياس العلة فلا يجري؛ لأن الصلاة السادسة وصوم شوال انتفى وجوبهما، لأنه لا موجب لهما كما كان قبل ورود الشرع، وليس ذلك حكمًا حادثًا سمعيًّا حتى تطلب له علة شرعية، بل ليس ذلك من أحكام الشرع، بل هو نفي لحكم الشرع ولا علة له إنما العلة لما يتجدد، فحدوث العالم له سبب، وهو إرادة الصانع، أما عدمه في الأزل فلم تكن له علة، إذ لو أحيل على إرادة الله تعالى لوجب أن ينقلب موجودًا لو قدرنا عدم المريد والإرادة،
كما أن الإرادة لو قدر انتفاؤها لانتفى وجود العالم في وقت حدوثه، فإذا لم يكن الانتفاء الاصلي حكمًا شرعيًّا على لتحقيق لم يثبت بعلة سمعية، أما النفي الطارئ كبراءة الذمة عن الدين فهو حكم شرعي يفتقر إلى علة، فيجري فيه قياس العلة.
أصول الفقه لابن مفلح - (ج: 3) - (ص: 1302).
وينقسم القياس -أيضًا- إِلى:
قياس علة: بأن صرح فيه بالعلة،
وقياس دلالة: بأن جُمع فيه بما يلازم العلة كالرائحة الملازمة للشدة، أو جُمع بأحد موجَبي العلة في الأصل لملازمة الآخر ليستدل به عليه، كقياس قطع جماعة بواحد على قتلها بواحد، بواسطة الاشتراك في وجوب الدية عليهم بتقدير إِيجابها، وثبوت حكم الفرع بعلة الأصل أولى؛ لتعدِّيها واطرادها وانعكاسها.
وإلى قياس في معنى الأصل: بأن جُمِع بنفي الفارق، كالأمة في العتق.
التحبير شرح التحرير للمرداوي - (ج: 7) - (ص: 3460 : 3461).
يَنْقَسِم الْقيَاس بِاعْتِبَار علته إِلَى: قِيَاس عِلّة، وَقِيَاس دلَالَة، وَقِيَاس فِي معنى الأَصْل.
وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِمَّا أَن يكون بِذكر الْجَامِع أَو بإلغاء الْفَارِق، فَإِن كَانَ بِذكر الْجَامِع فالجامع إِن كَانَ هُوَ الْعلَّة سمي قِيَاس الْعلَّة.
كَقَوْلِنَا فِي المثقل: قتل عمد عدوان فَيجب فِيهِ الْقصاص كالجارح. وَإِن كَانَ الْجَامِع وَصفا لَا زما من لَوَازِم الْعلَّة، أَو أثرًا من آثارها، أَو حكمًا من أَحْكَامهَا، فَهُوَ قِيَاس الدّلَالَة؛ لِأَن الْمَذْكُور لَيْسَ عين الْعلَّة بل شَيْء يدل عَلَيْهَا.
مِثَال الأول: قِيَاس النَّبِيذ على الْخمر بِجَامِع الرَّائِحَة الفائحة الْمُلَازمَة للشدة المطربة، وَلَيْسَت نفس الْعلَّة وَإِنَّمَا هِيَ لَازِمَة لَهَا.
وَمِثَال الثَّانِي: قَوْلنَا فِي المثقل: قتل أَثم بِهِ فَاعله من حَيْثُ إِنَّه قتل فَوَجَبَ فِيهِ الْقصاص كالجارح، فالأثم بِهِ لَيْسَ نفس الْعلَّة بل أثر من أثارها.
وَمِثَال الثَّالِث: قَوْلنَا فِي قطع الْأَيْدِي بِالْيَدِ الْوَاحِد ة: قطع يَقْتَضِي وجوب الدِّيَة عَلَيْهِم فَيكون وُجُوبه كوجوب الْقصاص عَلَيْهِم، فوجوب الدِّيَة لَيْسَ عين عِلّة الْقصاص بل حكم من أَحْكَامهَا.
فَإِن كَانَ بإلغاء الْفَارِق فَهُوَ الْقيَاس فِي معنى الأَصْل كإلحاق الْبَوْل فِي إِنَاء وصبه فِي المَاء الدَّائِم بالبول فِيهِ.
قَالَ الْبرمَاوِيّ: " وَمثل ابْن الْحَاجِب مَا يكون الْجَامِع فِيهِ بِلَازِم الْعلَّة بِقِيَاس قطع الْجَمَاعَة بِالْوَاحِدِ على قَتلهمْ بِالْوَاحِدِ بِوَاسِطَة اشتراكهما فِي وجوب الدِّيَة على الْجَمِيع، فَإِن الْجَامِع الَّذِي هُوَ وجوب الدِّيَة على الْجَمَاعَة لَازم الْعلَّة فِي الأَصْل، وَهِي الْقَتْل الْعمد الْعدوان، وَوُجُوب الدِّيَة عَلَيْهِم إِنَّمَا هُوَ أحد موجبي الْعلَّة الَّذِي هُوَ وجوب الدِّيَة، ليستدل بِهِ على مُوجبهَا الآخر وَهُوَ وجوب الْقصاص عَلَيْهِم.
قَالَ: وَالْأولَى أَن يَجْعَل هَذَا مِثَالًا لكَون الْجَامِع حكمًا من أَحْكَام الْعلَّة. ويمثل للجامع بِمَا يلازم الْعلَّة بِقِيَاس النَّبِيذ على الْخمر بِجَامِع الرَّائِحَة الْمُلَازمَة للسكر ".
وَذكر ابْن حمدَان فِي " الْمقنع " للْقِيَاس تقاسيم فَذكر مَا ذَكرْنَاهُ.
المهذب في علم أصول الفقه المقارن - د. عبد الكريم النملة - (4/ 1924)
القياس في معنى الأصل:
فهو الذي لم يصرح فيه بالعلَّة، ولا يلازمها، ولا بأثرها، ولا بحكمها، وإنما جمع فيه بين الأصل والفرع بنفي الفارق كقياس صب البول في الماء على التبول فيه في المنع بجامع: عدم الفارق بينهما في مقصود المنع، وهو: تقذير الماء وإفساده وتنجيسه.وسبب تسمية هذا القسم بالقياس في معنى الأصل: أن الفرع فيه بمنزلة الأصل، حيث لم يوجد فارق بينهما.
المهذب في علم أصول الفقه المقارن - د. عبد الكريم النملة - (4/ 1923)
المهذب في علم أصول الفقه المقارن - د. عبد الكريم النملة - (4/ 1923، 1924)
قياس الدلالة:
فهو ما جمع فيه بين الأصل والفرع بلازم العِلَّة، أو أثرها أو حكمها.فمثال ما جمع فيه بين الأصل والفرع بلازم العِلَّة: قياس النبيذ على الخمر في الحرمة بجامع الرائحة المشتدة في كل؛ حيث إن الرائحة المشتدة لازمة عادة أو عقلاً للإسكار.
ومثال الجمع بينهما بأثر العلَّة: قياس القتل بالمثقل على القتل بالمحدد في وجوب القصاص بجامع الإثم في كل؛ حيث إنه أثر العِلَّة التي هي القتل العمد العدوان، وهو لازم شرعي.
ومثال الجمع بينهما بحكم العِلَّة: قياس قطع الجماعة بالواحد على قتلهم به بجامع وجوب الدية عليهم فيما لو كان غير عمد، وهو حكم العلَّة التي هي القطع منهم خطأ في الصورة الأولى، والقتل منهم خَطأ في الصورة الثانية، فقتل الجماعة بالواحد في العمد ووجوب الدية بالقطع عليهم في الخطأ أمر ثابت من الشارع.
وأما قطعهم به في العمد فلم يرد حكمه في النصوص الشرعية، لذلك أثبتناه بما هو معلوم من الشارع وهو: وجوب الدية عليهم بالقطع فيما لو كان خطأ.
والجمع يلازم العِلَّة في هذا القسم أقوى من الجمع بأثرها، والجمع بأثر العِلَّة أقوى من الجمع بحكمها.