المستصفى في علم الأصول لمحمد الغزالي - (ج: 2) - (ص: 317 : 319).
الباب الثالث: في قياس الشبه ويتعلق النظر
فهذا الباب بثلاثة أطراف: الطرف الأول: في حقيقة الشبه وأمثلته، وتفصيل المذاهب فيه، وإقامة الدليل على صحته.أما حقيقته: فاعلم أن اسم الشبه يطلق على كل قياس، فإن الفرع يلحق بالأصل بجامع يشبهه فيه، فهو إذًا يشبهه، وكذلك اسم الطرد، لأن الاطراد شرط كل علة جمع فيها بين الفرع والاصل، ومعنى الطرد السلامة عن النقض، لكن العلة الجامعة إن كانت مؤثرة أو مناسبة عرفت بأشرف صفاتها وأقواها وهو التأثير، والمناسبة دون الأخس الأعم الذي هو الاطراد والمشابهة، فإن لم يكن للعلة خاصية إلا الاطراد الذي هو أعم أوصاف العلل وأضعفها في الدلالة على الصحة خص باسم الطرد لا لاختصاص الاطراد بها، لكن لأنه لا خاصية لها سواه، فإن انضاف إلى الاطراد زيادة ولم ينته إلى درجة المناسب والمؤثر سمي شَبَهًا، وتلك الزيادة هي مناسبة الوصف الجامع لعلة الحكم وإن لم يناسب نفس الحكم، بيانه أنا نقدر أن لله تعالى في كل حكم سرًّا وهو مصلحة مناسبة للحكم، وربما لا يطلع على عين تلك المصلحة، لكن يطلع على وصف يوهم الاشتمال على تلك المصلحة ويظن أنه مظنتها وقالبها الذي يتضمنها وإن كنا لا نطلع على عين ذلك السر،
فالاجتماع في ذلك الوصف الذي يوهم الاجتماع في المصلحة الموجبة للحكم يوجب الاجتماع في الحكم، ويتميز عن المناسب بأن المناسب هو الذي يناسب الحكم ويتقاضاه بنفسه، كمناسبة الشدة للتحريم، ويتميز عن الطرد بأن الطرد لا يناسب الحكم ولا المصلحة المتوهمة للحكم بل نعلم إن ذلك الجنس لا يكون مظنة المصالح وقالبها، كقول القائل:
(الخل مائع لا تبنى القنطرة على جنسه فلا يزيل النجاسة كالدهن)، وكأنه علل إزالة النجاسة بالماء بأنه تبنى القنطرة على جنسه، واحترز من الماء القليل. فإنه وإن كان لا تبنى القنطرة عليه فإنه تبنى على جنسه، فهذه علة مطردة لا نقض عليها ليس فيها خصلة سوى الاطراد، ونعلم أنه لا يناسب الحكم ولا يناسب العلة التي تقتضي الحكم بالتضمن لها، والاشتمال عليها، فإنا نعلم أن الماء جعل مزيلًا للنجاسة لخاصية وعلة وسبب يعلمه الله تعالى وإن لم نعلمها ونعلم أن بناء القنطرة مما لا يوهم الاشتمال عليها ولا يناسبها فإذا معنى التشبيه الجمع بين الفرع، والأصل بوصف مع الاعتراف بأن ذلك الوصف ليس علة للحكم بخلاف قياس العلة، فإنه جمع بما هو علة الحكم، فإن لم يرد الاصوليون بقياس الشبه هذا الجنس، فلست أدري ما الذي أرادوا وبم فصلوه عن الطرد المحض وعن المناسب وعلى الجملة فنحن نريد هذا بالشبه، فعلينا الآن تفهيمه بالأمثلة وإقامة الدليل على صحته،أما أمثلة قياس الشبه فهي كثيرة، ولعل جل أقيسة الفقهاء ترجع إليها إذ يعسر إظهار تأثير العلل بالنص والإجماع والمناسبة المصلحية:
المثال الأول: قول أبي حنيفة: مسح الرأس لا يتكرر تشبيهًا له بمسح الخف والتيمم، والجامع أنه مسح، فلا يستحب فيه التكرار قياسًا على التيمم ومسح الخف، ولا مطمع فيما ذكره أبو زيد من تأثير المسح، فإنه أورد هذا مثالًا للقياس المؤثر، وقال: ظهر تأثير المسح في التخفيف في الخف والتيمم، فهو تعليل بمؤثر وقد غلط فيه، إذ ليس يسلم الشافعي أن الحكم في الأصل معلل بكونه مسحًا بل لعله تعبد ولا علة له أو معلل بمعنى آخر مناسب لم يظهر لنا، والنزاع واقع في علة الأصل، وهو أن مسح الخف لم لا يستحب تكراره. أيقال: إنه تعبد لا يعلل ؟ أو لأن تكراره يؤدي إلى تمزيق الخف، أو لأنه وظيفة تعبدية تمرينية لا تفيد فائدة الاصل إذ لا نظافة فيه، لكن وضع لكيلا تركن النفس إلى الكسل،
أو لأنه وظيفة على بدل محل الوضوء لا على الأصل، فمن سلم أن العلة المؤثرة في الأصل هي المسح يلزمه فالشافعي يقول: أصل يؤدي بالماء، فيتكرر كالأعضاء الثلاثة، فكأنه يقول: هي إحدى الوظائف الأربع في الوضوء، فالأشبه التسوية بين الأركان الأربعة، ولا يمكن ادعاء التأثير والمناسبة في التعلتين على المذهبين ولا ينكر تأثير كل واحد من الشبهين في تحريك الظن إلى أن يترجح.المثال الثاني: قال الشافعي رحمه الله: في مسألة النية طهارتان، فكيف يفترقان ؟ وقد يقال: طهارة موجبها في غير محل موجبها، فتفتقر إلى النية كالتيمم، وهذا يوهم الاجتماع في مناسب هو مأخذ النية وإن يطلع على ذلك المناسب.
المثال الثالث: تشبيه الأرز والزبيب بالتمر والبر؛ لكونهما مطعومين أو قوتين، فإن ذلك إذا قوبل بالتشبيه بكونهما مقدرين أو مكيلين ظهر الفرق، إذ يعلم أن الربا ثبت لسر ومصلحة، والطعم والقوت وصف ينبئ عن معنى به قوام النفس، والأغلب على الظن أن تلك المصلحة في ضمنهما لا في ضمن الكيل الذي هو عبارة عن تقدير الأجسام.
المثال الرابع: تعليلنا وجوب الضمان في يد السوم بأنه أخذ لغرض نفسه من غير استحقاق ونعديه إلى يد العارية، وتعليل أبي حنيفة بأنه أخذ على جهة الشراء،
والمأخوذ على جهة الشراء كالمأخوذ على حقيقته ويعديه إلى الرهن، فكل واحدة من العلتين ليست مناسبة ولا مؤثرة، إذ لم يظهر بالنص أو الإجماع إضافة الحكم إلى هذين الوصفين في غير يد السوم وهو في يد السوم متنازع فيه.المثال الخامس: قولنا: إن قليل أرش الجناية يضرب على العاقلة لأنه بدل الجناية على الآدمي كالكثير، فإنا نقول: ثبت ضرب الدية وضرب أرش اليد والأطراف، ونحن لا نعرف معنى مناسبًا يوجب الضرب على العاقلة، فإنه على خلاف المناسب، لكن يظن أن ضابط الحكم الذي تميز به عن الأموال هو أنه بدل الجناية على الآدمي فهو مظنة المصلحة التي غابت عنا.
المثال السادس: قولنا في مسألة التبييت: أنه صوم مفروض، فافتقر إلى التبييت كالقضاء، وهم يقولون: صوم عين فلا يفتقر إلى التبييت كالتطوع، وكأن الشرع رخص في التطوع ومنع من القضاء فظهر لنا أن فاصل الحكم هو الفرضية، فهذا وأمثاله مما يكثر شبهه ربما ينقدح لبعض المنكرين للشبه، في بعض هذه الأمثلة إثبات العلة بتأثير أو مناسبة، أو بالتعرض للفارق وإسقاط أثره، فيقول: هي مأخذ الذي الذي ظهر لهذا الناظر، وعند انتفائه يبقى ما ذكرناه من الإيهام، وهو كتقديرنا في تمثيل المناسب بإسكار الخمر عدم ورود الايماء في قوله تعالى: (المائدة: 19) والمقصود أن المثال ليس مقصودًا في نفسه، فإن انقدح في بعض الصور معنى زائد على الإيهام المذكور فليقدر انتفاؤه، هذا حقيقة الشبه وأمثلته.
التحبير شرح التحرير للمرداوي - (ج: 7) - (ص: 3461 ، 3462).
وَقَالَ: تَقْسِيم آخر: إِمَّا مُؤثر الْعلَّة الجامعة فِيهِ نَص أَو إِجْمَاع، أَو أثر عينهَا فِي عين الحكم أَو فِي جنسه، أَو جِنْسهَا فِي عين الحكم، أَو ملائم أثر جنس الْعلَّة فِيهِ فِي جنس الحكم.
ثمَّ قَالَ: تَقْسِيم آخر: وَهُوَ أَن طرق إِثْبَات الْعلَّة المستنبطة: الْمُنَاسبَة، أَو الشّبَه أَو السبر والتقسيم، أَو الطَّرْد وَالْعَكْس، فَالْأول قِيَاس الإخالة، وَالثَّانِي قِيَاس الشّبَه، وَالثَّالِث قِيَاس السبر، وَالرَّابِع قِيَاس الطَّرْد. انْتهى.
المهذب في علم أصول الفقه المقارن - د. عبد الكريم النملة - (4/ 1923)
المهذب في علم أصول الفقه المقارن - د. عبد الكريم النملة - (5/ 2098)
الوصف الذي لم تظهر فيه المناسبة بعد البحث التام لكن ألف من الشارع الالتفات إليه في بعض الأحكام. وهذا ما يسمى بـ " الوصف الشبهي ".
وسمي بالوصف الشبهي - أو الشبه -؛ لأنه أشبه الوصف الطردي من جهة، وأشبه الوصف المناسب من جهة أخرى.
فهو قد أشبه الوصف الطردي من جهة أن المجتهد لم يقف على مناسبة بين هذا الوصف وبين الحكم رغم البحث والتقصي، فهنا ظن المجتهد أنه غير معتبر كالوصف الطردي.
وهو قد أشبه الوصف المناسب من جهة أن المجتهد قد وقف على اعتبار الشرع له في بعض الأحكام، فإن هذا يوجب على المجتهد أن يتوقف عن الجزم بانتفاء مناسبته، فهنا يظن المجتهد أنه معتبر.فنجد الوصف الشبهي تردد بين أن يكون معتبراً من وجه، وغير معتبر من وجه آخر: فمن حيث إن المجتهد لم يقف على مناسبته بعد البحث التام: ربما يجزم بعدم مناسبته.
ومن حيث إنه عهد من الشارع الالتفات إليه في بعض الأحكام: فإن هذا ربما يوجب عليه التوقف عن هذا الجزم بعدم المناسبة.
فهو في مرتبة تعتبر دون مرتبة المناسب، وفوق مرتبة الطردي، وفيه شبه منهما.
مثاله: قول بعضهم في الاستدلال على مسألة إزالة النجاسة المتقدمة: طهارة تراد لأجل الصلاة، فلا تجوز بغير الماء كطهارة الحدث، فالجامع بينهما: كون كل منهما طهارة لأجل الصلاة.
أما مناسبتها لتعيين الماء فيها فإنها غير ظاهرة بعد البحث، لكن عهد من الشارع الالتفات إليها في بعض الأحكام مثل: مس المصحف، والطواف، وذلك يوهم اشتمالها على المناسبة.
المهذب في علم أصول الفقه المقارن - د. عبد الكريم النملة - (5/ 2097، 2098)
الوصف الذي لم تظهر فيه المناسبة، ولم يؤلف من الشارع الالتفات إليه في شيء من الأحكام، ويُسمى بالوصف الطردي، وذلك كالطول، والقصر، والسواد، والبياض، ويطلق عليه بـ: " قياس الطرد " كأن يقول قائل في طهارة الكلب: حيوان مألوف له شعر كالصوف، فكان طاهراً كالخروف.
أو يقول قائل: حرمت الخمرة لكون لونها أحمراً، أو لكونها معبأة في زجاجات، أو يقول قائل: إن الأعرابي قد وجبت عليه الكفارة؛ لكونه طويلاً أو أسمراً، أو نحو ذلك.
أو يقول قائل: الخل مائع لا يصح أن تزال به النجاسة، وعلل ذلك بقوله: إنه لا تبنى عليه القناطر، ولا يصطاد فيه السمك، ولا تجري فيه السفينة، فكان في ذلك كالدهن، فإنه لا تصح إزالة النجاسة به بالاتفاق، بخلاف الماء فنظراً لكونه تبنى عليه القناطر، ويصطاد فيه السمك، وتجري فيه السفينة فإنه يصح أن تزال به النجاسة.
فإن تلك الأوصاف التي ذكرت في تلك الأمثلة السابقة أوصاف طردية لا مناسبة بينها وبين الحكم الشرعي؛ حيث إن الشارع لم يعتبرها، ولم يلتفت إليها، فهذا باطل عند جمهور العلماء.