تحفة المسؤول شرح مختصر منتهى السول للرهوني - (ج: 4) - (ص: 124).
الإبهاج في شرح المنهاج للسبكي -(ج: 3) - (ص: 10 ، 11).
استدل أصحابنا على حجية القياس بوجوه أربعة:
أحداها: أن القياس مجاوزة اعتبار، والاعتبار مأمور به فالقياس مأمور به،أما المقدمة الأولى فلأنه مجاوزة عن الأصل إلى الفرع.
وأما الثانية فلأن الاعتبار مشتق من العبور وهو المجاوزة والعبور، تقول: عبرت عليه، وعبرت النهر.
وأما الثالثة فقوله تعالى: { فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ } أمر بماهية الاعتبار وهو أمر شامل لجميع أنواع الاعتبار، ومن جملة أفراده القياس فوجب أن يكون الاعتبار مأمورًا به.
نهاية السول شرح منهاج الوصول للإسنوي - (ج: 2) - (ص: 308 ، 309).
المهذب في علم أصول الفقه المقارن - د. عبد الكريم النملة - (4/ 1843: 1848)
هل القياس حُجَّة؛ أي: هل يجوز التعبد بالقياس ويكون دليلاً من الأدلة على إثبات الأحكام أو لا؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب كثيرة، فبعضهم قال: يجوز عقلاً، ويجوز شرعا، وبعضهم قال: يجب عقلاً، ويجوز شرعا، وبعضهم قال: يجب عقلاً وشرعا، وبعضهم قال: يجوز عقلاً ولا يجوز شرعا، وبعضهم قال: لا يجوز عقلاً ولا شرعا، وقد بينت ذلك ببعض التفصيل في كتابي " إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر " إلا أن هذه الأقوال والمذاهب وإن كثرت ترجِع إلى مذهبين هما " أن القياس حُجَّة "، و " أن القياس ليس بحُجة "، وإليك بيانهما:
المذهب الأول: أن القياس حُجَّة، أي: يجوز التعبد بالقياس عقلاً وشرعا، أي: أن القياس دليل من الأدلة الشرعية المعتبرة لإثبات أحكام شرعية.وهو مذهب جمهور العلماء من السلف والخلف، وهو الحق عندي؛ للأدلة التالية: الدليل الأول: إجماع الصحابة السكوتي على أن القياس يُعتبر دليلاً من الأدلة الشرعية.
والاستدلال بالإجماع أقوى من الاستدلال بالكتاب والسُّنَّة هنا؛ لأنه لا يؤلي النسخ، ولا يحتمل التأويل بخلاف النص من الكتاب والسُّنَّة، فإنه يقبل النسخ والتأويل، وما لا يقبل يُقدم على ما يقبل.
لذلك قال فخر الدين الرازي: " الإجماع هو الذي يعول عليه جمهور الأصوليين " - أي: في حجية القياس -.
وقال الآمدي: " الإجماع أقوى الحجج في هذه المسألة ".
وقال أكثر العلماء: إن إجماع الصحابة على العمل بالقياس يعد أقوى الأدلة على ثبوت حجيته ووجوب العمل به.
وتقرير إجماع الصحابة على حجية القياس هو أن يقال: أجمع الصحابة - رضي اللَّه عنهم - على إثبات الأحكام بالقياس وعلى أنه يعمل به، وما أجمع عليه الصحابة فهو حق، فالعمل بالقياس حق.
وسأبين ذلك بوجوه أربعة:
الوجه الأول: أنه ثبت عن جمع كثير من الصحابة - رضي الله عنهم - القول بالقياس والعمل به في الوقائع التي لا نص فيها، فقاموا بإلحاق المثل بالمثل بسبب جامع، والعادة تقتضي بأن اجتماع جمع كثير من الصحابة على العمل بالشيء لا يكون إلا بقاطع دال على العمل به.الوجه الثاني: أنه قد تكرر عمل أكثر الصحابة بالقياس عند عدم النص وشاع وذاع، ولم ينكر ذلك أحد.
الوجه الثالث: أنه لما لم ينكر بعض الصحابة على الآخرين قولهم بالقياس واستدلالهم به، فإن القول به يكون مجمعا عليه بين الصحابة، وهذا الإجماع صحيح.
الوجه الرابع: أن المجمع عليه بين الصحابة حُجَّة يجب العمل بمقتضاه.
فالناتج من هذه الوجوه الأربعة: أن القياس حُجَّة، يجب العمل به، وأنه مصدر من مصادر التشريع الإسلامي بعد الكتاب والسُنَّة والإجماع.
الأدلة على هذه الوجوه الأربعة:
سأبين فيما يلي دليل كل وجه من تلك الوجوه الأربعة، وبعض الاعتراضات الموجهة إلى كل دليل، والجواب عنه فأقول: أما الوجه الأول - وهو: أنه ثبت عن جمع كثير من الصحابة القول بالقياس والعمل به في الوقائع التي لا نص فيها - فالدليل عليه: ما نقل عن الصحابة من الوقائع التي حكموا فيها بالقياس، وهذا كثير، ومن ذلك:1 - قياس الصحابة - رضي الله عنهم - خلافة أبي بكر على الإمامة في الصلاة، وقالوا في ذلك: " رضيه رسول الله لديننا أفلا نرضاه لدنيانا ".
وجه الدلالة: أنهم قاسوا الإمامة العظمى، وهي الخلافة على الإمامة الصغرى، وهي: الصلاة بجامع: الصلاحية في كل.
2 - اجتهاد أبي بكر - رضي اللَّه عنه - في أخذ الزكاة من منع دفع الزكاة بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - وقتالهم على ذلك، ووافقه الصحابة.
وجه الدلالة: أن أبا بكر قاس خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أخذ الزكاة، وقتالهم عليها، بجامع: قيام كل منهما في تنفيذ أوامر الشريعة.
اعتراض على ذلك: أن أبا بكر لم يتمسك بالقياس، وإنما تمسك بالنص، وهو قوله تعالى: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم) ، فهنا الآية قد أمرت بالأخذ، والأمر المطلق يقتضي الوجوب، فيجب أن يؤخذ من المسلمين الزكاة، فمن أطاع فلا إشكال، ومن عصى وأبى أن يؤديها فيجب قتاله؛ استنادأ إلى قاعدة: " ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب "، وأبو بكر نائب عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيجب أن يقاتلهم على ذلك، فيكون أبو بكر قد استدل بالنص على قتالهم، لا بالقياس.
جوابه: أن قوله تعالى: (خذ من أموالهم) خطاب مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلا يتعدَّى إلى غيره إلا بدليل، ولا دليل إلا القياس هنا.
وقال بعض العلماء: إن أبا بكر قاتل من منع الزكاة؛ قياساً على الصلاة، فكما أن الصلاة يُقاتل من تركها، فكذلك يقاتل من منع الزكاة بجامع: أن كلًّا منهما ركن من أركان الإسلام، وهذا ممكن لكن القياس الأول أَوْلى، وعليه الأكثر.
3 - أن أبا بكر - رضي اللَّه عنه - ورث أم الأم، وترك أم الأب، فقال له رجل يقال له عبد الرحمن بن سهل بن حارثة: "لقد ورثت امرأة من ميت لو كانت هي الميتة لم يرثها، وتركت امرأة لو كانت هي الميتة ورث جميع ما تركته، فرجع أبو بكر عن ذلك إلى التشريك.
وجه الدلالة: أن أبا بكر رجع عن إفراد أم الأم بالسدس إلى رأي آخر، وهو تشريك أم الأم مع أم الأب بالسدس؛ قياسا لأم الأب على أم الأم.
4 - أن أبا بكر - رضي اللَّه عنه - قاس تعيين الإمام بالعهد إلى عمر على تعيينه بعقد الأُمَّة له بالخلافة بجامع: أن كلًّا منهما صادر ممن هو أهل لذلك، فالأُمَّة عقدوا لأبي بكر بالخلافة لأنهم أهل لذلك، وأبو بكر أهل لذلك؛ لأنه نائب عنهم.
5 - ما روي عن عمر - رضي اللَّه عنه - أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري كتابه المشهور، والذي جاء فيه: " اعرف الأشباه والنظائر وقس الأمور برأيك ".
6 - ما روي عن عمر - أيضاً - أنه جلد أبا بكرة واثنين معه هما: نافع، وشبل بن معبد، حد القذف؛ حيث لم يكمل نصاب الشهادة على المغيرة بن شعبة بأنه زنى.
وجه الدلالة: أن عمر قاس الشاهد في الزنا عند عدم تمام النصاب على القاذف في وجوب الحد.
7 - ما روي عن عمر - أيضا - في مسألة المشركة - وهي: زوج وأم وأخوة الأم وأخوة أشقاء فحكم فيها بأن النصف للزوج، والسدس للأم، والثلث للأخوة لأم، ولم يعط الإخوة الأشقاء شيئاً، فقال الإخوة الأشقاء: هب أن أبانا كان حماراً، أو حجراً ألسنا من أم واحدة؛ فشرك بين الإخوة لأم والإخوة الأشقاء في قضاء آخر، فهنا قاس الإخوة الأشقاء على الإخوة لأم بجامع: اشتراكهم في الإدلاء للميت بالأم.
8 - ما روي: أن عمر - رضي الله عنه - قد أرسل إلى امرأة فأجهضت - أي: أسقطت جنينها - خوفا وفزعا من هيبته، فاستشار الصحابة في ذلك، فقال - عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان: إنما أنت مؤدب فلا شيء عليك، وقال له عليّ بن أبي طالب: أما المأثم فأرجو أن يكون محطوطاً عنك، وأرى أن عليك الدية فاتبع عمر رأي علي.
وجه الدلالة: أن عثمان وعبد الرحمن بن عوف قاساه على مؤدب امرأته وولده وغلامه، وقاسه علي على قاتل الخطأ.
9 - ما روي: أن عمر - رضي اللَّه عنه - كان متردداً في قتل الجماعة بالواحد، فقال عليّ - رضي اللَّه عنه -: يا أمير المؤمنين، أرأيت لو أن نفراً اشتركوا في سرقة أكنت تقطعهم؟ قال: نعم، قال: فكذلك.
وجه الدلالة: أنه قاس القتل على السرقة.
10 - قال علي - رضي اللَّه عنه -: " اجتمع رأي ورأي عمر في أمهات الأولاد ألا يبعن، أما الآن فقد رأيت بيعهن ".
وجه الدلالة: أن المسألة مختلف فيها: فمن ذهب إلى جواز بيع أمهات الأولاد قاسهن على الإماء وغيرهن من الممتلكات، ومن ذهب إلى عدم جواز بيعهن قاسهن على الحرائر.
11 - ما روي عن علي أنه قال في حد شارب الخمر: " إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، دماذا هذى افترى، فعليه حد المفتري ".
وجه الدلالة: أن عليا قاس شارب الخمر على القاذف بجامع: الافتراء.
المهذب في علم أصول الفقه المقارن - د. عبد الكريم النملة - (4/ 1957)
والقياس حجة والله تعبدنا به هو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليلين:
الدليل الأول: قوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) .
وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى قد أمرنا بالقياس، وإذا أمرنا به، فإنا نكون متعبدين به، وإذا ثبت: أن اللَّه تعالى قد تعبدنا به، فإنه يكون من الدين.الدليل الثاني: أن من نزلت به حادثة، وكان فيها مجتهداً لنفسه، وضاق عليه الوقت: وجب عليه أن يقيس وينظر، وإذا لم يضق عليه الوقت استحب له ذلك ليعد الجواب لوقت الحاجة، والواجب والمستحب من الدين، فيصح بذلك أن يسمى القياس دينا.
الوجيز في أصول الفقه الإسلامي - د. محمد مصطفى الزحيلي - (1/ 240: 244)
حجية القياس:
ذهب الجمهور إلى اعتبار القياس حجة ومصدرًا شرعيًّا، وأصلًا من أصول الشريعة، واستدلوا على ذلك بأدلة من الكتاب والسنة والإجماع والمعقول.أولًا: نصوص الكتاب الكريم:
قال الله تعالى: { فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ } [الحشر: 2].
الاعتبار هو القياس، والآية أمرت بالاعتبار، والأمر يفيد الوجوب، فيكون القياس واجبًا على المجتهد، وإذا كان القياس واجبًا على المجتهد فيجب عليه أن يلتزم بالحكم الذي وصل إليه اجتهاده، وأنه هو حكم الله تعالى في اعتقاده، قال الشوكاني: الاعتبار مشتق من العبور، والقياس عبور من حكم الأصل إلى حكم الفرع، فكان داخلًا تحت الأمر.
ثانيًا: السنة:
1 - ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما بعث معاذا إلى اليمن قال له: "كيف تقضي إن عرض لك قضاء؟ " قال: بكتاب الله، قال: "فإن لم تجد في كتاب الله؟ " قال فبسنة رسول الله، قال: "فإن لم تجد؟ " قال: أجتهد رأيي ولا آلو، والاجتهاد هو القياس، وفي رواية قال: أقيس الأمر بالأمر، فما كان أقرب إلى الحق عملت به، فقال - صلى الله عليه وسلم -: أصبت".
فالرسول - صلى الله عليه وسلم - أقر معاذًا على طريقة القضاء، فيكون الاجتهاد والقياس ثابتًا بالسنة التقريرية.
2 - قاس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أمور كثيرة تزيد عن مائة مرة ليعلم الأمة ذلك ويرشدها إلى الطريق في بيان الأحكام التي لم يرد فيها نص بقياسها على الأحكام التي وردت فيها النصوص، وهذا من السنة الفعلية التي تعتبر حجة على المسلمين لأن يأتسوا بها، ويقتدوا بصاحبها.
- منها أن عمر سأل عن القُبلة هل تفطر الصائم؟ فقال: "أرأيتَ إن تمضمضت، أكنت تفطر؟ " قال: لا، قال عليه الصلاة والسلام: "فمَه؟ "، أي: فما الفرق؟ وهنا قاس القُبلة على المضمضة في عدم الإفطار، والعلة المشتركة بينهما أن كلًّا منهما مقدمة للإفطار.
- ومنها أن امرأة من جهينة سألت الرسول - صلى الله عليه وسلم - على نذر أمها بالحج، وماتت قبل الوفاء، وقالت: أفأحج عنها؟ قال - صلى الله عليه وسلم -: "نعم، حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين، أفكنت قاضِيَتِه؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء"، وقد تكررت هذه القصة مع امرأة من خثعم بالحج عن والدها، وعن رجل من خثعم بالحج عن والده، وهي أحاديث صحيحة رواها البخاري ومسلم وأصحاب السنن وأحمد والبيهقي والدراقطني.
فالحديث شبه الحج بالدين، وقاسه عليه في وجوب الوفاء بجامع أن كلًّا منهما دين ثابت في الذمة، وأحدهما حق للعباد والآخر حق الله.
- ومنها ما رواه أبو هريرة أن رجلًا من فزارة أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن امرأتي ولدت غلامًا أسود، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "هل لك من إبل؟ " قال: نعم، قال: "فما ألوانها؟ " قال: حُمر، قال: "فهل فيها من أَوْرق؟ " قال: إن فيها لوُرْقًا، قال: "فأنّى أتاها ذلك؟ " قال: عسى أن يكون نزعه عرق، قال: "وهذا عسى أن يكون نزعه عرق ".
ثالثًا: الإجماع:
ثبت عن صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنهم اجتهدوا رأيهم، وقاسوا الأمور على أمثالها، وتكرر ذلك وشاع ولم ينكر عليهم أحد، فكان إجماعًا منهم على حجية القياس، قال ابن عقيل الحنبلي: وقد بلغ التواتر المعنوي عن الصحابة باستعماله وهو قطعي.
مثاله أن أبا بكر قاس في الكلالة الوالد على الولد في قوله تعالى: { يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ } [النساء: 176] فقال أبو بكر لما سئل عن الكلالة، أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، الكلالة ما عدا الوالد والولد.
وقال عمر في رسالته المشهورة لأبي موسى الأشعري: "اعرف الأشباه والنظائر، وقس الأمور برأيك".
رابعًا: المعقول:
إن الحوادث لا تنتهي، والنصوص محصورة، فلا بدَّ من القياس.