فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت - (ج: 2) - (ص: 236).
(مسألة: إذا) اختلف و (لم يتجاوز أهل العصر عن قولين في مسألة لم يجز إحداث) قول (ثالث عند الأكثر) في التيسير نص عليه الإمام
محمد والشافعي رضي الله عن في رسالته (وخصه بعض الحنفية بالصحابة) وقالوا: إذا اختلف الصحابة على قولين لم يجز إحداث ثالث، وأما إذا اختلف من بعدهم فيجوز إحداث ثالث، ولا يظهر فارق.فإن قلت: إذا لم يتجاوز التابعون عن القولين وتجاوز الصحابة فقولهم الثالث حي بدليله فلا يكون الإحداث مخالفًا للإجماع.
قلت: هذا إنما يصح إذا كان الخلاف السابق مانعًا للإجماع اللاحق على أنه يجوز إن لم يناظروا في المسألة التي لم يتجاوز التابعون عن قولين فيها بل سكتوا، (وجاز) الإحداث (عند طائفة مطلقًا، ومختار الآمدي والرازي: إن رفع) الثالث (ما اتفقا عليه فممنوع) إحداثه (كوطء المشتري البكر) المبيعة وظهر عنده عيب كان عند البائع (قيل يمنع الرد) كما عن أمير المؤمنين علي وابن مسعود (وقيل) يرد (مع الأرش) كما عن أمير المؤمنين عمر وزيد بن ثابت والأرش عشر القيمة (فالرد مجانًا لم يجز)؛ لأنه وقع الاتفاق على عدم الرد مجانًا في التيسير ناقلًا عن بعض شروح التحرير لم تثبت الروايات المذكورة عن الصاحبة المذكورين، نعم صح من التابعين فمنع الرد عن قطب الأقطاب عمر بن عبد العزيز والإمام الحسن البصري قدس سرهما والرد مع الأرش عن سعيد بن المسيب وشريح ومحمد بن سيرين والرد مجانًا عن الحارث من فقهاء الكوفة من أقران إبراهيم النخعي.
قواطع الأدلة لابن السمعاني- (ج: 2) - (ص: 33).
فصل: إذا اختلف الصحابة فى مسألتين على قولين
ذهبت طائفة منهم إلى حكم وصرحت بالتسوية بينهما، وذهبت طائفة أخرى إلى حكم آخر، وصرحت بالتسوية فهل يجوز لمن بعدهم أن يأخذ بقول إحدى الطائفتين فى إحدى المسألتين ويأخذ بقول الطائفة الأخرى فى المسألة الأخرى ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يجوز، والآخر: لا يجوز ووجه الجواز: أنهم لم يجمعوا على التسوية بين المسألتين فى حكم واحد، وإنما سووا فى حكمين مختلفين فجاز لمن بعدهم الأخذ بالتفصيل، وأما وجه عدم الجواز وهو أن جميعهم أجمعوا على التسوية بينهما وهذا التفصيل يمنع من التسوية فصار كما لو أجمعوا على قول واحد فإنه لا يجوز إحداث قول ثانٍ، وهذا الوجه أشبه وأصح.
البحر المحيط في أصول الفقه للزركشي - (ج: 4) - (ص: 358).
قول الصحابي: اتفقوا على أن قول الصحابي في مسائل الاجتهاد ليس بحجة على صحابي آخر مجتهد, إمامًا أو حاكمًا أو مفتيًا. نقله القاضي, وتبعه المتأخرون, منهم الآمدي وابن الحاجب وغيرهما.
فإن قيل: يقدح فيه قول إمام الحرمين: قال الشافعي رضي الله عنه في بعض أقواله: إذا
اختلف الصحابة فالتمسك بقول الخلفاء أولى. قال الإمام: وهذا كالدليل على أنه لم يسقط الاحتجاج بأقوال الصحابة من أجل الاختلاف.
قلنا: مراده أنه حجة علينا, لا على من عاصره من الصحابة.
التمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب - (ج: 3) - (ص: 297 ، 298).
مسألة: إذا اختلف الصحابة (رضي الله عنهم في مسألة) على قولين، ثم اتفق التابعون على أحد القولين فهل يحرم الأخذ بالقول الآخر أم لا؟
قال شيخنا: لا يحرم (ذلك) وهو قول الأشعري، وقال أصحاب أبي حنيفة والمعتزلة: يحرم الأخذ بالآخر، وعن الشافعية كالقولين، وجه الثانية وهو الأقوى عندي، قوله سبحانه: { وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلّى } وقوله: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً }، وقوله عليه السلام: "أمتي لا تجتمع على خطأ" ومن خالف إجماع التابعين فقد اتبع غير سبيل المؤمنين، وزعم أن إجماعهم خطأ.
المهذب في علم أصول الفقه المقارن - د. عبد الكريم النملة - (3/ 987: 990)
إذا قال صحابي قولاً في مسألة، وخالفه صحابي آخر في نفس المسألة بقول آخر، فهل يجوز للمجتهد الأخذ بقول أحدهما بدون دليل؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا يجوز الأخذ بقول أحدهما بدون دليل، بل لا بد من دليل، وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليلين:
الدليل الأول: أن القولين لا يمكن أن يكونا خطأ، ولا يمكن أن يكونا صوابا، بل إن أحدهما صواب والآخر خطأ، ولا يمكن معرفة القول الصواب، والقول الخطأ إلا بدليل خارجي، إذن لا يمكن الأخذ بأحد القولين بلا دليل، بل لا بد من الدليل.الدليل الثاني: القياس على قول اللَّه تعالى، وقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -، بيان ذلك: أنه إذا تعارضت آيتان في نظر المجتهد، إحداهما تفيد الجواز، والأخرى تفيد المنع، فإنه لا يمكن أن يرجح أحد الحكمين إلا بدليل ومرجح خارجي، كذلك لو تعارض حديثان في نظر المجتهد، فلا يمكن أن يرجح أحدهما ويعمل به إلا بمرجح آخر ودليل خارجي.
فإذا كان الأمر كذلك في الكتاب والسُّنَّة، فكذلك قول الصحابي إذا تعارض مع قول صحابي آخر: فإذا تعارض قول صحابي مع قول صحابي آخر في نظر المجتهد، فإنه لا يرجح أحدهما ويعمل به إلا بدليل خارجي عنهما.
المذهب الثاني: أنه يجوز الأخذ بقول أحدهما بدون دليل بشرط: أن يظهر هذا القول المأخوذ به، ولم ينكر منكر القائل به.
وهو اختيار بعض الحنفية.
أما بعض المتكلمين كأبي علي الجبائي وابنه أبي هاشم، فقد قالوا: إن كان هذان القولان قد حدثا للصحابة قبل وقوع الفرْقة بينهم، واختلاف الديار بهم: جاز الأخذ بقول أحدهما من غير اجتهاد في صحته، وإن كان قد حدث بعد وقوع الفرْقة بينهم لم يجز الأخذ إلا أن يدل دليل على صحته غير قول الصحابي.
أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: الوقوع؛ حيث وقع أن امرأة غاب عنها زوجها، ثم جاء وهي حامل، فرفعها إلى عمر، فأمر برجمها، فقال معاذ: إن يكن لك عليها سبيل، فلا سبيل لك على ما في بطنها، فقال عمر: احبسوها حتى تضع، فوضعت غلاما له ثنيتان، فلما رآه أبوه قال: ابني، فبلغ ذلك عمر، فقال عمر: " عجزت النساء أن يلدن مثل معاذ، لولا معاذ لهلك عمر ".
وجه الدلالة: أن عمر رجع إلى قول معاذ - رضي اللَّه عنهما - في هذه القضية بدون أن يستعلم رأي غيره، مع وجود بعض الصحابة الذين هم من أهل الاجتهاد، فهذا يدل على جواز الأخذ بأحد قولي الصحابة بدون دليل.
جوابه: إن عمر - رضي اللَّه عنه - قد أخذ بقول معاذ؛ لأنه ظهر له رجحان قول معاذ واجتهاده - لما ذكر أن ما في البطن لا ذنب له حتى تعاقبه، حيث إن العقوبة تخص المذنب فقط - فصار قول معاذ هو الحق - وذلك بالدليل، لا أنه رجع إلى قول معاذ تقليداً بلا دليل، فعمر قد اتبع الدليل المرجح، ولم يتبع قول معاذ المجرد.
الدليل الثاني: أن اختلاف الصحابة على قولين في مسألة معينة هو إجماع ضمني بينهم على صحة القولين، وهذا يجوز الأخذ بكل واحد منهما بلا دليل بالاتفاق.
جوابه: إن اختلاف الصحابة على قولين لا يدل على ما ذكرتم، بل يدل على أنهم سوَّغوا وأجازوأ الأخذ بالأرجح منهما، ولا يمكن أن يتبين الراجح منهما إلا بالاجتهاد في القولين معا، ولا يمكن الاجتهاد إلا بالأدلة.
بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا معنوي؛ حيث إنه إذا اختلف صحابيان في مسألة معينة: أحدهما قال: يجوز فيها كذا، والآخر قال: لا يجوز، ولم يوجد دليل يرجح أحدهما على الآخر، فبناء على المذهب الأول فإنه لا يجوز الأخذ بالقولين معا ويتساقطا، ويجتهد في المسالة وكأنها حادثة جديدة.
أما على المذهب الثاني: فإنه لا يجتهد في المسألة، بل يؤخذ بأحد القولين ويستدل به على المسألة.
الوجيز في أصول الفقه الإسلامي - د. محمد مصطفى الزحيلي - (1/ 272: 274)
اختلف الأئمة عند تعدد أقوال الصحابة واختلاف اجتهاداتهم، هل هي حجة على التابعين ومن بعدهم أم لا؟ فيه قولان:
القول الأول: وهو قول الإمام أبي حنيفة والإمام مالك، فقالا بوجوب الالتزام بأحد أقوال الصحابة بدون تعيين، واختيار المناسب منها مع عدم الخروج عن مجموع آرائهم، وأن قول الصحابي يقدم على القياس، واستدلوا على ذلك بأن اختلاف الصحابة في المسألة على قولين إجماع منهم على عدم القول الثالث، وأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: "أصْحابي كالنُّجوم بأيِّهم اقتدَيْتم اهتدَيْتُم"، وغيره من الأحاديث، وأن اللَّه تعالى مدح وأثنى على التابعين باتباعهم الصحابة فقال تعالى: { وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ } [التوبة: 100]، وأن الظاهر من حال الصحابة أن قولهم مستند إلى سماع، وإن لم يكن سماع فرأيهم أقوى من رأي غيرهم.
القول الثاني: وهو قول الإمام الشافعي والإمام أحمد، فقالا بعدم اعتبار قول الصحابي حجة، فيجوز اتباعه، ويجوز مخالفته، وأن العمل والاتباع يعتمد على الأدلة التي احتج بها الصحابة بالفتوى والاجتهاد والقضاء، وليس بأقوالهم.
واستدلوا على ذلك بأن الصحابي ليس مشرعًا، وليس معصومًا، وكما جاز للصحابي أن يخالف صحابيًّا آخر -باتفاق العلماء- جاز للتابعين وبقية المسلمين مخالفته أيضًا، وأن التابعين خالفوا الصحابة في أقوالهم واجتهاداتهم، ولم ينكر عليهم الصحابة، وأن الصحابي مجتهد كغيره من المجتهدين، ويحرم على المجتهد تقليد مجتهد آخر.
وقال النووي الشافعي رحمه اللَّه تعالى: "فاختار الغزالي في المستصفى أنه ليس بحجة، والصحيح الذي عليه جماهير الأصحاب أنه حجة".
ونقل ابن القيم رحمه اللَّه تعالى قول الشافعي رحمه اللَّه تعالى عن الصحابة: "رأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا".