التقرير والتحبير لابن أمير الحاج - (ج: 3) - (ص: 194).
ثم هذا كله على ما يقتضيه سوق الكلام وهو الموافق لكلام ابن الحاجب وشارحيه والذي في تنقيح المحصول للقرافي أن ما جهل حاله من الإلغاء والاعتبار هو المصلحة المرسلة التي تقول بها المالكية، ويوافقه تفسير الإسنوي بالمناسب المرسل الذي اعتبره مالك، كما ذكره البيضاوي بهذا، ومشى عليه السبكي في جمع الجوامع ثم قال الإسنو:ي وفيه ثلاثة مذاهب: أحدها: أنه غير معتبر مطلقا، قال ابن الحاجب: وهو المختار .
وقال الآمدي: إنه الحق الذي اتفق عليه الفقهاءوالثاني: أنه حجة مطلقًا وهو مشهور عن مالك واختاره إمام الحرمين قال ابن الحاجب: وقد نقل أيضا عن الشافعي. وكذا قال إمام الحرمين إلا أنه شرط أن تكون تلك المصالح شبيهة بالمصالح المعتبرة
والثالث وهو رأي الغزالي واختاره البيضاوي أنه إن كانت المصلحة ضرورية قطعية كلية اعتبرت وإلا فلا.
فجعلا ما تقدم من أن ما جهل حاله من الاعتبار وعدمه مردود اتفاقًا محل الخلاف المذكور في المرسل الملائم، نعم نسبة الإسنوي ابن الحاجب إلى أنه قال فيما جهل حاله: المختار أنه غير معتبر ليست كذلك بل إنما ذكره في سبيل الملائم والله سبحانه أعلم.
البحر المحيط في أصول الفقه للزركشي - (ج: 4) - (ص: 377 ، 379).
المصالح المرسلة.
قد مر الكلام في القياس, في المناسب الذي اعتبره الشارع أو ألغاه, والكلام فيما جهل, أي سكت الشرع عن اعتباره وإهداره, وهو المعبر عنه بـ "المصالح المرسلة", ويلقب بـ "الاستدلال المرسل", ولهذا سميت "مرسلة "أي لم تعتبر ولم تلغ. وأطلق إمام الحرمين وابن السمعاني عليه اسم "الاستدلال", وعبر عنه الخوارزمي في "الكافي "بـ "الاستصلاح", قال: والمراد بالمصلحة: المحافظة على مقصود الشرع بدفع المفاسد على الخلق. وفسره الإمام والغزالي بأن يوجد معنى يشعر بالحكم مناسب له عقلًا, ولا يوجد أصل متفق عليه, والتعليل المصور جار فيه. وفسره ابن برهان في الأوسط "بأن لا يستند إلى أصل كلي ولا جزئي.وفيه مذاهب:
أحدها: منع التمسك به مطلقًا, وهو قول الأكثرين, منهم القاضي وأتباعه, وحكاه ابن برهان عن الشافعي. قال الإمام: وبه قال طوائف من متكلمي الأصحاب.
الثاني: الجواز مطلقًا, وهو المحكي عن مالك رحمه الله, قال الإمام في البرهان": وأفرط في القول به حتى جره إلى استحلال القتل وأخذ المال لمصالح تقتضيها في غالب الظن وإن لم يجد لها مستندًا, وحكاه غيره قولًا قديمًا عن الشافعي.
وقال أبو العز المقترح في حواشيه على البرهان: إن هذا القول لم يصح نقله عن مالك, هكذا قاله أصحابه, وأنكره ابن شاس أيضا في التحرير
على الإمام وقال: أقواله تؤخذ من كتبه وكتب أصحابه, لا من نقل الناقلين. وكذلك استنكره القرطبي في كتابه فقال: ذهب الشافعي ومعظم أصحاب أبي حنيفة إلى الاعتماد عليه, وهو مذهب مالك. قال: وقد اجترأ إمام الحرمين وجازف فيما نسبه إلى مالك من الإفراط في هذا الأصل. وهذا لا يوجد في كتاب مالك, ولا في شيء من كتب أصحابه.
وهذا تحامل من القرطبي, فإن الإمام قد حمل كلام مالك على ما يصح. وسيأتي. وقد قال ابن دقيق العيد: نعم, الذي لا شك فيه أن لمالك ترجيحًا على غيره من الفقهاء في هذا النوع, ويليه أحمد بن حنبل. ولا يكاد يخلو غيرهما عن اعتباره في الجملة, ولكن لهذين ترجيح في الاستعمال على غيرهما. انتهى.
وقال القرافي: هي عند التحقيق في جميع المذاهب, لأنهم يعقدون ويقومون بالمناسبة, ولا يطلبون شاهدا بالاعتبار, ولا يعني بالمصلحة المرسلة إلا ذلك. قال: وإمام الحرمين قد عمل في كتابه الغياثي "أمورا وحررها وأفتى بها, والمالكية بعيدون عنها, وحث عليها وقالها للمصلحة المطلقة. وكذلك الغزالي في "شفاء الغليل" مع أن الاثنين شديدا الإنكار علينا في المصلحة المرسلة.قلت: وسيأتي تحقيق مذهب الرجلين.
وقال البغدادي في جنة الناظر": لا تظهر مخالفة الشافعي لمالك في المصالح, فإن مالكا يقول: إن المجتهد إذا استقرأ موارد الشرع ومصادره أفضى نظره إلى العلم برعاية المصالح في جزئياتها وكلياتها وأن لا مصلحة. إلا وهي معتبرة في جنسها, لكنه استثنى من هذه القاعدة كل مصلحة صادمها أصل من أصول الشريعة قال: وما حكاه أصحاب الشافعي عنه لا يعدو هذه المقالة إذ لا أخص منها إلا الأخذ بالمصلحة المعتبرة بأصل معين, وذلك مغاير للاسترسال الذي اعتقدوه مذهبا, فبان أن من أخذ بالمصلحة غير المعتبرة فقد أخذ بالمرسلة التي قال بها مالك, إذ لا واسطة بين المذهبين.
والثالث: إن كانت المصلحة ملائمة لأصل كلي من أصول الشرع, أو لأصل جزئي جاز بناء الأحكام. وإلا فلا. ونسبه ابن برهان في الوجيز " للشافعي وقال: إنه الحق المختار, ومثله بقوله في المطلقة الرجعية: إنه لا يحل وطؤها, لأن العدة شرعت لبراءة الرحم, والوطء سبب الشغل, فلو جوزناه في العدة لاجتمع الضدان. فليس لهذا الأصل جزئي, وإنما أصله كلي مهدر, وهو أن الضدين لا يجتمعان.
وقال إمام الحرمين: ذهب الشافعي ومعظم أصحاب أبي حنيفة إلى اعتماد تعليق الأحكام بالمصالح المرسلة, بشرط ملائمته للمصالح المعتبرة المشهود لها بالأصول. وهذا قريب من نقل ابن برهان. وينبغي أن ينزل على ذلك قول الخوارزمي في "الكافي": إن ظاهر كلام الشافعي يقتضي اعتبارها وتعليق أحكام الشرع بها. لكن إذا قيدناه بهذا انسلخت المسألة من المصالح المرسلة, فإنه إذا شرط التقريب من الأصول الممهدة, وفسره بالملاءمة كان من باب القياس في الأسباب, فيكون من قسم المعتبر, وبه يخرج عن الإرسال, ويعود النزاع لفظيًّا. ولهذا قال ابن برهان في الأوسط": لا يظن بمالك - على جلالته - أن يرسل النفس على سجيتها وطبيعتها, فيتبع المصالح الجامدة التي لا تستند إلى أصول
الشرع بحال, لا على كلي ولا على جزئي. إلا أن أصحابه سمعوا أنه بنى الأحكام على المصالح المطلقة فأطلقوا النقل عنه في ذلك. ومثله قول إمام الحرمين, في باب ترجيح الأقيسة: ولا نرى التعليق عنده بكل مصلحة, ولم ير ذلك أحد من العلماء قال: ومن ظن ذلك بمالك فقد أخطأ.
وقال ابن المنير في الخلاف: من العلماء من رأى أن ورود الحكم المعين على الوفق نازل منزلة البينة, ثم الملائمة نازلة منزلة تزكية البينة بالشهود المقررة عند التهمة, فهذا يرد الاستدلال المرسل, لأن صاحبه ما أقام على صحته بينة غير دعواه, فلا يتوقع للتزكية, ولا بينة. ومنهم من نزل الملائمة منزلة البينة على صدق الدعوى في صدق الوصف, وجعل ورود الحكم المعين على الوفق كالاستظهار, فلم يضره فواته في أصل الاعتبار.
والرابع : اختيار الغزالي والبيضاوي وغيرهما تخصيص الاعتبار بما إذا كانت تلك المصلحة ضرورية قطعية كلية, فإن فات أحد هذه الثلاثة لم يعتبر.
التحبير شرح التحرير للمرداوي - (ج: 7) - (ص: 3393).
قَالَ الطوفي فِي " شَرحه ": "
قلت: لم أجد هَذَا مَنْقُولًا فِيمَا وقفت عَلَيْهِ من كتب الْمَالِكِيَّة، وَسَأَلت عَنهُ بعض فضلائهم فَقَالُوا: لَا نعرفه،
قلت: مَعَ أَنه إِذا دعت إِلَيْهِ الضَّرُورَة مُتَّجه جدا، وَقد حَكَاهُ عَن مَالك جمَاعَة: مِنْهُم الْحوَاري، [والبروي] فِي جدلهما.
ثمَّ قَالَ: قلت: الْمُخْتَار اعْتِبَار الْمصلحَة الْمُرْسلَة " انْتهى.
المهذب في علم أصول الفقه المقارن - د. عبد الكريم النملة - (3/ 1013)
المصلحة المرسلة حُجَّة بسبب: أن هناك أدلة قد دلَّت على ذلك بصراحة، وقد ذكرناها، وتلك الأدلة وهي: استقراء النصوص الشرعية، واستقراء فتاوى الصحابة وعلماء الأُمَّة، وكون أننا لو لم نحتج بالمصلحة لخلت كثير من الحوادث بلا أحكام.
وهذه الأدلة شرعية قد أثبتنا عن طريقها كثيراً من القواعد الأصولية كحجية القياس، ونجبر الواحد، وصيغ العموم، ونحو ذلك، فلو كانت تلك الأدلة لا تصلح لإثبات المصلحة والاحتجاج بها للزم أنها لا تصلح لإثبات أي قاعدة أصولية، وهذا باطل.
ثم إننا قد اشترطنا للعمل بالمصلحة شروطا تبين أن حكمنا بالمصلحة ليس حكمل بالعقل المجرد، ولا وضعا للشرع بالتشهي والرأي، بل هو حكم بالشرع، ولا يخرج عن الشرع بأي حال.
الوجيز في أصول الفقه الإسلامي - د. محمد مصطفى الزحيلي - (1/ 255، 256)
حجية المصالح المرسلة:
اختلف الأئمة في حجية المصالح المرسلة واعتبارها دليلًا شرعيًّا ومصدرًا مستقلًا على قولين:
القول الأول: المصالح المرسلة ليست دليلًا مستقلًا، وهو مذهب الشافعية والحنفية، واحتجوا لقولهم بأن الشريعة راعت مصالح الناس بالنص والإجماع والقياس، فكل مصلحة لها شاهد من هذه الأدلة، وأن المصلحة التي لا يشهد لها دليل شرعي ليست في الحقيقة مصلحة، وإنما هي وهم، كما أن بناء الأحكام على مجرد المصلحة فيه فتح لباب التشريع أمام أصحاب الأهواء وحكام السوء والفساد بأن يشرعوا ما يحقق أغراضهم وأهواءهم بحجة المصلحة، ولذا فإن حفظ مقاصد الشرع تعرف بالكتاب والسنة والإجماع والقياس، وكل مصلحة لا ترجع لواحد مما سبق فهي باطلة.
القول الثاني المصالح المرسلة دليل شرعي مستقل ومصدر من مصادر التشريع التي يرجع إليها المجتهد، وحجة تبنى عليها الأحكام دون أن تتوقف على دليل شرعي آخر، وهو مذهب المالكية والحنابلة.