المحصول في علم أصول الفقه للرازي - (ج: 2) - (ص: 18 ، 19).
الأمر: طلب الفعل بالقول على سبيل الاستعلاء
ومن الناس من لم يعتبر هذا القيد الأخيرالمسألة الثالثة: في ماهية الطلب
اعلم أن تصور ماهية الطلب حاصل لكل العقلاء على سبيل
الاضطرار فإن من لم يمارس شيئا من الصنائع العلمية ولم يعرف الحدود والرسوم قد يأمر وينهى ويدرك تفرقة بديهية بين طلب الفعل وبين طلب الترك وبينهما وبين المفهوم من الخبر ويعلم أن ما يصلح جوابا لأحدهما لا يصلح جوابا للآخر ولولا أن ماهية الطلب متصورة تصورا بديهيا وإلا لما صح ذلك ثم نقول معنى الطلب ليس نفس الصيغة لأن ماهية الطلب لا تختلف باختلاف النواحي والأمم وكان يحتمل في الصيغة التي وضعوها للخبر أن يضعوها للأمر وبالعكس فماهية الطلب ليست نفس الصيغة ولا شيئا من صفاتها بل هي ماهية قائمة بقلب المتكلم تجري مجرى علمه وقدرته وهذه الصيغ المخصوصة دالة عليها.
شرح الكوكب المنير لتقي الدين الفتوحي -(ج: 3) - (ص: 17).
قال القرافي في التنقيح: الاستعلاء هيئة في الأمر من الترفع أو إظهار الأمر، والعلو يرجع إلى هيئة الآمر من شرفه وعلو منزلته بالنسبة إلى
المأمور انتهى.
قال البرماوي: والمراد بالعلو أن يكون الآمر في نفسه عاليا ، أي أعلى درجة من المأمور ، والاستعلاء أن يجعل الآمر نفسه عاليا بكبرياء أو غير ذلك ، سواء كان في نفس الأمر كذلك أو لا ، فالعلو من الصفات العارضة للآمر ، والاستعلاء من صفة صيغة الأمر وهيئة نطقه مثلا.
قال ابن العراقي: فالعلو صفة للمتكلم، والاستعلاء صفة للكلام.
المهذب في علم أصول الفقه المقارن - د. عبد الكريم النملة - (3/ 1311، 1312)
في تعريف الأمر الأمر:
هو: استدعاء الفعل بالقول على جهة الاستعلاء.بيان هذا التعريف: قوله: " استدعاء " أي: طلب، وهو جنس؛ حيث دخل فيه كل طلب سواء كان طلب فعل، أو طلب ترك، من المساوي، أو من الأدنى، أو من الأعلى.
قوله: " استدعاء الفعل " أخرج طلب الترك، وهو النهي.
وقوله: " بالقول " أي: الصيغة، فخرج بذلك الإشارات والرموز، وبعض الحركات، والفعل الذي يستدعي بغير قول، فإن هذه الأمور تسمى أمراً مجازيا؛ لأن الطلب من لوازم الأمر الحقيقي، والصيغة من لوازم الطلب؛ بناء على أن الكلام حقيقة في العبارات اللسانية، لا في المعاني النفسانية.
وقوله: " على وجه الاستعلاء " معناه: أن يأتي الأمر متكيفا بكيفية الترفع على المأمور كأمر اللَّه للمخلوقين، وأمر السيد لعبيده، وأمر الأب لأولاده، وأمر السلطان لرعيته.
فعبارة " على جهة الاستعلاء " أخرج طلب الفعل بالقول على جهة الدعاء والالتماس.
وعلى هذا: فإنه يشترط في الأمر الاستعلاء - وهو: أن يجعل لآمر نفسه في مرتبة أعلى رتبة من غيره، وإن لم يكن ذلك حاصلاً باعتبار الواقع.
وهو مذهب بعض الشافعية كالآمدي، والرازي، وبعض المالكية كابن الحاجب، والباجي، والقرافي، وبعض الحنابلة كأبي الخطاب، وابن قدامة، وبعض الحنفية كصدر الشريعة، وابن عبد الشكور.
وهو الحق؛ لدليلين:
أولهما: أن الرجل العظيم لو قال لغيره: " افعل " لا على سبيل الاستعلاء، بل على سبيل التضرع واللين، فإنه لا يقال: إنه أمر، ولذلك نفى النبي - صلى الله عليه وسلم - الأمر حينما قال لبريرة: " ارجعي إلى زوجك." فقالت: أتامرني يا رسول اللَّه؟ قال: " لا، إنما أنا شافع " فهنا لم يكن ذلك القول أمراً؛ لأنه صدر لا على سبيل الاستعلاء.
ثانيهما: أنه لو قال من هو أدنى رتبة لمن هو أعلى رتبة منه: "افعل " بصفة المستعلي، فانه يقال: " إنه أمره "، ولذلك يوصف هذا المستعلي بالجهل والحمق بسبب أمره، لمن هو أعلى منه.
وهناك من اشترط في الأمر العلو - وهو: كون الأمر في نفسه أعلى رتبة ودرجة من المأمور، لذلك عرف الأمر بأنه: قول القائل لمن هو دونه: افعل.
وهناك من لم يشترطهما - أي: لم يشترط في الأمر الاستعلاء ولا العلو - لذلك عرف الأمر بأنه: القول الطالب للفعل مطلقا.
وهناك من اشترطهما معا.