أصول السرخسي - (ج: 1) - (ص: 15).
اعلم أن صيغة الأمر تستعمل على سبعة أوجه:
على الالزام كما قال الله تعالى: ( ءَامِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ } وقال تعالى: { وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ }.وعلى الندب كقوله تعالى: ، وقوله تعالى: { وَأَحْسِنُوا }.
وعلى الإباحة، كقوله تعالى: { فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ }
وعلى الإرشاد إلى ما هو الأوثق، كقوله تعالى: { وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ }.
وعلى التقريع، كقوله تعالى: { فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ }.
وعلى التوبيخ، كقوله تعالى: { وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ }.
وعلى السؤال، كقوله تعالى: { رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا }.
ولا خلاف أن السؤال والتوبيخ والتقريع لا يتناوله اسم الأمر، وإن كان في صورة الأمر، ولا خلاف أن اسم الأمر
يتناول ما هو للإلزام حقيقة، ويختلفون فيما هو للإباحة أو الإرشاد أو الندب.
تحفة المسؤول شرح مختصر منتهى السول للرهوني - (ج: 3) - (ص: 16 ، 18).
أقول: القائلون بالكلام النفسي اختلفوا في الأمر - بمعنى الاقتضاء - هل له صيغة تخصه؟
فقال الأشعري: لا, وقال آخرون: نعم.
قال الإمام والغزالي: والذي نراه أن هذه الترجمة عن الأشعري خطأ, فإن قول القائل لغيره: «أمرتك» , و «أنت مأمور» , صيغة خاصة بالأمر بلا شك, إنما الخلاف في صيغة «افعل» , هل هي مختصة بالأمر أم لا؟ لكونها مترددة بين ستة عشر معنى.
وقد يقال: «أمرتك» , و «أنت مأمور» لا يدل بصيغته على الاقتضاء المذكور بل بمادته, ثم «أمرتك» , و «أنت مأمور» يطلق على الصيغة الدالة عليه, فلا يكون مختصًّا بالاقتضاء.
وقال صاحب الإحكام: «وما قالاه لا يرفع الخلاف؛ إذ الخلاف في أن الأمر له صيغة إنشائية تخصه أم لا؟ وما ذكره إخبار عن الأمر لا إنشاء, وإن استعمل في الإنشاء كصيغ العقود».
قال: والجمهور وهو مذهب مالك والشافعي, أن صيغة الأمر - ونعني به صيغة «افعل» - حقيقة في الوجوب إذا عريت عن القرائن, واستعمالها في غيره بطريق المجاز, وهذا ينافي اختياره قبل هذا أن المندوب مأمور به.
وقال أبو هاشم: إنه حقيقة في الندب.
وقيل: حقيقة في الطلب المشترك بين الوجوب والندب.
وقيل: مشترك بين الوجوب والندب اشتراكًا لفظيًّا.
وقال الأشعري والقاضي: بالوقف فيهما, أي لا نعرف أهو حقيقة في الوجوب, أو في الندب, أو مشترك بينهما؟.
وقيل: مشترك بين الوجوب, والندب, والإباحة.
وقيل: للإذن المشترك بين الثلاثة, وهو الإذن.
الشيعة: مشترك بين الثلاثة والتهديد أيضًا.
المستصفى في علم الأصول لمحمد الغزالي - (ج: 1) - (ص: 205 ، 206).
النظر الثاني: في الصيغة
وقد حكى بعض الأصوليين خلافًا في أن الأمر هل له صيغة، وهذه الترجمة خطأ، فإن قول الشارع: أمرتكم
بكذا وأنتم مأمورون بكذا، أو قول الصحابي: أمرت بكذا، كل ذلك صيغ دالة على الأمر، وإذا قال: أوجبت عليكم أو فرضت عليكم، أو أمرتكم بكذا، وأنتم معاقبون على تركه، فكل ذلك يدل على الوجوب، ولو قال: أنتم مثابون على فعل كذا، ولستم معاقبين على تركه فهو صيغة دالة على الندب، فليس في هذا خلاف، وإنما الخلاف في أن قوله: افعل، هل يدل على الأمر بمجرد صيغته إذا تجرد عن القرائن، فإنه قد يطلق على أوجه:منها الوجوب، كقوله: { أَقِمِ الصَّلَاةَ } [ لقمان: 17 ] والندب، كقوله: { فَكَاتِبُوهُمْ }، والإرشاد، كقوله: { وَاسْتَشْهِدُوا } [ البقره: 282)، والإباحة، كقوله: ، والتأديب، كقوله لابن عباس: (كل مما
يليك) والامتنان، كقوله تعالى: { كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ }، والإكرام، كقوله: { ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ءَامِنِينَ } (الحجر: 64) والتهديد كقوله: { اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ } (فصلت: 40)، والتسخير كقوله: { كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ } (البقرة: 56) والإهانة كقوله: { ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ } (الدخان: 94) والتسوية كقوله: { فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا } (الطور:
61) والإنذار كقوله: { كُلُوا وَتَمَتَّعُوا } (المرسلات: 64). والدعاء، كقوله: (اللهم اغفر لي)، والتمني كقول الشاعر: ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي، ولكمال القدرة كقوله: { كُنْ فَيَكُونُ } (البقره 117، آل عمران: 47، 59، الأنعام: 73، النحل: 40، مريم: 35، يس 28، غافر:
86).وأما صيغة النهي وهو قوله: لا تفعل، فقد تكون للتحريم، وللكراهية والتحقير، كقوله: { لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ (الحجر: 88)، ولبيان العاقبة كقوله: (إبراهيم: 24)، وللدعاء كقوله: (ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين)، ولليأس كقوله: { لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ } (التحريم: 7)، وللإرشاد كقوله: { لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ } (المائدة: 101)
فهذه خمسة عشر وجهًا في إطلاق صيغة الأمر.
أصول الفقه لابن مفلح - (ج: 2) - (ص: 655).
وكذا قال أبو المعالي: صيغة الأمر كقولك: ذات الشيء ونفسه.
وقال بعض أصحابنا: "للأمر صيغة "صحيح؛ لأن الأمر: اللفظ والمعنى، فاللفظ دل على التركيب، وليس هو عين المدلول، ولأن اللفظ دل على صفته التي هي الأمرية، كما يقال: يدل على كونه أمرًا. ولم يُقَل: على الأمر.
وقد قال القاضي: "الأمر يدل على طلب الفعل واستدعائه". فجعله مدلول الأمر لا عين الأمر.
التحبير شرح التحرير للمرداوي - (ج: 5) - (ص: 2177 : 2181).
(قَوْله: فصل) الْأَرْبَعَة وَالْأَكْثَر لِلْأَمْرِ صِيغَة تدل بمجردها عَلَيْهِ لُغَة }.
نَقله عَن الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة ابْن قَاضِي الْجَبَل وَغَيره، وَقَالَ: هُوَ قَول الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَالْأَوْزَاعِيّ، وَجَمَاعَة أهل الْعلم وَبِه يَقُول الْبَلْخِي من الْمُعْتَزلَة.
، فَمنع أَن يُقَال: لِلْأَمْرِ صِيغَة، أَو أَن يُقَال: هِيَ دَالَّة عَلَيْهِ بل الصِّيغَة نَفسهَا هِيَ الْأَمر وَالشَّيْء لَا يدل على نَفسه. وَإِنَّمَا يَصح عِنْد الْمُعْتَزلَة: الْأَمر الْإِرَادَة، أَو الأشعرية: الْأَمر معنى فِي النَّفس، وَكَذَا قَالَ أَبُو الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ صِيغَة الْأَمر كَقَوْلِك: ذَات الشَّيْء وَنَفسه.
وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا: قَوْلهم لِلْأَمْرِ صِيغَة صَحِيح؛ لِأَن الْأَمر اللَّفْظ، وَالْمعْنَى فاللفظ دلّ على التَّرْكِيب وَلَيْسَ هُوَ عين الْمَدْلُول؛ وَلِأَن اللَّفْظ دلّ على صفته الَّتِي هِيَ الأمرية كَمَا يُقَال: يدل على كَونه أمرا، وَلم يقل: على الْأَمر.
وَقَالَ القَاضِي: الْأَمر يدل على طلب الْفِعْل واستدعائه، فَجعله مَدْلُول الْأَمر لَا عين الْأَمر.
عَن قَول أَحْمد: من تَأَول الْقُرْآن على ظَاهره بِلَا أَدِلَّة من الرَّسُول وَلَا أحد من الصَّحَابَة فَهُوَ تَأْوِيل أهل الْبدع؛ لِأَن الْآيَة قد تكون عَامَّة قصدت لشَيْء بِعَيْنِه، وَالنَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - هُوَ الْمعبر عَن كتاب الله: { ظَاهره: لَا صِيغَة لَهُ }، بل الْوَقْف؛ من وجوب وَندب، قَالَ بعض أَصْحَابنَا: نَص أَحْمد فِي الْعُمُوم، وَاعْتبر القَاضِي جنس الظَّاهِر وَهُوَ اعْتِبَار جيد. فَيبقى قد حكى رِوَايَة بِمَنْع التَّمَسُّك بالظواهر الْمُجَرَّدَة؛ حَتَّى يعلم مَا يُفَسِّرهَا، وَهُوَ الْوَقْف الْمُطلق وقوفا شَرْعِيًّا؛ لمجيء التَّفْسِير وَالْبَيَان كثيرا مَعَ ظُهُوره لُغَة.
وَمن أَصْحَابنَا من يُفَسر هَذِه الرِّوَايَة بِمَا يُوَافق كَلَامه.
قَوْله: { وَعند أَكثر الْقَائِلين بِكَلَام النَّفس أَن لِلْأَمْرِ صِيغَة }. { و } عِنْد { الْأَشْعَرِيّ } وَمن تبعه { لَا صِيغَة لَهُ.
فَقيل: مُشْتَركَة، وَقيل: لَا نَدْرِي }.
قَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: الْقَائِلُونَ بِالنَّفسِي اخْتلفُوا: هَل لَهُ صِيغَة تخصه؟ فَنقل عَن أبي الْحسن وَمن تَابعه النَّفْي، وَإِنَّمَا يدل عَلَيْهِ بِالْإِشَارَةِ والقرائن، وَعَن غَيرهم: الْإِثْبَات.
وَنقل عَن الباقلاني أَنه قَالَ: لَا صِيغَة لَهُ تفيده بِنَفسِهَا، بل هِيَ كالزاي من زيد يَنْضَم إِلَيْهَا قرينَة فتفيد الْمَجْمُوع، ثمَّ قَالَ: اخْتلف ابْن كلاب والأشعري، وَكَانَ ابْن كلاب يَقُول: هِيَ حِكَايَة عَن الْأَمر، وَقَالَ الْأَشْعَرِيّ: هِيَ عبارَة عَن الْمَعْنى النفساني. انْتهى.
وَقَالَ ابْن الْعِرَاقِيّ وَغَيره: اخْتلف الْقَائِلُونَ بالْكلَام النَّفْسِيّ فِي أَن الْأَمر هَل لَهُ صِيغَة تخصه أم لَا؟ قَوْلَيْنِ:
أَحدهمَا: وَهُوَ الْمَنْقُول عَن الْأَشْعَرِيّ أَنه لَيست لَهُ صِيغَة تخصه، فَقَوْل الْقَائِل: افْعَل، مُتَرَدّد بَين الْأَمر وَالنَّهْي، ثمَّ اخْتلف أَصْحَابه فِي تَحْقِيق مذْهبه.
فَقيل: أَرَادَ الْوَقْف، أَي: أَن قَول الْقَائِل: افْعَل، لَا يدْرِي وضع فِي اللِّسَان الْعَرَبِيّ لماذا؟
وَقيل: أَرَادَ الِاشْتِرَاك، أَي: أَن اللَّفْظ صَالح لجَمِيع المحامل صَلَاحِية اللَّفْظ الْمُشْتَرك للمعاني الَّتِي يثبت اللَّفْظ لَهَا.
الثَّانِي: أَن لَهُ صيغا تخصه لَا يفهم مِنْهَا غَيره عِنْد التجرد عَن الْقَرَائِن، كَفعل الْأَمر وَاسم الْفِعْل وَالْفِعْل الْمُضَارع المقرون بِاللَّامِ.
وَذكر إِمَام الْحَرَمَيْنِ، وَالْغَزالِيّ أَن الْخلاف فِي صِيغَة (افْعَل) دون قَول الْقَائِل: أَمرتك فأوجبت عَلَيْك، وندبت وألزمتك فَأَنت مَأْمُور فَإِنَّهُ من صِيغ الْأَمر بِلَا خلاف، وتبعهم جمَاعَة.
وَقَالَ الْآمِدِيّ: لَا وَجه لهَذَا التَّخْصِيص فَإِن مَذْهَب الْأَشْعَرِيّ أَن الْأَمر عبارَة عَن الطّلب الْقَائِم بِالنَّفسِ، وَلَيْسَ لَهُ صِيغَة تخصه، وَإِنَّمَا يعبر بِمَا يدل عَلَيْهِ؛ لانضمام الْقَرِينَة إِلَيْهِ. انْتهى.
المهذب في علم أصول الفقه المقارن - د. عبد الكريم النملة - (3/ 1318: 1322)
هل للأمر صيغة موضوعة في اللغة؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أن للأمر صيغة موضوعة لغة له، وتدل عليه حقيقة بدون قرينة كدلالة سائر الألفاظ الحقيقية على موضوعاتها ومعانيها، وهي صيغة فعل الأمر: " افعل " مثل: " اكتب ".والمضارع المجزوم بلام الأمر وهي: " ليفعل " كقوله تعالى: (فليحذر الذي يخالفون عن أمره) .
واسم فعل الأمر مثل قوله تعالى: (عليكم أنفسكم) .
والمصدر النائب عن فعله كقوله تعالى: (فضرب الرقاب) .
وإنما تخصص صيغة " افعل " بالذكر؛ نظراً لكثرة دورانها في الكلام.
وهذا المذهب هو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ للأدلة التالية: الدليل الأول: أن العرب قد وضعوا لما لا يحتاج إليه أسماء كالأسد، والهر، والسيف، والخمر، فمن باب أوْلى أن يضعوا صيغة للأمر تدلْ عليه؛ وذلك لأن الحاجة داعية إلى معرفة الأمر، لكثرة مخاطبات الناس به، فلا يمكن أن يتخاطبوا بغير صيغة، فدل هذا على أنهم وضعوا له صيغة وهو: " افعل ".
الدليل الثاني: أن السيد لو قال لعبده: " اسقنى ماء "، فلم
يسقه، فإنه يستحق - عند أهل اللغة - الذم والتوبيخ، فلو لم تكن هذه الصيغة موضوعة للاستدعاء لما استحق ذلك.
الدليل الثالث: أنا نجد في العقل ضرورة أن من وجدت منه صيغة " افعل " يسمى آمراً، أما إذا لم توجد منه هذه الصيغة، فإنه لا يسمى آمراً، ولو كان الأمر أمراً لقيامه في النفس لسمي من لم يوجد منه ذلك آمراً.
الدليل الرابع: أن أهل اللغة قد قسموا الكلام إلى أمر، ونهي، وخبر، واستخبار، فعبروا عن الأمرب " افعل "، وعبروا عن النهي بـ " لا تفعل "، وعبروا عن الخبر ب " زيد في الدار "، وعبروا عن الاستخبار بقولهم: " هل جاء زيد؛ "، ولم يشترطوا لذلك أية قرينة، فدل على أن " افعل " للأمر بمجردها بدون قرينة.
وهذا التقسيم قد اشتفاض بين أهل اللسان كاستفاضة سخاء حاتم، وشجاعة عنترة.
الدليل الخامس: أنه يسبق إلى الفهم إذا أطلقت صيغة " افعل ": أنها للأمر، ولا يسبق إلى الفهم إلا الحقيقة، أما غيره فلا يفهم إلا بواسطة قرينة، فلو كانت صيغة " افعل " مشتركة بين الأمر وغيره: لما سبق إلى فهمنا أن السيد إذا قال لعبده: " افعل " أن ذلك أمر، فلما سبق ذلك إلى فهمنا دلَّ على أنه حقيقة في الأمر مجاز في غيره، بخلاف الألفاظ المشتركة: فلو قال السيد لعبده: " اصبغ الثوب "، أو قال: " ائت العين ": فلا يسبق إلى فهمنا لون دون لون، ولا عين دون عين.
المذهب الثاني: أنه ليس للأمر صيغة في اللغة، وإنما صيغة "افعل"
مشتركة بين الأمر وغيره، ولا يحمل على أحدهما إلا بقرينة.
وهو مذهب أكثر الأشاعرة.
أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: أن هذه الصيغة - وهي: " افعل " - إما أن تثبت أنها للأمر عن طريق العقل، أو النقل.
فإن زعمتم أنها ثبتت للأمر عن طريق العقل، فهذا باطل؛ لأن العقل لا مدخل له في اللغات، وإن زعمتم أنها ثبتت للأمر عن طريق النقل، فهذا باطل - أيضا -؛ لأن النقل قسمان: " متواتر " و"آحاد".
فإن زعمتم أنها ثبتت للأمر عن طريق التواتر فهذا باطل؛ لأنه لو ثبت ذلك عن هذا الطريق: لعلمناه بالضرورة كما علمتموه، ولكننا لم نعلمه فثبت أنه لم تثبت أنها للأمر عن التواتر.
وإن زعمتم أنها ثبتت للأمر عن طريق الآحاد فهذا باطل؛ لأن الآحاد لا تثبت به قاعدة أصولية كهذه القاعدة وهي: أن " افعل " صيغة للأمر؛ حيث إن الآحاد لا يفيد إلا الظن، والقاعدة الأصولية قطعية، والظني لا يثبت القطعي، إذن: لا أصل لإثبات هذه الصيغة.
جوابه: يجاب عنه بأجوبة: الجواب الأول: أن هذا الدليل يقتضي المطالبة بالدليل على أن "افعل " صيغة للأمر، وهذا باطل؛ لأمرين: الأمر الأول: أن المطالبة بالدليل ليس بدليل.
الأمر الثاني: على فرض أن المطالبة بالدليل دليل فإنا قد أقمنا أدلة على أن هذه الصيغة للأمر، وذلك من إجماع عقلاء العرب وأهل اللسان على ذم العبد إذا خالف هذه الصيغة، والذم على المخالفة دليل على أنها تختص بالأمر، وأن أهل اللغة قد فرَّقوا بين الأمر والنهي والخبر والاستخبار في أن كل واحد منها له صيغة تخصه، وأن " افعل " للأمر - كما سبق - وغير ذلك من الأدلة، ولا يمكن لكم أن تنكروا تلك الأدلة، ومن أنكرها فهو معاند.
الجواب الثاني: قولكم: " إن الظني لا يثبت القواعد الأصولية؛ لأنها قطعية " لا نسلمه، بل هذا فيه تفصيل: فإن كانت القاعدة علمية، فلا تثبت بالظني.
وإن كانت القاعدة عملية أو وسيلة إلى العمل كهذه القاعدة، فإنها تثبت بالظني؛ قياساً على الفروع.
الجواب الثالث: أنا نقلب هذا الدليل عليكم: فأنتم قلتم: إن "افعل " مشتركة بين الأمر وغيره، فمن أين أثبتم ذلك: فإن قلتم: ثبت ذلك عن طريق العقل فهذا باطل؛ لما سبق، وإن قلتم: ثبت ذلك عن طريق النقل، فهذا باطل أيضاً؛ لما سبق، فأي جواب لكم يكون هو جوابنا.
الدليل الثاني: أن هذه الصيغة - وهي: " افعل " - قد ترد والمراد بها الأمر، وقد ترد والمراد بها الإباحة، وقد ترد والمراد بها التعجيز، أو التهديد، وليس حملها على أحد هذه الوجوه بأوْلى من حملها على الآخر، فوجب التوقف فيها حتى تأتي قرينة ترجح أحد الوجوه؛ قياساً على " اللون ".
جوابه: يجاب عنه بجوابين: الجواب الأول: أنه إذا وردت صيغة " افعل "، وهي مجردة عن القرائن فهي للاستدعاء، وهو: الأمر، ولا تحمل على غيره من الإباحة والتهديد والتعجيز وغيرها إلا بقرينة واضحة جلية.
الجواب الثاني: أنكم قستم صيغة " افعل " على اللفظ المشترك مثل " اللون "، وهذا القياس فاسد، لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن لفظ " اللون " لم يوضع لشيء معين، أما صيغة " افعل "، فإن العرب قد وضعوها لشيء معين، وهو: الاستدعاء، فمثلاً: لو أمر السيد عبده بأن يقوم بتلوين ثوبه، فقام العبد فلوَّنه بأيِّ لون شاء فإنه لا يستحق الذم ولا التوبيخ؛ لأن " اللون " لفظ مشترك بين جميع الألوان، لكن لو أمره وقال: " اسقني ماء "، ولم يسقه فإنه يستحق الذم والتوبيخ، لأن " افعل " عند الإطلاق لا تحمل إلا على معنى معين وهو: الاستدعاء.
بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا معنوي، حيث إن أصحاب المذهب الأول يحملون صيغة " افعل " على أنها ظاهرة، وأن لها معنيان وهما: إفادتها للأمر، وعدم إفادتها له، وأنه يرجح إفادتها للاستدعاء والأمر بدون قرينة، ويعملون على ذلك.
أما أصحاب المذهب الثاني فإنهم يحملون لفظ " افعل " على أنه مجمل وأنه لا معنى له راجح: فالمعنيان السابقان لا يرجح أحدهما على الآخر إلا بمرجح خارجي: فلا يجوز عندهم العمل بأن " افعل " للأمر إلا بدليل خارجي يدل على أنه للأمر، وإلا: توقفوا.
الوجيز في أصول الفقه الإسلامي - د. محمد مصطفى الزحيلي - (2/ 22)
صيغة الأمر:
المطلوب تحصيل المأمور به سواء كان الأمر بصيغة الأمر، مثل قوله تعالى: { أَوْفُوا بِالْعُقُودِ } [المائدة: 1]، وقوله تعالى: { وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ } [البقرة: 43]، أو كان بصيغة المضارع المقترن بلام الأمر؛ كقوله سبحانه: { لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ } [الطلاق: 7]، وقوله تعالى: { وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ } [الحج: 29]، أو كان بالجملة الخبرية التي يقصد منها الطلب، كقوله تعالى: { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ } [البقرة: 233]، فالمقصود الأمر بالإرضاع وطلبه من الوالدات، ومثل قوله تعالى: { وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا } [النساء: 141]، فالمقصود أمر المؤمنين بألا يمكنوا الكافرين من التسلط عليهم، أو كان بالمصدر النائب عن فعل الأمر، كقوله تعالى: { فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ } [محمد: 4]، أي: فاضربوا رقابهم. وكل ما وضع للطلب حقيقة مما كان على وزن افعل، فهو أمر، ويشترط في الأمر إرادة النطق بالصيغة، وإلا فلا يعتبر طلبًا.