تحفة المسؤول شرح مختصر منتهى السول للرهوني - (ج: 2) - (ص: 133 : 135).
قال المعتزلة أيضًا: تعلق الأمر بالمعدوم فرع قدم الكلام بأقسامه وأنه محال, لاستلزامه تعدد القديم باعتبار أنواعه, وأنه باطل, إذ كلام الله تعالى واحد, كما أن علمه واحد.
أجاب: بأن التعدد هنا بحسب المتعلقات, وهو تعدد اعتباري لا يوجب تعددًا وجوديًّا, كالإبصار وصف واحد لا يتعدد في الوجود بكثرة المبصرات, إنما يتعدد تعلقه والوصف واحد, فهو في نفسه خبر, إذ الأمر تعريف الغير أنه لو فعل استحق المدح ولو ترك استحق الذم, والنهي بالعكس, فالخبر إن تعلق بالشيء الذي وجب فعله سمي أمرًا, وإن تعلق بما حرم فعله سمي نهيًا, وإن تعلق بما لا طلب فيه سمي خبرًا, فهي أسماء من جهة متعلقاته, كأسماء الرب من جهة أفعاله, فكما أنها لا توجب تعدد في ذاته, كذلك هذه لا توجب تعددًا في كلامه.
قلت: واعلم أن هذا الرأي وإن كان مختار الأشعري, حيث قال: الكلام صفة واحد, وكونه أمرًا أو نهيًا أو خبرًا خصائص لتلك الصفة, وأن حقيقة الكلام عنده أنه خبر عن المعلوم, فعندي فيه نظر؛ لأن اعتبار الكلام لغة وعرفا وعقلا بالنسبة إلى ما وضع له لا إلى ما يفضي إليه مدلوله باعتبار, ولو اعتبر مثل ذلك لجاز أن يقال: الخبر نهي عن الغفلة وأمر يفهم معناه, وحينئذ يرتفع الوقوف عن الوعد والوعيد, لاحتمال معنى آخر غير ما يفهم؛ ولأن الخبر يحتمل الصدق والكذب, ويقترن بأحد الأزمنة, وله متعلق في الخارج دون الأمر والنهي.
وأيضًا: كون كلامه ليس واحدًا منها, ثم يصير واحدًا منها أبعد؛ لأن الأمر مثلًا الذي هو طلب الفعل, كيف يقال: إنه كان معنى آخر ثم انقلب إلى الأمر, وكون المشترك هو ذلك الشيء الذي يصير تارة هذا وتارة هذا يمتنع أن يوجد بدون واحد من أقسامه, فالأولى التزام التعدد, وهو
قول جماعة من الأشاعرة, قالوا: هي خمس صفات: الخبر, والأمر, والنهي والاستخبار, والنداء.
التمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب - (ج: 1) - (ص: 351 : 359).
مسألة: الأمر يتناول المعدومين الذين علم الله سبحانه أنهم سيوجدون على صفة المكلفين
وبه قال الأشعرية وبعض الشافعية، وحكى الجرجاني عن المعتزلة وأكثر أصحاب أبي حنيفة أنه لا يتناول المعدومين، وإنما يختص بالموجودين.
ثم اختلف من قال بالأول فقال بعضهم: الأمر للمعدوم أمر إعلام، وليس بأمر إلزام.
وقال بعضهم: هو أمر إلزام وهو الذي نذهب إليه، ومنهم من قال: يتناول الأمر المعدوم تبعًاوفائدة هذه المسألة: أنه إذا احتج الآن علينا بآية أو خبر لزمنا على الحد الذي كان يلزمنا لو كنا في عصر النبي موجودين، وعندهم لا يلزمنا ذلك إلا بدليل، إما أن نقيس على ما كان في عصر النبي صلى الله عليه وسلم لاشتراكهما في العلة أو غيره.
وجه قولنا: قوله تعالى: { قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا } ولا خلاف في أنه أريد بذلك جميع أمته فقد خاطبهم وهم معدومون.
- دليل آخر: قوله تعالى: { لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ } والمعدوم قد يبلغه إذا وجد، فدل على ما قلنا.
- دليل آخر: قوله تعالى: { فَاتَّبِعُوهُ } فأمر باتباعه، ولا خلاف أنه أمرنا باتباعه، ولم نكن موجودين.
- دليل آخر: قوله تعالى: { لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ } فإن كان مبيناً للموجودين حسب فلم يبين لنا ونحن من الناس.
فإن قيل: في حال العدم لا نسمي ناسًا.
قلنا: إلا أنا إذا وجدنا نسمي ناساً (فوجب أن يكون مبيناً لنا).
- دليل آخر: ذكره شيخنا قوله تعالى: { إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ }، وهذا أمر للأشياء قبل وجودها، (أن تكون) بالتكوين، وفي معنى ذلك ضعف.
- دليل آخر: لا يخلو المنع من: (ذلك) أن يكون من جهة العقل أو من جهة السمع، فإن كان من جهة السمع فيجب أن ينقل إلينا، وإن كان من جهة العقل فيجب أن يتساوى في ذلك جميع العقلاء، ونحن نبين أن العقلاء كانوا يرجعون إلى الأوامر، لأن التابعين ومن بعدهم (إنما) كانوا يأخذون بظاهر أمر الله عز وجل، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير دليل (سوى) هذا، ولأن (من) عادة الناس أن يوصوا إلى من يحدث من أولادهم بالنظر في وقوفهم، وصرفها في وجوه يعينها الواقف، وإن كان في حال الوصاية معدومًا.
فإن قيل: هناك يتصرفون لا بالوصية/46 أولكن لأن الوقف عليهم.
قلنا: لو لم يستحق التصرف بالوصية (لم يكن أولى به) من غيره، ولهذا يقول: إني أوصى إلى أن أعطيك كذا، وأصرف هذا في كذا، ولهذا لو قال: وصيت أن يكون هذا الحمل إذا وضع وبلغ أن يفعل كذا (وكذا دون بقية الورثة وإذا مات هو كان ولده الذي يولد له) يصنع كذا وكذا (فإنه) وولده أحق من الباقين، فدل على أ، هـ بالوصية استفاد ذلك.
- دليل آخر: قد يؤمر الإنسان بالزكاة ولا مال له، بشرط أن يصير له مال، وكذلك يؤمر بالحج ولا قدرة له بشرط أن يقدر.
فإن قيل: هناك هو عاقل مكلف وههنا هو معدوم.
قلنا: إلا أن نأمر المعدومين بشرط الوجود، كما نأمر العاجز بشرط أن يقدر.
- ويدل على من قال: يتناول الأمر المعدوم تبعاً للموجود بأن (نقول): خطاب المعدوم متى استحال في حال انفراده، استحال مع (وجود غيره)، ألا ترى أن الجماد لما لم يصح خطابه منفرداً لم يصح بوجود حي معه.
- ويدل على من قال: هو أمر الإعلام (بأن نقول): إعلام المعدوم لا يصح إلا بشرط الوجود، فإذا وجد توجه الخطاب إليه، وأوامر
الشرع في موضوعها ملزمة لا معلمة من غير إلزام.
- احتجوا بأن الأمر استدعاء الفعل بالقول من الدون، وذلك غير موجود فاستحال أن يكون في حقه (أمر).
الجواب: أن الأمر: الاستدعاء على ما ذكرت، وقد وجد ذلك وليس من شرط الأمر إيقاع الفعل عقيبه، لأنه لو عصى المأمور ولم يفعل لم يخرج الأمر عن كونه أمرًا.
- احتجوا بأنه يستحيل خطاب المعدوم فلم يلحقه التكليف.
الجواب: أنا نحيل خطابه بإيجاد الفعل في حال عدمه، فأما إذا وجد (فكيف يكون مستحيلاً)، لأنه يفعل في حال وجوده ما أمر به متقدماً، فصح أنه غير مستحيل.
- احتجوا بأن المعدوم لا يقع منه فعل ولا ترك، فلم يصح كالعاجز (بالصغر والجنون).
الجواب: أنه لا يصح منه ذلك في حال العدم، فأما بعد الوجود فيصح منه الفعل، وأما العاجز فلا نسلم أنه (لا يصح أن) يؤمر، بل يصح أمره بشرط أن يزول العجز، كما يصح في مسألتنا بشرط أن يزول (العدم)، ولهذا قال أصحابنا: الصبي والمجنون مأموران بشرط البلوغ والعقل.
فإن قيل: هذا مخالف للنص، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: "رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ، وعن الجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ".
قلنا: المراد برفع القلم ههنا رفع المأثم ورفع الإيجاب (المضيق) بدليل أنه قرن معه النائم.
- احتجوا بأنه لو توجه إليه (الأمر) لحسن مدحه وذمه.
الجواب أن: (المدح) يحصل بالامتثال، بإيجاب الفعل، والذم يحصل بالتفريط، والمعدوم لا (يوصف) بذلك.
فأما الأمر وصيغته الاستدعاء وقد وجد وهو أمر صحيح، والمأمور يفعله عند قدرته كالعاجز يتوجه إليه الأمر بشرط القدرة.
وقد قيل: إنه يلحقه المدح والذم، لأن الله تعالى مدح الأنبياء والصالحين وذم إبليس في كلامه، وهو القرآن، وذلك قبل خلق الجميع.
- احتجوا بأن من شرط الأمر وجود المأمور، كما أن من شرط القدرة وجود المقدور، ثم القدرة لا تكون مع عدم المقدور، فكذا الأمر (لا يكون) مع عدم المأمور.
الجواب: أنا لا نسلم هذا، وهو أن القدرة صفة القادر وإن لم يوجد مقدور، والله تعالى فيما لم يزل قادراً آمراً ناهياً.
- احتجوا بأن تعلق الأمر بمأمور كتعلق القدرة بقادر، والفعل بفاعل ثم بعدم القادر والفاعل لا توجد القدرة والفعل، كذا مع عدم المأمور لا يوجد الآمر.
الجواب: أنكم أخطأتم الوزن لأن تعلق الآمر بمأمور كتعلق القدرة بمقدور، والفعل بمفعول، وذلك يوصف الله تعالى به قبل وجود المقدور، وإنما تعلقت قدرة (المحدث) بمقدور لا من حيث هي قدرة، (ولكن لأنه) لا يجوز بقاؤها ولا الفعل بها وهي معدومة ووزان ما ذكره أمر من غير آمر لا يصح، وعلم من يغر عالم لا يصح.
- احتجوا بأن المعدوم ليس بشيء عندكم فأمره هذيان.
الجواب: أنه عندكم شيء ثم عندنا يتعلق (به) بشرط أن يكون في العلم أن يوجد وهذا غير محال كما بينا، (في الوصايا)، ثم قد وجد كلام لا لمخاطب، وليس بهذيان كما قلنا في كلام الله تعالى في الأزل، كالتسبيح والتهليل والقرآن (لا يخاطب) به وهو كلام صحيح وهذا ليس بشيء.
روضة الناظر وجنة المناظر للمقدسي -(ج: 1) - (ص: 213 ، 214).
فصل: الأمر يتعلق بالمعدوم، وأوامر الشرع قد تناولت المعدومين إلى قيام الساعة بشرط وجودهم على صفة من يصح تكليفه، خلافًا للمعتزلة وجماعة من الحنفية قالوا: لا يتعلق الأمر به لأنه يستحيل خطابه فيستحيل تكليفه ولأنه لا يقع منه فعل ولا ترك فلم يصح أمره كالعاجز والمجنون ولأن المعدوم ليس بشيء فأمره هذيان وكما أن من شرط القدرة وجود المقدور يجب أن يكون من شرط الأمر وجود المأمور ولنا اتفاق الصحابة رضي الله عنهم والتابعين على الرجوع إلى الظواهر المتضمنة أوامر الله سبحانه وأوامر نبيه عليه السلام على من لم يوجد في عصرهم لا يمتنع من ذلك أحد ولأنه قد ثبت أن كلام الله تعالى قديم وصفة من صفاته لم يزل آمرًا ناهيًا، وقال الله تعالى: وهذا أمر باتباع النبي صلى الله عليه و سلم ولا خلاف أنا مأمورون باتباعه ولم نكن موجودين.
قولهم: إن خطاب المعدومين محال
قلنا: إنما يستحيل خطابه بإيجاد الفعل حال عدمه أما أمره بشرط الوجود فغير مستحيل بأن يفعل عند وجوده ما أمر به متقدما كما يقول الوالد يوجب على أولاده ويلزمهم التصدق عنه إذا عقلوا وبلغوا فيكون الإلزام حاصلًا بشرط الوجود، ولو قال لعبده: صم غدًا فهو أمر في الحال بصوم الغد، وأما العاجز فإنه يصح أمره بشرط القدرة كمسألتنا بغير فرق.
فإن قيل: هذا مخالف لقوله عليه السلام: (رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي)قلنا: المراد به رفع المأثم والإيجاب المضر بدليل أنه قرن به النائم ولا نسلم أن شرط القدرة وجود المقدور فإن الله سبحانه وتعالى قادر قبل أن يوجد مقدور.
المهذب في علم أصول الفقه المقارن - د. عبد الكريم النملة - (3/ 1415: 1419)
تعلق الأمر بالمعدوم :
اتفق العلماء على أن المعدوم لا يطلب منه إيقاع المأمور به حال عدمه؛ لأن هذا محال، فلا يتعلق به الأمر ما دام معدوما تعلقا تنجيزيا.واتفقوا - أيضا - على أن المعدوم إذا وجد وهو مستكمل لشرائط التكليف، فإنه يطلب منه إيقاع المأمور به، وأنه يتوجه إليه الخطاب، فيتعلق الأمر به.
ولكنهم اختلفوا في تعلق الأمر بالمعدوم الذي علم اللَّه - تعالى - أنه سيوجده مستكملاً لشرائط التكليف على مذهبين:
المذهب الأول: الأمر يتعلَّق بالمعدوم على تقدير وجوده، ووجود شروط التكليف فيه، فالأمر يتناول المعدومين الذين علم اللَّه تعالى أنهم سيوجدون على صفة التكليف.وهذا مذهب أكثر المالكية، وأكثر الشافعية، وأكثر الحنابلة، وكثير من الحنفية، ونسبه بعضهم إلى جمهور العلماء، وهو الحق؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: إجماع الصحابة والتابعين على أن الأمر متعلق بالمعدوم، بيانه: أن جميع الصحابة والتابعين كانوا يأخذون بأوامر اللَّه وأوامر رسوله - صلى الله عليه وسلم - ويطبقونها على من لم يوجد في زمان نزول تلك الأوامر، ولم يحدث أن واحداً امتنع من ذلك التطبيق؛ إذ لو حدث لنقل، ووصلنا، ولكن لم يكن شيء من ذلك، فصار إجماعا منهم على أن الأوامر الشرعية تتناول من كان معدوما حال الخطاب بالأمر.الدليل الثاني: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) .
وجه الدلالة: أنه لا خلاف أنه أريد بذلك جميع أُمَّته، فقد خاطبهم وهم معدومين.
الدليل الثالث: قوله تعالى: (لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ) .
وجه الدلالة: أن المعدوم قد بلغه الأمر إذا وجد، فدل على أن الأمر يتعلق بالمعدوم.
الدليل الرابع: قوله تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) .
وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى قد أمرنا باتباع النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا خلاف في أنا مأمورون باتباعه، ولم نكن حين نزول الآية موجودين، ومع ذلك فقد توجه الأمر إلينا بالتكليف، ومن لم يتبع الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقد كفر؛ لأن مخالفة الرسول - صلى الله عليه وسلم - هي مخالفة لله، ومخالفة اللَّه كفر.
تنبيه: اختلف أصحاب هذا المذهب - وهم القائلون: إن الأمر متعلق بالمعدوم - فيما بينهم - هل الأمر أمر إعلام، أو إلزام على أقوال ثلاثة:
القول الأول: الأمر المتعلق بالمعدوم أمر إعلام، وليس أمر إلزام.
القول الثاني: إن المعدوم ليس مأموراً مباشرة، وإنما يتناوله تبعا.
القول الثالث: إن الأمر المتعلق بالمعدوم أمر إلزام، وهو الحق عندي؛ لأن أوامر الشرع في موضوعها ملزمة لا معلمة من غير إلزام، وليست مجرد تابعة.المذهب الثاني: أن الأمر لا يتعلق بالمعدومين، ولا يتناولهم، وإنما يختص بالموجودين فقط.
وهو مذهب بعض الحنفية كالجصاص، وأكثر المعتزلة.أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن المعدوم لا يُعتبر شيئاً، فأمره هذيان وعبث لا فائدة فيه.
جوابه: إن المعدوم يتعلق به الأمر بشرط: أن يكون في العلم أنه يوجد، وهذا غير محال.
وأيضا فإن من عادة الناس أن يوصلوا إلى من يحدث من أولادهم بالنظر إلى وقوفهم، وصرفها في وجوه يعينها الواقف، وإن كان هؤلاء الأولاد في حال الوصاية معدومين، فهذا لا يمكن أن يكون هذيانا وعبثا.فالأمر تعلق بمأمور وجد في الثاني كما تعلقت الوصية بمن يحدث في الثاني.
الدليل الثاني: قياس الأمر مع المأمور على القدرة مع المقدور، بيانه: أنه إذا كانت القدرة لا يمكن أن تكون مع عدم المقدور، فكذلك الأمر لا يمكن أن يكون مع عدم المأمور.
جوابه: إن هذا القياس فاسد؛ لأنا لا نُسَلِّمُ الأصل المقاس عليه؛ حيث إن اللَّه سبحانه يوصف بأنه قادر قبل وجود المقدور، واذا بطل الأصل فإنه يبطل الفرع المقاس عليه، فيبطل دليلكم.
الدليل الثالث: أن المعدوم يستحيل خطابه، وهو: توجيه الكلام إليه بحيث يفهم ذلك الكلام ويسمعه، فإذا استحالت مخاطبته: استحال أن يكلف بامتثال الأمر وفعله.
جوابه: إنا لما قلنا: إن الأمر يتعلق بالمعدوم: لم نقل ذلك مطلقا، بل بشرطين هما: " أن يوجد "، و " أن يكون قد استكمل شروط التكليف " فخطابه بإيجاد الفعل حال عدمه مستحيل، أما توجيه ْالأمر إليه بشرط الوجود فلا يكون مستحيلاً؛ لأنه يفعل في حال وجوده ما أمر به سابقا، وعلى هذا يصح أن يكون مأموراً.
يدل على ذلك: أن الولد يصير مكلفا بوصية والده الذي لم يراه، وملزما بها حتى إنه يوصف بالطاعة بالامتثال، ويوصف بالعصيان بالمخالفة.
الدليل الرابع: قياساً المعدوم على الصبي والمجنون، بيانه: أنه اتفق على عدم تعلق الأمر بالصبي والمجنون مع وجودهما، فمن باب أوْلى: أن لا يتعلق الأمر بالمعدوم، والجامع: عدم فهم الخطاب، وعدم معرفة الأمر والمأمور به، وأنه لا يقع منهم فعل صحيح.
جوابه: أنا قلنا: إنه يصح أن يؤمر المعدوم بشرط أن يزول العدم، مثل: الصبي والمجنون، فإنهما مأموران بشرط البلوغ والعقل.
اعتراض على هذا الجواب: قال قائل - معترضاً -: هذا الجواب مخالف للنص وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق.
"، فكيف تزعم أن الصبي والمجنون مأموران مع أنهما قد رفع القلم عنهما بالنص؟! جوابه: إنه ليس المراد برفع القلم - في هذا الحديث - هو أنه لا يتوجه إلى الصبي والمجنون أي أمر، بل المراد برفع القلم - هنا - هو: رفع المأثم، ورفع الإيجاب المضيق.
أي: أن الصبي والمجنون - في حال الصبا والجنون - لا يأثمان إذا تركا ذلك الأمر، وأن هذا الأمر المتوجه إليهما لا يراد منه التضييق عليهما بالتنفيذ فوراً، وإنما يوجه الأمر الآن، وامتثاله يكون بعد البلوغ والإفاقة.
يدل على ذلك: أنه قرن معهما النائم، فالنائم يتوجه إليه الأمر حال نومه، ولكن الامتثال يكون بعد استيقاظه، فكذلك الصبي والجنون مثله.
بيان نوع الخلاف: قد يبدو أن الخلاف لفظي لاتفاق أصحاب المذهبين على أن المعدوم مكلَّف إذا وجد وهو مستكمل لشروط التكليف.