التقرير والتحبير لابن أمير الحاج - (ج: 2) - (ص: 391).
"وموجبها" أي صيغة النهي ولو اسمها "الفور والتكرار أي الاستمرار خلافا لشذوذ" ذهبوا إلى أنه مطلق الكف من غير دلالة على الدوام والمرة، ونص في المحصول على أنه المختار، وفي الحاصل أنه الحق لأنه قد يستعمل لكل منهما، والمجاز والاشتراك اللفظي خلاف الأصل فيكون للقدر المشترك وأجيبوا بأن العلماء لم يزالوا يستدلون بالنهي على الترك مع اختلاف الأوقات من غير تخصيص بوقت دون وقت ولولا أنه للدوام لما صح ذلك ومن هنا - والله أعلم - حكى ابن برهان الإجماع على ذلك، ثم لا يخفى أنه إذا كان المراد بالتكرار دوام ترك المنهي عنه كان مغنيًا عن الفور لاستلزامه إياه.
البحر المحيط في أصول الفقه للزركشي - (ج: 2) - (ص: 159).
مسألة:
النهي يقتضي الكف على الفور على المشهور، قالوا: ولا يتصور مجيء خلاف الأمر هنا. قال الشيخ أبو حامد: إنه يقتضي الفور بلا خلاف على المذهب، وحكى ابن عقيل الحنبلي عن القاضي أبي بكر أنه يقتضيه، وقال ابن فورك: يجيء الخلاف إن قلنا: الأمر يقتضي التكرار بظاهره، وإن قلنا: لا يتكرر بظاهره إلا بدليل فالقول فيه كالقول في الأمر وقال الإمام الرازي: إن قلنا: النهي يقتضي التكرار فهو يقتضي الفور وإلا فلا، ونازعه النقشواني والأصفهاني، وقالا: بناء الفور على وجوب التكرار ظاهر، وأما بناء عدم وجوب الفور على عدم اقتضاء التكرار فمشكل، لجواز أن لا يقتضي التكرار ويقتضي الفور.
شرح الكوكب المنير لتقي الدين الفتوحي -(ج: 3) - (ص: 97).
نقل العلماء عن أبي بكر الباقلاني أن النهي لا يقتضي الفور والتكرار كالأمر، وتابعه على ذلك الفخر الرازي فقال: "إن قلنا: إن النهي يفيد التكرار فهو يفيد الفور لا محالة، وإلا فلا" أي إن ذلك لم يفيد التكرار فلا يفيد الفور، وقد اختار الفخر الرازي أن الأمر لا يفيد التكرار، وبالتالي فإن الأمر لا يفيد الفور عنده، ثم صرح باختياره فقال: "المشهور أن النهي يفيد التكرار، ومنهم من أباه، وهو المختار". وقال العضد: "يقتضي دوام ترك المنهي عند المحققين ظاهرا... وقد خالف في ذلك شذوذ"
المهذب في علم أصول الفقه المقارن - د. عبد الكريم النملة - (3/ 1440، 1441)
هل النهي يقتضي الانتهاء على الفور والتكرار؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أن النهي يقتضي الانتهاء عن المنهي عنه على الفور ويقتضي التكرار، وهو مذهب أكثر العلماء، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة: الدليل الأول: أن النهي يقتضي عدم الإتيان بالفعل، وعدم الإتيان لا يتحقق إلا بترك الفعل في جميع أفراده في كل الأزمنة، وبذلك يكون ترك الفعل مستغرقا جميع الأزمنة، ومن جملتها الزمن الذي يلي النهي مباشرة، فيكون النهي مفيداً للتكرار كما هو مفيد للفور.الدليل الثاني: أن الناهي لا ينهى إلا عن قبيح، والقبيح يجب اجتنابه.
على الفور، وفي كل وقت.الدليل الثالث: أن السيد لو قال لعبده: " لا تدخل الدار "، فإن ذلك يقتضي: أن لا يدخل الدار على الفور وعلى التكرار والمداومة، وإن دخلها في أي وقت من الأوقات فإفه يستحق الذم والعقوبة، ولو لم يكن مقتضيا لذلك لما استحق مخالفه الذم والعقوبة.
المذهب الثاني: أن النهي لا يقتضي الفور، ولا يقتضي التكرار.
وهو مذهب بعض العلماء.دليل هذا المذهب: قياس النهي على الأمر، فكما أن الأمر لا يقتضي الفور ولا التكرار، فكذلك النهي لا يقتضي الفور ولا التكرار، والجامع: أن كلاً منهما استدعاء وطلب.
جوابه: يجاب عنه بجوابين: الجواب الأول: لا نُسَلِّمُ الحكم في الأصل المقاس عليه؛ لأن الأمر يقتضي الفور، وهذا ثبت بأدلة قد سبق بيانها.
الجواب الثاني: سلمنا أن الأمر لا يقتضي الفور ولا التكرار، لكن قياس النهي عليه لا يصح؛ لأنه قياس فاسد؛ حيث إنه قياس مع الفارق، ووجه الفرق: أن النهي يقتضي عدم الإتيان بالفعل، وعدم الإتيان لا يتحقق إلا بترك الفعل في جميع أفراده في كل الأزمنة، ومن جملتها الزمن التالي لصدور صيغة النهي.
أما الأمر فهو طلب الفعل، والفعل يتحقق ولو في مرة واحدة، فليس في الأمر ما يقتضي التكرار، فصح أن يقال: إنه لا يفيد التكرار، وحيث كان لا يفيد التكرار فهو لا يفيد الفور.
بيان نوع الخلاف: الخلاف - هنا - لفظي؛ لأن أصحاب المذهبين قد اتفقوا على المعنى، وإن اخلفوا في اللفظ والاصطلاح؛ إذ لا يمكن لأحد أن يقول: إن النهي يقتضي الانتهاء عن المنهي عنه بعد صدور صيغة الأمر بفترة ولا يمكن لأحد أن يقول: يجب الانتهاء عن المنهي عنه مرة واحدة، ثم يعود لفعله، هذا لا يقوله أحد.
الوجيز في أصول الفقه الإسلامي - د. محمد مصطفى الزحيلي - (2/ 32، 33)
دلالة النهي على الفور والتكرار:
يرى جماهير العلماء أن النهي يقتضي بحقيقته الفور بأن يمتنع المنهي عن المنهي عنه بمجرد صدور النهي، كما يقتضي النهي بحقيقة الدوام، أي الاستمرار على ترك المنهي عنه؛ لأن فاعل المنهي عنه في أي وقت من الأوقات بعد ورود النهي فاعل لما طلب منه الكف عنه، ولا يعتبر ممتثلًا، ويعد مخالفًا لغة وعرفًا، ويستدل بذلك العلماء بلا نكير، وحكاه بعضهم إجماعًا، فإذا نهى الشارع عن شيء وجبت المبادرة فورًا إلى تركه، وإلى الامتناع عن فعله في جميع الأوقات، حتى يتحقق الامتثال للنهي، ولتجنب المفسدة والضرر الذي كان باعثًا على طلب الكف عنه.وهذا خلاف الأمر؛ لأن الأمر له حد ينتهي إليه، فيقع الامتثال فيه بالمرة، وأما الانتهاء عن المنهي عنه فلا يتحقق إلا باستيعابه في العمر، وعند الاستمرار به يتحقق الكف.
ويستثنى من ذلك إذا وردت قرينة تصرف النهي عن الفورية أو الدوام، كالنهي عن شيء في وقت معين، أو إذا كان النهي مقيدًا بصفة أو شرط، فتكون دلالة النهي بحسب القيد، كالنهي عن صوم يوم النحر، فلا يشمل غيره، ولا يقتضي الفورية، ونهي الحائض عن الصلاة لأجل الحيض، وغير ذلك من القرائن التي أشرنا إليها، فإنها تصرف دلالة النهي إلى المعنى المراد منها مجازًا.