روضة الناظر وجنة المناظر للمقدسي -(ج: 1) - (ص: 222 ، 223).
القسم الخامس: النكرة في سياق النفي
كقوله تعالى: { وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ} { وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ}.
قال البستي: الكامل في العموم هو الجمع لوجود صورته ومعناه، وما عداه قاصر في العموم؛ لأنه بصيغته إنما يتناول واحدًا لكنه ينتظم جمعًا من المسميات معنى، فالعموم قائم بمعناها لا بصيغتها.
شرح الكوكب المنير لتقي الدين الفتوحي -(ج: 3) - (ص: 136: 138).
"و"من صيغه أيضًا "نكرة في نفي ، و" كذا في "نهي" لأنه في معنى النفي. صرح به أهل العربية، ولا فرق في ذلك بين أن يباشر العامل النكرة،
نحو: ما أحد قائمًا، أو يباشر العامل فيها. نحو: ما قام أحد. أو كانت النكرة في سياق النفي ولم يباشرها، نحو ليس في الدار رجل.
وخالف بعضهم في أنها في سياق النفي ليست للعموم. وهو مخصوم بقوله تعالى: { قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى} ردًّا على من قال: { مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ} لأنه لو لم يكن عامًّا لما حصل به الرد.
ومن أمثلة النكرة في سياق النهي نحو: قوله تعالى: وقوله تعالى: { وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا} { وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} { وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} .
إذا علمت ذلك: فإن عموم النكرة في سياق النفي والنهي يكون "وضعًا" بمعنى أن اللفظ وضع لسلب كل فرد من الأفراد بالمطابقة.
وقيل: إن عمومها لزومًا، بمعنى أن نفي فرد منهم يقتضي نفي جميع الأفراد ضرورة.
والأول: اختيار القرافي من وافقه.
والثاني: اختيار السبكي ومن وافقه.
ويؤيد الأول: صحة الاستثناء في هذه الصيغة بالاتفاق، فدل على تناولها لكل فرد.
ثم اعلم أن دلالة النكرة في سياق النفي على العموم قسمان:
قسم يكون "نصًّا" وصورته: ما إذا بنيت فيه النكرة على الفتح لتركبها مع لا. نحو: لا إله إلا الله.
"و" قسم يكون "ظاهرا" وصورته: ما إذا لم تبن النكرة مع لا. نحو: لا في الدار رجل بالرفع؛ لأنه يصح أن يقال: بعده، بل رجلان. فدل على أنها ليست نصًّا. فإن زيد فيها "من" كانت نصا أيضًا.
المهذب في علم أصول الفقه المقارن - د. عبد الكريم النملة - (4/ 1499، 1502)
الصيغة السابعة: النكرة في سياق النفي هل تفيد العموم؟
مثاله: " لا أحد في الدار "، أو " ما قام أحد " ونحو ذلك.اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن النكرة في سياق النفي تفيد العموم.وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق، لما يلي من الأدلة: الدليل الأول: صحة الاستثناء من هذه النكرة، فيجوز أن تقول: " لا رجل في الدار إلا زيداً "، و " ما قام أحد إلا زيداً "، والاستثناء دليل على أن المستثنى منه عام.
الدليل الثاني: أنه لو لم تكن النكرة في سياق النفي تعم لما كان قول الموحد: " لا إله إلا اللَّه " نفيا لجميع الآلهة سوى اللَّه تعالى.
الدليل الثالث: أن " لا " في قولهم: " لا رجل في الدار " مسماة بـ " لا الجنس "، وإنما ينتفي الجنس بانتفاء كل فرد من أفراده، وذلك يدل على أنه يفيد الاستغراق.
المذهب الثاني: أن النكرة في سياق النفي لا تفيد العموم إلا بشرط أن تكون النكرة مسبوقة بـ " من " الجارة، سواء كانت ظاهرة كقوله تعالى: (وما من إله إلا الله) ، أو مقدرة كقوله: (لا إله إلا الله) ، والتقدير: ما من إله يعبد بحق إلا اللَّه.
وهو مذهب بعض النحاة كأبي البقاء العكبري، وبعض اللغويين.
دليل هذا المذهب: أن النكرة في سياق النفي إذا خلت من حرف " من " تكون غير صريحة في إفادتها للعموم؛ حيث يجوز الزيادة عليها فتقول مثلاً: " ما عندي رجل بل رجلان "، وهذا لا يؤدي إلى التناقض؛ حيث إنه قصد: أن ما عنده رجل واحد، بل عنده رجلان، لذلك لا تعم.
أما إذا قال: " ما عندي من رجل "، فإنه يعم؛ لامتناع إثبات الزيادة عليه، فلا يمكنه أن يقول: " ما عندي من رجل بل رجلان " صمان قاله: وقع تناقض، ولا فرق بين الصورتين إلا إثبات " منْ " وعدمها، فدل على أن " من " هي المؤثرة في العموم.
جوابه: يجاب عن هذا بجواب إجمالي، وتفصيلي: أما الجواب الإجمالي فهو أن يقال: إن هذا مخالف لإجماع العلماء في الفقه والعقيدة.
أما مخالفته لما أجمع عليه العلماء في الفقه، فهو أن العلماء قد أجمعوا على أن الشخص لو حلف وقال: " والله لا آكل رغيفا " فإنه يحنث إذا أكل رغيفين، وتجب عليه كفارة يمين، فلو كان قولكم صحيحا: لما حنث؛ حيث إنه يؤول - على زعمكم - بأنه حلف أن لا ياكل رغيفا واحداً، ولم يحلف على أنه لا ياكل رغيفين.
أما مخالضه لما أجمعت عليه الأُمَّة في العقيدة فبيانه أن يقال: لو كان يجوز أن يقال: " ما عندي رجل بل رجلان " لجاز أن يقال في قوله تعالى: (ولم تكن له صاحبة) بل صاحبتان.
ولجاز أن يقال في قوله تعالى: (وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) ، بل يظلم اثنين، لأنه ورد فيها كلها نكرة، ولم يتوفر فيها شرطكم، وهو: كونها مسبوقة بـ مِن، لذلك ما تقتضي العموم على زعمكم، وهذا ظاهر البطلان، بل يؤدي إلى الكفر.
أما الجواب التفصيلي فهو أن يقال: إن النكرة إذا أطلقت - أي: لم تقيد بأي قرينة - فإنها تكون مستعملة فيما وضعت له حقيقة، وهو العموم مثل قولنا: "ما عندي رجل "، و " لا رجل في الدار".
أما إذا لم تطلق بل قيدت بقرينة، فإنها تكون لما اقتضته هذه القرينة، فتكون لغير ما وضعت له، وهو المجاز، أي: الخصوص مثل قوله: " ما عندي رجل بل رجلان "، فقوله: " بل رجلان " قرينة لفظية صرفت اللفظ، وهي: النكرة في سياق النفي من كونها مفيدة للعموم إلى أنها للخصوص، فإذا زالت هذه القرينة، فإن الصيغة وهي: النكرة في سياق النفي تعود لما وضعت له أصلاً، وهو: العموم، قياساً على أسماء الحقائق، فلو قال مثلاً: " رأيت أسداً "، فإن السامع يحمل لفظ " الأسد " على ما وضع له حقيقة وهو: الحيوان المفترس، فإذا قال المتكلم: " رأيت أسداً يخطب " فإن السامع يحمل لفظ " الأسد " على غير ما وضع له، وهو: الرجل الشجاع بسبب تلك القرينة، وهي لفظ " يخطب "، فلو زالت القرينة، فإن السامع يحمل لفظ " الألممد " على الحقيقة، وهو الحيوان المفترس.
كذلك هنا: فإن لفظ " بل رجلان " إذا وجد لم تفد النكرة في سياق النفي العموم، وصارت للخصوص، وإذا عدم هذا اللفظ أفادت النكرة في سياق النفي العموم.
اعتراض على هذا الجواب: قال قائل - معترضاً -: إن كلامكم يدل على أن " من " الجارة لا تأثير لها في العموم، ووجودها في بعض الآيات، كقوله تعالى: (مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) لا فائدة منه، مما يؤدي إلى أن نقول: إن هناك حروفاً في القرآن قد وردت عبثا.
جوابه: نحن لا نقول: إن لفظ: " من " لا فائدة لها، بل لها فائدة وهي: أنها مؤكدة للعموم، أي: أن النكرة في سياق النفي المسبوقة بـ " من " اَكد من النكرة في سياق النفي التي لم تسبق بـ " من "، وفائدة التوكيد في الكلام: رفع اللبس، وإزالة الاتساع في الفهم.
بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا معنوي، حيث أثر في بعض الفروع الفقهية، ومنها: ما سبق من أنه إذا قال: " والله لا آكل رغيفاً "، فإنه بناء على المذهب الأول يحنث إذا أكل رغيفاً فأكثر، وبناء على المذهب الثاني فإنه لا يحنث إذا اكل رغيفين.
الوجيز في أصول الفقه الإسلامي - د. محمد مصطفى الزحيلي - (2/ 50)
النكرة في سياق النفي أو النهي، أو الشرط:
مثال الأول قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا ضررَ ولا ضرار".
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا وصية لوارث"، ومثال الثاني قوله تعالى: { لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ} [الحجرات: 11]، ومثال الثالث قوله تعالى: { إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6]، فكلمة: ضرر، وصية، قوم، فاسق، تفيد العموم.