تحفة المسؤول شرح مختصر منتهى السول للرهوني - (ج: 3) - (ص: 318 : 222).
قال: (التخصيص بالشرط.
الغزالي: الشرط مما لا يوجد المشروط دونه ولا يلزم أن يوجد عنده.
وأورد: أنه دور, وعلى طرده: جزء السبب.
وقيل: ما يقف تأثير المؤثر عليه.
وأورد على عكسه: الحياة في العلم القديم.
والأولى: ما يستلزم نفيه نفي أمر على غير جهة السببية.
وهو عقلي كالحياة للعلم, وشرعي كالطهارة للصلاة, ولغوي: «أنت طالق إن دخلت الدار».
وإنما استعمل في الشرط الذي لم يبق للمسبب سواه, فلذلك يخرج به ما لولاه لدخل لغة, مثل: «أكرم بني تميم إن دخلوا» , فيقصره الشرط على الداخلين, وقد يتحد الشرط ويتعدد على الجمع وعلى البدل, فهذه ثلاثة كل منها مع الجزاء كذلك, فتكون تسعة, والشرط كالاستثناء في الاتصال وفي تعقبه الجمل.
وعن أبي حنيفة: الجميع, ففرق.
وقولهم في مثل: «أكرمك إن دخلت» ما تقدم خبر, والجزاء محدود مراعاة لتقدمه, كالاستفهام والقسم.
فإن عنوا ليس بجزاء في اللفظ, فمسلم.
وإن عنوا: إلا في المعنى فعناد.
والحق: أنه لما كان جملة, روعيت الشائبتان).أقول: لما فرغ من الاستثناء, شرع في المخصص الثاني من المخصصات المتصلة, وهو الشرط.
وعرّفه الغزالي: بأنه ما لا يوجد المشروط دونه ولا يلزم أن يوجد عنده.
وأورد عليه: أنه دور, لأنه أخذ في تعريف الشرط المشروط, وهو مشتق منه, فيتوقف تعلقه على تعلقه.
وثانيًا: أنه غير مطرد؛ لأنه جزء السبب كذلك.
وقد يجاب عن الثاني: بأن جزء السبب قد يوجد المسبب دونه إذا وجد سبب آخر, ولا يندفع الدور بأن يقال: المأخوذ في التعريف هو اللغوي والمعرّف الاصطلاحي؛ لأن المعرف أعم من الشرعي والعقلي واللغوي, ولذلك قسمه إليها.
وعرّفه قوم: بأنه ما يقف تأثير المؤثر عليه, ويفهم منه أنه لا يتوقف ذات المؤثر عليه, فيخرج جزء السبب.
واعترض: بأنه غير منعكس, لأن الحياة شرط / في العلم القديم ولا يتصور تأثير ومؤثرًا, إذ المحوج إلى المؤثر هو الحدوث.
ومنه يعلم فساد قول من قال: القدرة مؤثرة ويتوقف تأثيرها على الحياة.
لأنا نقول: ذاته تعالى كافية في تأثير قدرته, وإن كانت ذاته لا تنفك عن الحياة.
ولما بطل التعريفان عرّفه المصنف: بأنه ما يستلزم نفيه نفي أمر على غير جهة السببية, فيخرج السبب وجزاؤه, وفيه تعريف بالمساوي [في الخفاء] لأن الفرق بين السبب والشرط متوقف على فهم المعنى المميز بينهما.
قلت: ولا ينعكس؛ لأن اللازم من نفيه نفي الملزوم على غير جهة السببية؛ لأن السبب: وصف ظاهر منضبط دلّ الدليل السمعي على كونه معرفًا للحكم الشرعي.ثم اعلم أن الشرط ينقسم إلى: عقلي, وشرعي, ولغوي.
فالعقلي: كالحياة للعلم, فإن العقل هو الذي يحكم بأن العلم لا يوجد إلا بحياة.
وأما الشرعي: فكالطهارة للصلاة, فإن الشرع هو الحاكم بذلك.
وأما اللغوي: فمثل: «إن دخلت الدار فأنت طالق» , فإن أهل اللغة وضعوا هذا التركيب ليدل على أن ما دخلت عليه «إن» هو الشرط, والآخر المعلق به هو الجزاء, ثم الشرط اللغوي استعملوه في السببية غالبًا, يقال: «إن دخلت الدار فأنت طالق» والمراد أن الدخول سبب للطلاق, فيلزم من وجوده وجوده, لا مجرد كون عدمه مستلزمًا لعدمه من غير سببية.
ويستعمل في شرط شبيه بالسبب من حيث إنه يستتبع الوجود, وهو الشرط الذي لم يبق للمسبب أمر يتوقف عليه سواه, فإذا وجد ذلك الشرط فقد وجدت الأسباب والشروط كلها, فيوجد المشروط.
فإذا قيل: «إن طلعت الشمس ضاء البيت» , فهم منه أنه لا تتوقف إضاءته إلا على طلوعها, ولأنه يستعمل فيما لم يبق للمسبب سواه, يخرج ما لولاه لدخل لغة, فإذا قيل: «أكرم بني تميم إن دخلوا» , فلولا الشرط عمّ وجوب الإكرام جميعهم المقتضي, فإذا ذكر الشرط علم أنه بقي شرط لولاه لكان المقتضي [تمامًا] واستتبع مقتضاه, فيقتضي الوجود لوجود الشرط والعدم لولاه, فيقصر الإكرام على الداخلين ويخرج غير الداخلين, ولولاه ما خرجوا.واعلم أن الشرط إما أن يتحد أو يتعدد, وإذا تعدد فإما أن يكون كل واحد شرطًا على الجمع حتى يتوقف المشروط على حصولهما جميعًا, أو على البدل حتى يحصل بحصول أيهما كان, فهذه ثلاثة.
والجزاء أيضًا كذلك؛ لأنه إما أن يتحد أو يتعدد, وإذا تعدد فإما على الجمع حتى يلزم حصول هذا وذاك معًا, وإما على البدل حتى يلزم حصول أحدهما مبهمًا, فهذه أيضًا ثلاثة, فإذا اعتبر التركيب صارت ثلاثة من الشرط وثلاثة من الجزاء بتسع صور, فلو قال: «إن دخلتما الدار فأنتما طالقتان» فدخلت إحداهما, فقيل: تطلقان معًا, وقيل: الداخلة فقط, وقيل: لا تطلق واحدة منهما نظرًا إلى أنه علق على الجمع, أو على البدل.
ثم اعلم أن حكم الشرط حكم الاستثناء في الاتصال, إلا لتنفس سعال, وأنه إذا تعقب جملًا أهو للجميع أم إلى الأخيرة فقط؟.
وعن أبي حنيفة: أنه للجميع, ففرق بين الشرط والاستثناء, حيث جعل الشرط للجميع, والاستثناء إلى الأخيرة, فإن نظر إلى أنه مقدم تقديرًا فهو مقدم على ما يرجع إليه فقط.
ولما كان الشرط له صدر الجملتين؛ لأن الشرط قسم من الكلام, فحقه أن يصدر به ليعلم نوعه, كما فعلوا في الاستفهام, والقسم, والنهي, والنفي.
قيل في نحو: «أكرمك إن دخلت الدار» ما تقدم جملة خبرية والجزاء محذوف تقديره: «أكرمك إن دخلت الدار أكرمك» , لدلالة الخبر - وهو أكرمك الأول - عليه, وإنما صير إليه مراعاة [لتعدية] الواجب كما وجب في الاستفهام والقسم, وقولهم هذا إن عنوا به أنه ليس بجزاء في اللفظ فمسلّم, وإلا لانجزم, وإن عنوا ليس بجزاء في المعنى فعناد, إذ يعلم قطعًا أنه لا يدل إلا على إكرامٍ مقيد بقيد دخول الدار, ولذلك لو لم يدخل ولم يكرم, لم يعدّ كاذبًا, والتعليق ثانيًا لا ينافي الإطلاق أولًا, نعم يدل على التقييد ثانيًا وأن المراد بالمطلق هو المقيد, وهو المراد بقولنا: جزءًا في المعنى.
والحق: أنه لما كان المتقدم جملة مستقلة, عومل معاملة المستقل لفظًا فلم يجزم, وأريد به الجزاء معنى, فقدر الجزاء دالًا على أنه مراد تعليقه بالشرط, وإن استقلت لفظًا فروعيت فيه الشائبتان, ولذلك قال بكل منهما قائل, وجاز الإطلاق بالاعتبارين.
المحصول في علم أصول الفقه للرازي - (ج: 3) - (ص: 58 : 64).
الباب الثاني: في التخصيص بالشرط
وفيه مسائل:
المسألة الأولى: الشرط هو الذي يقف عليه المؤثر في تأثيره لا في ذاته ولا ترد عليه العلة لأنها نفس المؤثر والشيء لا يقف على نفسه ولا جزء العلة ولا شرط ذاتها لأن العلة تقف عليه في ذاتها ثم الشرط قد يكون عقليا وهو معلوم وقد يكون شرعيا فهذا هو الشرط الشرعي وهو كالإحصان فإنه شرط اقتضاء الزنا لوجوب الرجم.
المسألة الثانية: صيغة الشرط إن وإذا وهما بعد الاشتراك في كون كل واحد منهما صيغة الشرط يفترقان في أن إن تدخل على المحتمل لا على المتحقق وإذا تدخل عليهما تقول أنت طالق إذا احمر البسر وإن دخلت الدار فالأول محقق والثاني محتمل ولا تقول أنت طالق إن احمر
البسر إلا إذا لم يتيقن ذلك.المسألة الثالثة: في ان المشروط متى يحصل وذلك يستدعي مقدمة وهي أن الشرط على أقسام ثلاثة:
أحدها: الذي يستحيل أن يدخل في الوجود إلا دفعة واحدة بتمامه سواء كان ذلك لأنه في نفسه واحد لا تركيب فيه أو إن كان مركبا لكن يستحيل أن يدخل شيء من اجزائه في الوجود الا مع الاخر.
ثانيًا: ما يستحيل أن يدخل بجميع أجزائه في الوجود كالكلام والحركة فإن المتكلم بلفظة يكون حينما وجد الحرف الأول منها لا يكون الثاني حاصلا وحين حصل الثاني صار الأول فانيًا.
وثالثها: ما يصح أن يدخل في الوجود تارة بمجموعه وتارة بتعاقب أجزائه.
ثم نقول على هذه التقديرات الثلاثة فالشرط إما عدمها وإما وجودها
فإن كان الشرط عدمها حصل الحكم في الأقسام الثلاثة في أول زمان
عدمها وإن كان الشرط وجودها فنقول أما في القسم الأول فالحكم يحصل مقارنا لأول زمان وجود الشرط وأما في القسم الثاني فإنه يحصل عند حصول آخر جزء من أجزاء الشرط في الوجود لأنه ليس لذلك المجموع وجود في التحقيق بل أهل العرف يحكمون عليه بالوجود وإنما يحكمون عليه بذلك عند دخول آخر جزء من أجزائه في الوجود والحكم كان معلقا على وجوده فوجب أن يحصل الحكم في ذلك الوقت وأما في القسم الثالث فنقول وجوده حقيقة إنما يتحقق عند دخول جميع أجزائه في الوجود دفعة واحدة لكنا في القسم الثاني عدلنا عن هذه الحقيقة للضرورة وهي مفقودة في هذا القسم فوجب اعتبار الحقيقة حتى إنه إن حصل مجمو أجزائها دفعة واحدة ترتب الجزاء عليه وإلا فلا.
هذا مقتضى البحث الأصولي اللهم إلا إذا قام دليل شرعي على العدول
عنه.المسألة الرابعة: الشرطان إذا دخلا على جزاء فإن كانا شرطين على
الجمع لم يحصل المشروط إلا عند حصولهما معا وهو كقوله إن دخلت الدار وكلمت زيدا فأنت طالق ولو رتب عليهما جزاءين كان كل واحد من الشرطين معتبرا في كل واحد من الجزاءين لا على التوزيع بل على سبيل الجمع وإن كانا على سبيل البدل كان كل واحد منهما وحده كافيا في الحكم كقولك إن دخلت الدار أوكلمت زيدا.المسألة الخامسة: الشرط الواحد إذا دخل على مشروطين فإما أن يدخل عليهما على سبيل الجمع أو على سبيل البدل فالأول كقولك إن زنيت جلدتك ونفيتك ومقتضاه حصولهما معا والثاني كقولك إن زنيت جلدتك أو نفيتك ومقتضاه أحدهما مع أن التعيين فيه إلى القائل والله أعلم.
المسألة السادسة: اختلفوا في أن الشرط الداخل على الجمل هل يرجع حكمه إليها بالكلية فاتفق الإمامان الشافعي وأبو حنيفة رحمة الله عليهما على رجوعه إلى الكل، وذهب بعض الأدباء إلى أنه يختص بالجملة التي تليه حتى إنه إن كان متأخرا اختص بالجملة الأخيرة وإن كان متقدما اختص بالجملة الأولى والمختار التوقف كما في مسألة الاستثناء.المسألة السابعة: اتفقوا على وجوب اتصال الشرط بالكلام ودليله ما مر في الاستثناء واتفقوا على أنه يحسن التقييد بشرط أن يكون الخارج أكثر من الباقي وإن اختلفوا فيه في الاستثناء.
المسألة الثامنة: لا نزاع في جواز تقديم الشرط وتأخيره إنما النزاع
في الأولى ويشبه أن يكون الأولى هو التقديم خلافا للقراء.لنا: أن الشرط متقدم في الرتبة على الجزاء لأنه شرط تأثير المؤثر فيه وما يستحق التقديم طبعا يستحق التقديم وضعًا، والله أعلم.
نهاية السول شرح منهاج الوصول للإسنوي - (ج: 1) - (ص: 154 ، 155).
الخامسة: التخصيص بالشرط
مثل: { وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ} [الطلاق: 6] فينتفي المشروط بانتفائه قيل: تسمية إن حرف شرط اصطلاح قلنا: الأصل عدم النقل، قيل: يلزم ذلك لو لم يكن للشرط بدل قلنا: حينئذ يكون الشرط أحدهما وهو غير المدعى { وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا} [النور: 33] ليس كذلك قلنا: لا نسلم بل انتفاء الحرمة لامتناع الإكراه.السادسة: التخصيص بالعدد لا يدل على الزائد, والناقص". أقول: تعليق الحكم على الشيء بكلمة إن أو غيرها من الشروط اللغوية كقوله تعالى: { ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [التغابن: 6] فيه أمور أربعة: ثبوت المشروط عند ثبوت الشرط, ودلالة إن عليه, وعدم المشروط عند عدم الشرط, ودلالة إن عليه؛ فالثلاثة الأول لا خلاف فيها, وأما الرابع وهو دلالة إن على العدم فهو محل الخلاف. والصحيح عند المصنف أنها عليه وهو الصحيح عند الإمام وأتباعه، وهو مقتضى اختيار ابن الحاجب ونقله ابن التلمساني عن الشافعي, ودليله أن النحاة قد نصوا على أنها للشرط ويلزم من انتفاء الشرط انتفاء المشروط. وذهب القاضي أبو بكر وأكثر المعتزلة إلى أنها لا تدل عليه بل هو منفي بالأصل, واختاره الآمدي ونقله ابن التلمساني عن مالك وأبي حنيفة, واعترضوا على الدليل السابق بثلاثة أوجه أحدها: أن تسمية حرف شرط إنما هو اصطلاح للنحاة كاصطلاحهم على النصب والرفع وغيرهما، وليس ذلك مدلولا لغويا فلا يلزم من انتفائه انتفاء الحكم وجوابه إنما نستدل باستعمالها الآن للشرط على أنها في اللغة كذلك؛ إذ لو لم تكن لكانت منقولة عن مدلولها، والأصل عدم النقل, وهذا الجواب ينفع في كثير من المباحث. الثاني: أنه شرط لغة لا نسلم أنه يلزم من انتفائه انتفاء المشروط فإنه يكون له بدل يقوم مقامه وإنما يلزم ذلك أن لو لم يكن له بدل, والجواب أنه إذا وجد ما يقوم مقامه لم يكن ذلك الشيء بعينه شرطا، بل الشرط أحدهما، وحينئذ فيتوقف انتفاؤه على انتفائهما معا؛ لأن مسمى أحدهما لا يزول على أنه شرط بعينه. الثالث: ولو كان المتعلق بأن ينتفي عند انتفاء ما دخلت عليه إن لكان قوله تعالى: { وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا} [النور: 33] دليلا على أن الإكراه لا يحرم إذا لم يردن التحصن وليس كذلك بل هو حرام مطلقا قلنا: لا نسلم أنه ليس كذلك أي لا نسلم أن الحرمة غير منتفية عنه بل هو غير حرام, ولكنه غير جائز, فإن عدم حرمته لا يستلزم جوازه؛ لأن زوالها قد يكون لطرآن الحل وقد يكون لامتناع وجوده عقلا لأن السالبة تصدق بانتفاء المحمول تارة والموضوع أخرى، وههنا قد انتفى الموضوع لأنهن إذا لم يردن التحصن فقد أردن البغاء, وإذا أردن البغاء امتنع إكراههن عليه؛ لأن الإكراه هو إلزام الشخص شيئا على خلاف مراده, وإذا كان ممتنعا فلا تتعلق به الحرمة؛ لأن المستحيل لا يجوز للتكليف به.
المسألة السادسة: الحكم المتعلق بعدد لا يدل بمجرده على حكم الزائد والناقص عنه لا نفيا ولا إثباتا، ومنهم من قال: يدل ونقله الغزالي في المنحول عن الشافعي فقال في كتاب المفهوم ما نصه: وأما الشافعي فلم ير للتخصيص باللقب مفهوما ولكنه قال بمفهوم التخصيص بالصفة والزمان والمكان والعدد, وأمثلته لا تخفى, هذا لفظه ونص عليه في البرهان أيضا فقال: إن الشافعي والجمهور يقولون بهذه الأشياء وضم إلى ذلك أيضا مفهوم الحد يعني الغاية. قال في المحصول: وقد يدل عليه لدليل منفصل كما إذا كان العدد علة لعدم أمر فإنه يدل على امتناع ذلك الأمر في الزائد أيضا لوجود العلة, وعلى ثبوته في الناقص لانتفائها كقوله -صلى الله عليه وسلم: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثًا"1 وكذلك إن لم يكن علة، ولكن أحد العددين إما الزائد أو الناقص داخل في العدد المذكور على كل حال, كما إذا كان الحكم حظرا أو كراهة, فإنه يدل على ثبوته في الزائد, فإن تحريم جلد المائة مثلا أو كراهته يدل على ذلك في المائتين, ولا يدل على شيء في الناقص عن المائة فإن كان الحكم وجوبا أو ندبا أو إباحة فإنه يدل على ثبوت ذلك الحكم في الناقص ولا يدل في الزائد لا على نفيه ولا على إثباته. وهذه المسألة لم يذكر ابن الحاجب حكمها وقد ذكره الآمدي موافقا لما قاله الإمام والمصنف.
قال: "السابعة:
النص إما أن يستقل بإفادة الحكم أو لا, المقارن له إما نص آخر مثل دلالة قوله تعالى: { أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} [طه: 93] مع قوله تعالى: { وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ} [الجن: 23] على أن تارك الأمر يستحق العقاب ودلالة قوله تعالى: { وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا} [الأحقاف: 15] مع قوله: { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} [البقرة: 233] على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر أو إجماع كالدال على أن الخالة بمثابة الخال في إرثها إذا دل نص عليه". أقول: قد تقدم أن الخطاب قد يدل على الحكم بمنطوقه, وقد يدل بمفهومه. قال الإمام: والكلام في هذه المسألة فيما إذا لم يدل بمنطوقه ولا مفهومه، وحاصله أن النص المستدل به على حكم قد يستقل بإفادة ذلك الحكم أي: لا يحتاج إلى أن يقارنه غيره كقوله تعالى: { وَآتَوُا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43] ونحوه وقد يحتاج إليه, والمقارن له قد يكون نصا وقد يكون إجماعا, فإن كان نصا فله صورتان إحداهما: أن يدل أحد النصين على إحدى المقدمتين والنص الآخر على المقدمة الأخرى, فيحصل المدعى منهما كدلالة قوله تعالى: { أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} مع قوله تعالى: { وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} الآية على أن تارك الأمر يستحق العقاب فإن الآية الأولى دالة على أنه يسمى عاصيا, والثانية دالة على استحقاق العاصي العقاب فينتج تارك الأمر يستحق العقاب. الصورة الثانية: أن يدل أحد النصين على ثبوت حكم لشيئين ويدل النص الآخر على أن بعض ذلك لأحدهما فوجب القطع بأن باقي الحكم ثابت. الثاني: كقوله تعالى: { وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا} فهذا يدل على أن مدة الحمل والرضاع ثلاثون شهرا, وقوله تعالى: { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} الآية تدل على أن أكمل مدة الرضاع سنتان, فيلزم أن يكون أقل مدة الحمل ستة أشهر. وأما الإجماع فكما إذا دل نص على أن الخال يرث وأجمعوا على أن الخالة بمثابته فنستفيد إرثها من ذلك النص بواسطة الإجماع، وذكر الإمام في المحصول أن المقارن قد يكون أيضا قياسا كإثبات الربا في التفاح وقد يكون قرينة المتكلم كما إذا نطق الشارع بلفظ متردد بين حكم شرعي وعقلي, فإنا نحمله على الشرعي لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- بعث لبيان الشرعيات مثال قوله: "الاثنان فما فوقهما جماعة" فنحمله على جماعة الصلاة لا على أقل الجمع "والله أعلم".
أصول الفقه لابن مفلح - (ج: 3) - (ص: 936 : 939).
التخصيص بالشرط
قال في التمهيد: الشرط ما وجد الحكم بوجوده وعدم بعدمه.
يقف وجوده على مؤثره.
واختار الآمدي وغيره: ما يلزم من نفيه نفي أمر على وجه لا يكون سبباً لوجوده ولا داخلاً فيه.
فيدخل: شرط الحكم، وشرط السبب.
وهو: عقلي كالحياة للعلم، وشرعي كالطهارة للصلاة، ولغوي كـ: أنت طالق إِن دخلتِ.
والشرط اللغوي أغلب استعماله في السببية العقلية نحو: "إِذا طلعت الشمس فالعالم مضيء"، والشرعية: (وإن كنتم جنبًا فاطهروا).
واستعمل لغة في شرط لم يبق للمسبَّب سواه، أي: في الشرط الأخير، نحو: إِن تأتني أُكْرِمك.
* * *
والشرط مخصِّص يخرج به ما لولاه لدخل كـ "أكرم بني تميم إِن دخلوا" فيقصره الشرط على من دخل، و"أكرمهم أبدًا إِن قدرت" وإِن خرج عدم القدرة بالعقل لا ينافي الدخول لغة.
* * *
ويتحد الشرط ويتعدد على الجمع والبدل، فهذه ثلاثة أقسام، كل منها
مع الجزاء كذلك، فهي تسعة.
* * *
وللشرط صدر الكلام، يتقدم على الجزاء لفظًا؛ لتقدمه في الموجود طبعا.
فإِن تأخر لفظا: فأكثر النحاة: أن ما تقدم ليس بجزاء بل قام مقامه ودَلَّ عليه، وهو محذوف.
* * *
والشرط كالاستثناء في اعتبار اتصاله بالمشروط.
* * *
وإن تعقب جملاً متعاطفة فللجميع عند الأئمة الأربعة، وذكره في التمهيد إِجماعًا، وفي الروضة: سلّمه الأكثر.
وفي المغني: "أنتِ عليّ حرام ووالله لا أكلمك إِن شاء الله"
الاستثناء لهما في أحد الوجهين؛ لأنه إِذا تعقب جملا عاد إِليها إِلا أن ينوي.
ولعل مراده بالخلاف لاختلاف اليمين.
المهذب في علم أصول الفقه المقارن - د. عبد الكريم النملة - (4/ 1653: 1655)
المسألة الرابعة: أحكام التخصيص بالشرط:
الشرط مع المشروط له أحكام خاصة به، وهي: الحكم الأول: أنه يجب اتصاله بالمشروط اتصالا عاديا، بحيث لا يصح الفصل بينهما بالزمن فصلاً تحكم العادة فيه بأن الشرط غير تابع للمشروط.الحكم الثاني: يجوز تقديم الشرط وتأخيره، وإن كان وضعه الطبيعي هو صدر الكلام، والتقدم على المشروط لفظا لكونه متقدما عليه في الوجود طبعا.
الحكم الثالث: أن الشرط الواقع بعد الجمل المتعاطفة يرجع إلى جميع الجمل مثل قولك: " أكرم الرجال، وتصدق على المساكين إن دخلوا الدار "، فكأنه قال: أكرم الرجال إن دخلوا الدار، وتصدق على المساكين إن دخلوا الدار.
الحكم الرابع: أنه إذا اتحد الشرط والمشروط أو تعددا يختلف الحكم باختلاف آلة التعدد وهي " الواو "، و " أو "، وهذا يتبين في حالات: الحالة الأولى: أن يتحد الشرط والمشروط مثل: " إن دخل الدار فأكرمه"، فيتوقف المشروط على هذا الشرط وحده وجوداً وعدماً.
الحالة الثانية: أن يتحد الشرط ويتعدد المشروط بالواو كقوله: "إن نجحت تصدقت بدرهم وصمت يوما "، فيقتضي الشرط الجمع بين التصدق والصيام معا.
الحالة الثالثة: أن يتحد الشرط ويتعدد المشروط بلفظ " أو " كقولك: " إن نجحت فإني سأتصدق أو أصوم يوما لا، فيقتضي الشرط حصول التصدق وحده، أو الصيام وحده.
الحالة الرابعة: أن يتعدد الشرط بحرف " الواو "، ويتحد المشروط كقولك: " إن نجحت وشفى أبي تصدقت بألف ريال " فهنا لا يمكن أن يوجد المشروط - وهو التصدق بألف ريال - إلا بعد أن يحصل الشرطان معا وهما النجاح والشفاء.
الحالة الخامسة: أن يتعدد الشرط بحرف " الواو "، ويتعدد المشروط بحرف " الواو " أيضاً كقولك: " إن نجحت وشفي أبي تصدقت بألف ريال وصمت يوما " فيقتضي هذا: أنه لا يمكن وجود المشروطين وهما التصدق والصيام إلا إذا وجد الشرطان وهما: النجاح والشفاء معاً.
الحالة السادسة: أن يتعدد الشرط بحرف الواو، ويتعدد المشروط بحرف " أو " كقولك: " إن نجحت وشفي أبي تصدقت بألف ريال أو صمت يوماً "، فهنا يكون حصول الشرطين وهما: النجاح والشفاء مقتضيا حصول أحد المشروطين على التخيير، فإما التصدق أو الصيام.
الحالة السابعة: أن يتعدد الشرط بحرف " أو "، ويتحد المشروط كقولك: " إن بني زيد الجدار أو نجح فأعطه درهماً "، فهنا لا بد من حصول أحد الشرطين حتى يحصل على الدرهم.
الحالة الثامنة: أن يتعدد الشرط بلفظ " أو "، ويتعدد المشروط بحرف " الواو " كقولك: " إن بنى زيد الجدار أو نجح فأعطه كتابا ودرهما "، فهنا لا بد من حصول أحد الشرطين وهما: البناء أو النجاح، فإذا حصل أحدهما فإنه يستحق المشروطين معا وهما: الكتاب والدرهم.
الحالة التاسعة: أن يتعدد الشرط بحرف " أو "، ويتعدد المشروط بحرف " أو " أيضاً كقولك: " إن بنى زيد الجدار أو نجح فأعطه كتابا أو درهما "، فهنا لا بد من حصول أحد الشرطين - وهما البناء أو النجاح، فإذا حصل أحدهما فإنه يستحق أحد الشروطين وهما: الكتاب، أو الدرهم.
الوجيز في أصول الفقه الإسلامي - د. محمد مصطفى الزحيلي - (2/ 69، 70)
الشرط:
سبق تعريف الشرط، وأنه: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، وسبق بيان أنواع الشرط: الشرعي، والعقلي، والعادي، واللغوي، والمقصود في التخصيص الشرط اللغوي فقط، فإن جاء بعد العام خصصه في حالة توفر الشرط دون سواه، وهو كثير في النصوص، ويقع به التخصيص.مثاله: قوله تعالى: { وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ} [النساء: 12]، فإن استحقاق الزوج نصف تركة الزوجة مخصص بعدم وجود الولد للزوجة بالشرط، ولولا الشرط لاستحق الزوج النصف في جميع الأحوال.