الفصول في الأصول للجصاص- (ج: 1) - (ص: 155 ، 156).
باب: في تخصيص العموم بخبر الواحد
قال أبو بكر: وأما تخصيص عموم القرآن والسنة الثابتة بخبر الواحد وبالقياس فإن ما كان من ذلك ظاهر المعنى بين المراد غير مفتقر إلى البيان مما لم
يثبت خصوصه بالاتفاق فإنه لا يجوز تخصيصه بخبر الواحد ولا بالقياس، وما كان من ظاهر القرآن أو السنة قد ثبت خصوصه بالاتفاق أو كان في اللفظ احتمال للمعاني أو اختلف السلف في معناه وسوغوا الاختلاف فيه وترك الظاهر بالاجتهاد او كان اللفظ في نفسه مجملًا مفتقرًا إلى البيان فإن خبر الواحد مقبول في تخصيصه والمراد به وكذلك يجوز تخصيص ما كان هذا وصفه بالقياس وهذا عندي مذهب أصحابنا وعليه تدل أصولهم ومسائلهم.
المحصول في علم أصول الفقه للرازي - (ج: 3) - (ص: 97 : 103).
المسألة الثانية: يجوز تخصيص عموم الكتاب والسنة المتواترة بالقياس
وهو قول الشافعي وأبي حنيفة ومالك وأبي الحسين البصري والأشعري وأبي هاشم أخيرًا، ومنهم من منع منه مطلقًا وهو قول الجبائي وأبي هاشم أولًا، ومنهم من فصل ثم ذكروا فيه وجوها أربعة:
الأول: قول عيسى بن أبان: إن تطرق التخصيص إلى العموم جاز وإلا فلا
والثاني: قول الكرخي وهو أنه إن خص بدليل منفصل جاز وإلا فلا
والثالث: قول كثير من فقهائنا ومنهم ابن سريج: يجوز بالقياس الجلي دون الخفي، ثم اختلفوا في تفسير الجلي والخفي على ثلاثة أوجه: أحدها: أن الجلي هو قياس المعنى والخفي هو قياس الشبه وثانيها: أن الجلي هو مثل قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يقضي القاضي وهو غضبان) وتعليل ذلك بما يدهش العقل عن إتمام الفكر حتى يتعدى إلى الجائع والحاقن وثالثها: قول أبي سعيد الاصطخري وهو أن الجلي هو الذي إذا قضى القاضي بخلافة ينتقض قضاؤه
والرابع: قول الغزالي رحمه الله وهو أن العام والقياس إن تفاوتا في إفادة الظن رجحنا الأقوى وإن تعادلا توقفنا، وأما القاضي أبى بكر وأمام الحرمين فقد ذهبا إلى الوقف، قال إمام الحرمين: والقول بالوقف يشارك القول بالتخصيص من وجه ويباينه من وجه، أما المشاركة فلأن المطلوب من تخصيص العام بالقياس إسقاط الاحتجاج بالعام والوقف يشاركه فيه، وأما المباينة فهي أن القائل بالتخصيص يحكم بمقتضى القياس والواقف لا يحكم به تنبيه نسبة قياس الكتاب إلى عموم الكتاب كنسبة قياس الخبر المتواتر إلى عموم الخبر المتواتر وكنسبة قياس خبر الواحد إلى عموم خبر الواحد والخلاف جار في الكل وكذا القول في قياس الخبر المتواتر بالنسبة إلى عموم الكتاب وبالعكس أما قياس خبر الواحد إذا
عارضه عموم الكتاب أو السنة المتواترة وجب أن يكون تجويزه أبعد.لنا: أن العموم والقياس دليلان متعارضان والقياس خاص فوجب تقديمه أما أن العموم دليل فبالاتفاق وأما أن القياس دليل فلأن العمل به دفع ضرر مظنون فكان العمل به واجبًا وسيأتي تقرير هذه الدلالة في باب القياس إن شاء الله تعالى، وإذا ثبت ذلك فالتقرير ما تقدم في المسألة الأولى واحتج المانعون بأمور:
أحدها: أن الحكم المدلول عليه بالعموم معلوم والحكم المدلول عليه بالقياس مظنون والمعلوم راجح على المظنون
وثانيها: أن القياس فرع النص فلو خصصنا العموم بالقياس لقدمنا الفرع على الأصل وإنه غير جائز
وثالثها: أن حديث معاذ دل على أنه لا يجوز الاجتهاد إلا بعد فقد ذلك الحكم في الكتاب والسنة، وذلك يمنع من تخصيص النص بالقياس
ورابعها: أن الأمة مجمعة على أن من شرط القياس أن لا يرده النص وإذا كان العموم مخالفا له فقد رده
وخامسها: أنه لو جاز التخصيص بالقياس لجاز النسخ به وقد تقدم تقريره والجواب عن الأول ما تقدم وعن الثاني أن القياس المخصص للنص يكون فرعًا لنص آخر وحينئذ يزول السؤال، فإن قلت: لما كان القياس فرعًا لنص آخر فكمقدمة لا بد منها في دلالة النص على الحكم كانت معتبرة في الجانبين.
وأما المقدمات التي لا بد منها في دلالة القياس فهي مختصة بجانب القياس فقط فإذن إثبات الحكم بالقياس يتوقف على مقدما أكثر وبالعموم على مقدمات أقل فكان إثبات الحكم بالعموم أظهر من إثباته بالقياس والأقوى لا يصير مرجوحًا بالأضعف قلت: قد تكون دلالة بعض العمومات على مدلوله أقوى وأقل مقدمات من دلالة عموم آخر على مدلوله وعند هذا يظهر الحق ما قاله الغزالي رحمه الله وهو أن دلالة العموم المخصوص على مدلوله إذا افتقرت إلى مقدمات كثيرة ودلالة العموم الذي هو أصل القياس إذا افتقرت إلى مقدمات قليلة بحيث تكون تلك المقدمات المعتبرة في القياس معادلة لمقدمات قليلة بحيث تكون تلك المقدمات مع المقدمات المعتبرة في القياس معادلة لمقدمات العموم المخصوص أو أقل جاز وحينئذ لا يتوجه ما قالوه وعن الثالث أن حديث معاذ إن اقتضى أنه لا يجوز تخصيص الكتاب والسنة بالقياس فليقتض أن لا يجوز تخصيص الكتاب بالسنة المتواترة ولا شك في فساد ذلك وعن الرابع أن نقول: ما الذي تريد بقولك شرط القياس أن لا يدفعه النص إن أردتم أن شرطه أن لا يكون رافعا لكل ما اقتضاه النص فحق وإن أردتم أن لا يكون رافعًا لشيء مما اقتضاه النص فهو عين المتنازع وعن الخامس ما تقدم في المسألة الأولى.
التمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب - (ج: 2) - (ص: 120 : 130).
مسألة: يجوز تخصيص عموم الكتاب والسنة بالقياس في أحد الوجهين
وهو اختيار شيخنا وأبي بكر، وبه قال الشافعي وأبو الحسن الكرخي وغيرهما من الفقهاء والمتكلمين.
والوجه الآخر (أنه) لا يخص به ولا يعارض به الظاهر، وهو اختيار أبي الحسن الجزري من أصحابنا وأبي إسحق بن شاقلا، وبه قال الجبائي وغيره من الفقهاء.
وقال أكثر الحنفية: إن كان دخله التخصيص جاز تخصيصه بالقياس كما يقولون في تخصيصه بخبر الواحد. ومن الشافعية من قال: نخصه بالقياس الجلي دون (القياس) الخفي.
- دليلنا أن الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على تخصيصه بالقياس، فقالوا في ميراث الجد مع الإخوة: إن الجد يسقطهم قياساً على الأب وخص قوله تعالى: { إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ} وهذه الآية عامة فيمن له (جد أو لا جد له). ومنهم من قسم بين الجد وبينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، وخص الآية أيضاً فإنه لم يعط الأخت مع الجد النصف ولا أعطى أخاها ما لها كله (إذا) لم يكن لها ولد. وهذا حجة على من قال: إنه يخص بالقياس الجلي دون الخفي، لأن هذا القياس الذي استعمله الصحابة قياس شبه، لأن منهم من شبه بالأب، ومنهم من شبه الإخوة بالأغصان من الشجرة، ومنهم من شبه بالجداول من النهر.
وكذلك قالوا في (حد) العبد: إنه نصف حد الحر، بالقياس على الأمة، وخصوا قوله { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} فهو عام في الحر والعبد.
وقالوا: قد قال في الإماء: { فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ}. والعبد كالأمة في الرق، فيجب أن يكون حده نصف حد الحر. فإن قيل: فما تنكر أن يكون هناك دليل غير القياس خص به العبد ولم ينقل بحصول الإجماع عليه.
قلنا: لم يوجد هناك دليل غير القياس، فلو كان (كذلك) (لذكر ونقل). فلما لم ينقل دل على أنه لم يخص إلا بالقياس.
- دليل ثان: هو أن القياس وإن لم يكن مقطوعاً به، فإن العمل به ثبت بدليل مقطوع به، كما ثبت العمل بالعموم، فيجب أن يجري
مجراه في القوة، ألا ترى أن الرسول عليه السلام لو قال: إذا زالت الشمس فصلوا ركعتين، وما أخبركم به عني فلان فهو شرعي، فإن فلاناً يجري قوله مجرى قول الرسول عليه السلام في وجوب العمل وإن كان قول الرسول مقطوعاً (به) وقول فلان(ليس) مقطوعاً به، وإذا ثبت هذا فالقياس يتناول الحكم بخصوصه، والعموم يتناوله بعمومه فيجب أن يخص الأعم بالأخص، كما لو كان الأخص (كتاباً أو سنة).- دليل ثالث: أن صيغة العموم معرضة للتخصيص محتملة له، والقياس غير محتمل للتخصيص، فجاز أن يقضي بغير المحتملة (على المحتملة)، كما يقضي بالمفسر على المجمل.
- دليل رابع: أن فيما قلنا جمعاً بين الدليلين، فكان أولى من إسقاط أحدهما واستعمال الآخر كالمطلق مع المقيد، واللفظ الخاص مع (اللفظ) العام.- دليل خامس: أنه لفظ ينافي بعض ما شمله العموم، فصريحه يوجب أن يخص به كاللفظ الخاص، يبين (صحة) هذا أن معنى العلة معنى النطق في إيجاب العمل بكل واحد منهما، فيجب أن يتساويا في التخصيص.
- ويخص من قال: لا يجوز إلا بالجلي بما تقدم من أقوال الصحابة، ونزيد بأن (القياس) الخفي (دليل،
فكان) حكمه حكم الجلي، (فكان) من جنسه (في تخصيص العموم كخبر الواحد، لما كان دليلاً كان حكمه حكم الجلي) وهو أخبار التواتر في التخصيص.
- ويخص من قال لا يخص إلا ما دخله التخصيص بأن الباقي من المخصوص بمنزلة عموم مبتدأ والدليل عليه ما نبينه فيما بعد في العموم المخصوص هل هو حجة أم لا؟ وإذا ثبت هذا فمتى جاز تخصيصه بالقياس جاز تخصيص العموم المبتدأ بالقياس، إذ لا فرق بينهما.
- دليل آخر: أن ما جاز (أن) يراد به التخصيص، جاز أن يبتدأ به (في) التخصيص كالنطق.
- دليل آخر: إنما جاز تخصيص العموم المخصوص بالقياس لأنه يتناول الحكم، فخصوصه مقدم على العام، وهذا موجود في العموم
الذي لم يدخله التخصيص، فوجب أن يقدم عليه.
- احتج المخالف: بخبر معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "فإن لم تجد في كتاب الله ولا سنة رسول الله؟ قال: اجتهد رأيي ولا آلو" فدل على أن القياس يعمل به بشرط أن لا يجد سنة. قلنا الذي
خصه القياس من العموم ليس من السنة، ألا ترى أنه (قد) رتب السنة على الكتاب، ثم ما خصته السنة من الكتاب، يجعل كأنه ليس في الكتاب حكماً فكذلك في مسألتنا.
- احتج: بأن عموم الكتاب دليل مقطوع به، والقياس أمارة مظنونة، فلا يجوز الاعتراض بالمظنون على العموم.
الجواب: أنا قد أجبنا (عن ذلك) في العموم هل يخص بخبر الواحد أم لا؟
- احتج بأن التخصيص كالنسخ، لأن التخصيص إخراج بعض الأعيان، والنسخ إخراج بعض الزمان، ثم ثبت أن النسخ لا يجوز بالقياس، فكذلك التخصيص.
قلنا: التخصيص يخالف النسخ، لأن خبر الواحد يخص القرآن ولا ينسخه، ولأن (النسخ) يرفع حكماً (قد استقر)، والتخصيص بيان ما لم يرد باللفظ فافترقا.
- احتج: بأنا نقيس (عند) الحاجة إلى القياس، فنلحق ما لمي رد فيه الحكم بغيره، فإذا كان معنا لفظ عام يشمله فلا حاجة بنا إلى القياس فيجب أن لا يعمل به.
الجواب: أنا نعمل بالقياس في بيان المراد بالعموم لا فيما شمله لفظه وإذا عارضه (لفظ) آخر يتناول الحكم بخصوصه (علمنا) أنه لم يرد به الشمول.
جواب آخر: أن القياس دليل يتناول الحكم صريحاً، والعموم يتناوله عموماً فقدم الصريح على العموم كما قدم اللفظ الخاص على العام.
- احتج: بأنه إسقاط لما تناوله العموم، فلا يجوز (بالقياس) كالنسخ وهذا صحيح فإن التخصيص إخراج بعض الأعيان، والنسخ إخراج بعض الأزمان فهما سواء.
قلنا: التخصيص يفارق النسخ لأنه يجوز بخبر الواحد، ولا يجوز النسخ بخبر الواحد، ولأن التخصيص بيان المراد باللفظ، وهو جمع بين الدليلين والنسخ رفع لحكم اللفظ.
- احتج بأنه لا يجوز أن يستنبط من لفظ العموم علة يخصص بها ذلك العموم فكذلك لا يستنبط من غيره علة يخصص بها.
قلنا: يبطل بالتخصيص بالجلي من القياس ثم العلة المستنبطة منه كلفظه، (ثم لفظ) العموم لا يجوز أن يجعل مخصصا له، وإن جاز أن يكون لفظ غيره مخصصاً، كذلك العلة المستنبطة من غيره.
جواب آخر: أن العلة المستنبطة منه تقتضي ما يقتضيه، فإذا كانت مخصصة له لم تكن علته، لأنها تخالفه، (بخلاف العلة المستنبطة من غيره،
ولأن الغير يخالفه) فجاز أن تكون علته تخصه. وهذا لأن العلة تطلب من الأصل لإلحاق غيره به، والعلة التي يختص أصلها لا حاجة بنا إلى استخراجها ولأنها فرع علته فلا تخصه بخلاف (لفظ) غيره فإنها ليست (فرع علته) (فتخصه) ولهذا (لما) قال عليه السلام: "لا تبيعوا البر بالبر" لا يجوز أن يعلل بعلة تخرج بعض البر وقد علل بعلة تشمل الأرز والذرة وغيرهما وخص بذلك قوله تعالى: { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}.
- واحتج: بأن القياس فرع العموم، والفرع لا يسقط أصله.
الجواب: أنا نخص به عموماً ليس بأصلاً فلا يكون إسقاط الأصل بفرعه.
- واحتج: بأن ما قدم عليه القياس الجلي لم يخص به العموم كاستصحاب الحال.
قلنا: استصحاب الحال ليس بدليل، وإنما هو بقاء على حكم الأصل حتى ينقل عنه "بدليل"، إذا ورد العموم كان دليلاً فنقل عنه بخلاف القياس فإنه دليل يستدعى (الحكم بصريحه فقدم على ما يقتضيه بعمومه.
- (واحتج بأن قال: قياس الشبه مختلف فيه بين القائلين به)، فلم يخص به العموم، ألا ترى أن الخبر المرسل لما اختلف فيه لم يخص به العموم.
الجواب: أنا لا نسلم الأصل ونقول: يخص به (العموم) (وإن) سلمنا على الرواية الأخرى فنحن إنما نتكلم مع من جعل قياس الشبه حجة في الشرع، فإنه يلزمه التخصيص به، فأما من لم يجعله حجة، فالكلام عه يأتي في القياس، ألا ترى أن القياس الجلي من الناس من لم يجعله حجة أيضاً، ثم التخصيص به عندكم جائز بخلاف المرسل فإنه ليس بحجة فلا يجوز التخصيص به.
- احتج: بأن القياس (ما اطرد) (على الأصول)، والعموم من جملة الأصول، وهو ينافيه فيجب أن لا يصح القياس معه كما لا يصح مع مخالفة الإجماع.
قلنا: لا نسلم أن ما خصصه القياس كان مراداً بالعموم ولا داخلاً تحته.
- احتج عيسى بن أبان: بأنه إسقاط دلالة اللفظ فلم يجز بالقياس كالنسخ، ولا يلزم الزيادة في التخصيص لأن إسقاط دلالة اللفظ كانت بغير القياس.
الجواب: أنه ليس بإسقاط دلالة اللفظ وإنما هو بيان مراد اللفظ وذلك جائز، ألا ترى أن خبر الواحد يخص به وإن لم ينسخ به، ثم (قد ذكر) أن ما بقى من العموم كالعموم في الحجة فيسقط ما ذكرتم. والله أعلم بالصواب.
المهذب في علم أصول الفقه المقارن - د. عبد الكريم النملة - (4/ 1624: 1629)
المسألة الثانية عشرة في تخصيص الكتاب والسُّنَّة بالقياس:
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:المذهب الأول: أن القياس يخصص عموم الكتاب والسُّنَّة مطلقاً.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليلين: الدليل الأول: أن القياس دليل شرعي خاص، والعام دليل شرعي، ولا يمكن أن نقدم العام على الخاص؛ لأنه يلزم منه إلغاء الخاص بالكلية، أما تقديم الخاص عليه، فلا يوجب ذلك، فكان تقديم الخاص - وهو القياس - أَوْلى.
وقد سبق بيان ذلك كثيراً.
الدليل الثاني: أن صيغة العموم قد ضعفت بسبب كثرة تعرضها للتخصيص، وكثرة احتمالات دخول المخصصات عليها حتى قيل: "ما من عام إلا وقد خص منه البعض " فى حين أن القياس لا يحتمل ذلك، والمحتمل أضعف من غير المحتمل، فيكون القياس أقوى من العام، والقوي يخصص الضعيف.
المذهب الثاني: أن القياس لا يخصص عموم الكتاب والسُّنَّة مطلقاً.
وهو مذهب بعض المعتزلة كالجبائي، وبعض الفقهاء، ووجه عند الإمام أحمد، واختاره بعض الحنابلة كأبي إسحاق بن شاقلا.
أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: حديث معاذ - رضي اللَّه عنه - حيث رتب الأدلة فكان الكتاب أولاً، ثم السُّنَّة، ثم الاجتهاد - ومنه القياس - فصوبه النبي - صلى الله عليه وسلم -، فالقياس يعمل به بشرط: عدم وجود كتاب ولا سُنّة.
فلا يمكن على هذا تقديم القياس على عموم النص من الكتاب والسنة.
فالقول بتخصيص عموم الكتاب والسُّنَّة بالقياس تقديم للقياس على الكتاب والسُّنَّة، وأنه خلاف النص فكان باطلاً.
جوابه: أن كلامكم هذا يقتضي: أن لا يجوز تخصيص الكتاب بالسُّنَة المتواترة؛ لأن الكتاب متقدم عليها، وهذا باطل؛ حيث قلنا هناك: إنه يجوز تخصيص الكتاب بالسُّنَّة المتواترة، فإذا جاز تخصيص الكتاب بالسُّنة المتواترة مع تأخرها في الرتبة عنه، فإنه يجوز تخصيص النص بالقياس مع تأخره عنه في الرتبة.
الدليل الثاني: أن النص العام أصل - حيث إنه ثبت بكتاب أو سُنَّة - والقياس فرع لذلك النص العام؛ حيث إنه يلحق به، والفرع لا يمكن أن يسقط أصله، أي: لو خصصنا النص العام بالقياس للزم من ذلك تقديم الفرع على الأصل، ولزم إسقاط الفرع للأصل، وهذا لا يجوز.
جوابه: إنا لم نترك الأصل بفرعه، وإنما القياس هو فرع لنص آخر، وليس فرعا للنص المخصوص، والنص تارة يخصص بنص آخر، وتارة يخصص بمعقول نص آخر، ولا معنى للقياس إلا معقول النص.
فمثلاً: لما قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: " لا تبيعوا البر بالبر " قسنا عليه الأرز، وقلنا بأنه لا يجوز الربا فيه، قياسا على البر، خصصنا بهذا القياس عموم قوله تعالى: (وأحل اللَّه البيع) ، فهنا لم يخصص الأصل بفرعه.
الدليل الثالث: أن النصوص العامة تفيد ظن الحكم فائدة أقوى وأكثر من إفادة القياس لظن الحكم، فلا يجوز تقديم الأضعف والأقل فائدة - وهو القياس - على الأقوى والأكئر فائدة - وهو العموم -.
جوابه: لا نسلم ذلك على الإطلاق، بل قد تكون الظنون المستفادة من القياس أقوى، وقد تكون الظنون المستفادة من العموم أقوى في نفس المجتهد، إذن: لا يبعد أن يوجد قياس قوي أغلب على الظن من عموم ضعيف.
المذهب الثالث: الفرق بين القياس الجلي، والقياس الخفي، بيانه: إن كان القياس جلياً، فإنه يخصص العموم.
وإن كان القياس خفيا، فإنه لا يخصص العموم.
وهو مذهب ابن سريج، والإصطخري من الشافعية، وبعض المتكلمين.
ثم اختلف هؤلاء في تفسير الجلي والخفي على أقوال: فقيل: إن الجلي هو قياس العِلَّة - وهو إثبات الحكم في الفرع بعفَة الأصل - ولا يوجد له إلا أصل واحد، والقياس الخفي هو: قيَاس الشبه وهو: تردد الفرع بين أصلين، ويكون شبهه بأحدهما أكثر فنلحق الفرع بأكثرهما شبها.
وقيل: إن الجلي هو: ما يظهر فيه المعنى الجامع بين الأصل والفرع، والقياس الخفي هو: ما كانت فيه العِلَّة مستنبطة من حكم الأصل، وقيل غير ذلك.
دليل هذا المذهب: أن القياس الجلي أقوى من عموم الكتاب والسُّنَّة، فيقوى على تخصيصه.
أما القياس الخفي فهو أضعف من العموم فلا يقوى على تخصيصه.
وعلى المجتهد اتباع الأقوى من الدليلين.
جوابه: أنه لا فرق بينهما؛ حيث إن القياس الخفي دليل، فكان حكمه حكم القياس الجلي ولا فرق؛ حيث إنه من جنسه في تخصيص العموم؛ قياسا على خبر الواحد: لما كان دليلاً كان حكمه حكم الجلي، وهو: خبر المتواتر في التخصيص.
المذهب الرابع: أن العام المخصوص يخصص بالقياس، أما غيره فلا، وهو مذهب عيسى بن أبان، وهو اختيار أكثر الحنفية.
دليل هذا المذهب: أنا ما دخله التخصيص من اللفظ العام يصير مجازاً، فيكون بذلك ضعيفا فيقوى القياس على تخصيصه.
أما العام الذي لم يدخله التخصيص فهو باق على حقيقته في الاستغراق - حيث تكون دلالته قطعية - فلا يقوى القياس على تخصيصه؛ لأن القياس ظني فهو أضعف من القطعي.
جوابه: أن هذا مبني على قاعدتكم، وهي: أن دلالة العام قطعية، ونحن نخالفكم فيها، فإن دلالة العام عندنا ظنية - كما سبق بيان ذلك - وإذا كانت كذلك، فإن القياس يقوى على تخصيص العام؛ لتساويهما في الدلالة، ولا فرق عندنا بين العام المخصوص، وبين غيره في ذلك.
الوجيز في أصول الفقه الإسلامي - د. محمد مصطفى الزحيلي - (2/ 68)
القياس:
إذا ورد القياس على نص خاص، فالقياس يقدم على عموم النص، أي: يخصص عموم النص، مثل قوله تعالى: { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة: 275]، فهو عام في جواز كل بيع، ثم ورد النص النبوي بتحريم الربا في البُرِّ، والعلة هي الكيل، فقاس العلماء الأرز على البر في تحريم الربا، فيكون هذا القياس مخصصًا لعموم إحلال البيع .