التقرير والتحبير لابن أمير الحاج - (ج: 2) - (ص: 354 ، 355).
مسألة:
"إذا اختلف حكم مطلق ومقيده" أي وحكم مقيد من مقيداته وهو المسند، كأطعم فقيرًا، واكسُ فقيرًا عاريًا "لم يحمل" المطلق على المقيد "إلا ضرورة" أي إلا إذا كان أحدهما موجبا لذلك ألبتة "كأعتق رقبة ولا تتملك إلا رقبة مؤمنة" فإن النهي عن تملك ما عدا الرقبة المؤمنة مع الأمر بعتق الرقبة يوجب تقييد المعتقة بالمؤمنة ضرورة أن العتق لا يكون إلا في الملك وقد فرض نهيه عن تملك غير المؤمنة فيكون مأمورًا بعتق المؤمنة.قلت: ولقائل أن يقول: ليس هذا مما يجب فيه حمل المطلق على المقيد، أما أولًا فإنه إنما يكون النهي عن تملك ما عدا الرقبة المؤمنة موجبًا تقييد الرقبة بالمؤمنة في الأمر بعتق رقبة لما ذكرنا إذا لم يكن في ملك المأمور رقبة كافرة أما إذا كان في ملكه رقبة كافرة فلا لأنه حينئذ لا يتوقف عتق الرقبة على تملك المؤمنة ليستلزم كون المعتقة مؤمنة ألبتة إذ لا خفاء في أنه لو أعتق الكافرة ولم يتملك إلا مؤمنة كان متمثلا للأمر والنهي، وأما ثانيا فلا نسلم أن عتق الرقبة يتوقف على تملك المؤمنة لإمكان العتق بدون تملك المؤمنة بأن يرث رقبة كافرة فيعتقها فإن التملك يقتضي الاختيار ولا اختيار في الإرث فيكون ممتثلا للأمر والنهي وبهذا يظهر أيضا أن تمثيل صدر الشريعة لهذا بـ أعتق عني رقبة ولا تملكني رقبة كافرة لا يتعين فيه الحمل المذكور، بل المثال المطابق له: أعتقت رقبة ولم أملك رقبة كافرة أو إلا رقبة مؤمنة "أو اتحد" حكم المطلق وحكم مقيده حال كونهما "منفيين" كلا تعتق رقبة لا تعتق رقبة كافرة "فمن باب آخر" أي إفراد فرد من العام بحكم العام وتقدم أنه ليس بتخصيص للعام على المختار لا من باب المطلق والمقيد "أو" حال كونهما "مثبتين متحدي السبب وردا معا حمل المطلق عليه" أي المقيد " بيانا ضرورة أن السبب الواحد لا يوجب المتنافيين في وقت واحد كصوم" كفارة "اليمين على التقدير" أي تقدير ورود المطلق - وهو قراءة الجمهور - والمقيد وهو قراءة ابن مسعود فصيام ثلاثة أيام متتابعات فيها معًا ومن ثمة قال أصحابنا بوجوب التتابع فيه "أو جهل" كونهما معًا "فالأوجه عندي كذلك" أي حمل المطلق على المقيد "حملًا" لهما "على المعية تقديما للبيان على النسخ عند التردد" بينهما "للأغلبية" أي أغلبية البيان على النسخ "مع أن قولهم" أي الحنفية "في التعارض": الدليلان المتعارضان إذا لم يعلم تاريخهما يجمع بينهما "، يؤنسه" أي هذا الاختيار لأن فيه جمعًا بينهما "وإلا" أي وإن علم تأخر أحدهما عن الآخر فإن كان المطلق فسيأتي وإن كان المقيد "فالمقيد المتأخر ناسخ عند الحنفية أي أريد الإطلاق ثم رفع بالقيد فلذا" أي فلكون المقيد المتأخر عن المطلق ناسخا له عند الحنفية "لم يقيد خبر الواحد عندهم المتواتر وهو" أي تقييد خبر الواحد المتواتر هو "المسمى بالزيادة على النص" عندهم لأن خبر الواحد ظني والمتواتر قطعي، ولا يجوز نسخ القطعي بالظني "وهو" أي كون المقيد المتأخر عن المطلق ناسخا له "الأوجه والشافعية"، قالوا: ورود المقيد بعد المطلق "تخصيص" للمطلق "أي بين المقيد أنه" نفسه "المراد بالمطلق وهو" أي وكونه مبينًا أنه المراد بالمطلق "معنى حمل المطلق على المقيد، وقولهم" أي الشافعية "إنه" أي حمل المطلق على المقيد "جمع بين الدليلين" المطلق والمقيد "مغالطة قولهم لأن العمل بالمقيد عمل به" أي المطلق من غير عكس "قلنا": لا نسلم أنه عمل بالمطلق مطلقًا "بل بالمطلق الكائن في ضمن المقيد من حيث هو كذلك" أي في ضمن المقيد "وهو" أي المطلق في ضمن المقيد "المقيد فقط، وليس العمل بالمطلق كذلك" أي العمل به في ضمن مقيد فقط "بل" العمل به "أن يجزئ كل ما صدق عليه" المطلق "من المقيدات" فيجزئ كل من المؤمنة والكافرة في مثلا "ومنشأ المغالطة أن المطلق باصطلاح" - وهو اصطلاح المنطقيين - "الماهية لا بشرط شيء" فظن أن المراد به هذا هنا "لكن" ليس كذلك بل المراد به الفرد الشائع " هنا بشرط الإطلاق" أو الماهية بشرط الإطلاق حتى كان متمكنا من أي فرد شاء، والتقييد ينافي هذه المكنة، وقول الشافعية أيضا "ولأن فيه" أي حمل المطلق على المقيد "احتياطا لأنه قد يكون مكلفا بالقيد واعتبار المطلق لا يتيقن معه بفعله" أي المقيد المكلف به حينئذ لتجويزه الخروج عن العهدة بفعل مقيد غيره من مقيداته "قلنا: قضينا عهدته" أي المطلق "بإيجاب المقيد" من حيث إنه فرد من أفراده "وإنما الكلام في أنه" أي إيجاب المقيد "حمل" هو "بيان" كما هو قولهم "أو نسخ" كما هو قول أصحابنا "فالمقيد" للشافعية "في محل النزاع إثبات أنه بيان ولهم" أي الشافعية "فيه" أي إثبات أنه بيان "أنه أسهل من النسخ" لأنه دفع، والنسخ رفع، والدفع أسهل من الرفع "فوجب الحمل عليه، قلنا: إذ لا مانع" من الحمل عليه "وحيث كان الإطلاق مما يراد قطعًا وثبت" الإطلاق "غير مقرون بما ينفيه وجب اعتباره كذلك على نحو ما قدمناه في تخصص المتأخر وما قيل" كما ذكره ابن الحاجب وغيره "لو لم يكن المقيد المتأخر بيانًا لكان كل تخصيص نسخًا" للعام بجامع أن كلا منهما مخالف له، واللازم باطل بالاتفاق "ممنوع الملازمة بل اللازم كون كل" لفظ مستقل مخرج لبعض ما تناوله العام من إرادته به "متأخر" عن العام "ناسخا" لحكمه في ذلك البعض "لا تخصيصًا وبه نقول على أن في عبارته مناقشة بقليل تأمل" فإنه لا يكون تخصيصا ونسخا للتنافي بينهما "ثم أجيب" عن هذا "في أصولهم" أي الشافعية - والمجيب القاضي عضد الدين "بأن في التقييد حكما شرعيًّا لم يكن ثابتا قبل" أي قبل التقييد كوجوب إيمان الرقبة مثلا "بخلاف التخصيص فإنه دفع لبعض حكم الأول" فقط لا إثبات حكم آخر.
قال المصنف: "وينبو" أي ويبعد هذا الجواب "عن الفريقين" الحنفية والشافعية "فإن المطلق مراد بحكم المقيد إذا وجب الحمل" للمطلق على المقيد "اتفاقا" وإذا كان المطلق مرادا بحكم المقيد من حين تكلم به لم يصح قوله لم يكن ثابتا قبل "وإلزامهم" أي الشافعية للحنفية "كون المطلق المتأخر نسخا" للمقيد على تقدير كون المقيد المتأخر نسخا للمطلق لأن التقييد اللاحق كما ينافي الإطلاق السابق ويرفعه فكذا بالعكس وإنهم لا يقولون به "لا أعلم فيه تصريحا من الحنفية" ومن وقف عليه في كلامهم فليأت به، والظاهر عدمه وكيف لا "وعرف" من قواعدهم "إيجابهم وصل بيان المراد بالمطلق" بالمطلق إذا لم يكن المراد به الإطلاق "كقولهم في تخصيص العام" يجب وصل المخصص به إذا لم يكن المراد عمومه "بذلك الوجه" المتقدم بيانه ثمة فليراجع. "ويجيء فيه" أي في تأخير المقيد "ما قدمناه من وجوب إرادتهم مثل قول أبي الحسين من" وصل البيان "الإجمالي كهذا الإطلاق مقيد ويصير" المطلق حينئذ "مجملا أو التفصيلي ولنا أن نلتزمه" أي كون المطلق المتأخر ناسخا للمقيد "على قياس نسخ العام المتأخر الخاص المتقدم عندهم" أي الحنفية كما تقدم "ومعنى النسخ فيه" أي في نسخ المطلق المتأخر المقيد "نسخ القصر على المقيد" وإلا فمعلوم أن حكم المقيد لم يرفع بالمطلق. هذا وفي جمع الجوامع وشروحه: المطلق والمقيد المثبتان إن تأخر المقيد عن وقت العمل بالمطلق فالمقيد ناسخ له بالنسبة إلى صدقه بغير المقيد، وإن تأخر عن وقت الخطاب بالمطلق دون العمل، أو تأخر المطلق عن المقيد مطلقا، أو تقارنا، أو جهل تاريخهما حمل المطلق على المقيد، وقيل: المقيد ناسخ للمطلق إن تأخر عن وقت الخطاب به كما لو تأخر عن وقت العمل به، وقيل: يحمل المقيد على المطلق بأن يلغى القيد لأن ذكر المقيد ذكر جزئي من المطلق فلا يقيده كما أن ذكر فرد من العام لا يخصصه. وظاهر هذا السياق أن الجادة هو القول الأول المفصل فإما عنده وإما عندهم، والله سبحانه أعلم.
المحصول في علم أصول الفقه للرازي - (ج: 3) - (ص: 142 ، 143).
القسم الرابع من كتاب العموم والخصوص: في حمل المطلق على المقيد
وفيه مسائل: المسألة الأولى: المطلق والمقيد إذا وردا فإما أن يكون حكم أحدهما مخالفًا لحكم الآخر أو لا يكون والأول مثل أن يقول الشارع: آتوا الزكاة وأعتقوا رقبة مؤمنة، ولا نزاع في أنه لا يحمل
المطلق على المقيد ها هنا لأنه لا تعلق بينهما أصلًا
وأما الثاني فلا يخلو إما أن يكون السبب واحدا أو يكون هناك سببان متماثلان أو مختلفان وكل واحد من هذه الثلاثة فإما أن يكون الخطاب الوارد فيه أمرا أو نهيا فهذه أقسام ستة فلنتكلم فيها.أما إذا كان السبب واحدا وجب حمل المطلق على المقيد لأن المطلق جزء من المقيد والآتي بالكل آت بالجزء لا محالة فالآتي بالمقيد يكون عاملا
بالدليلين والآتي بغير ذلك المقيد لا يكون عاملا بالدليلين بل يكون تاركا لأحدهما والعمل بالدليلين عند إمكان العمل بهما أولى من الإتيان بأحدهما وإهمال الآخر.
البحر المحيط في أصول الفقه للزركشي - (ج: 3) - (ص: 9 : 13).
[مذاهب العلماء في حمل المطلق على المقيد]
[إذا اختلفا في السبب دون الحكم]
إذا علمت ذلك فاختلفوا في هذه المسألة على مذاهب:
أحدها : أن المطلق يحمل على المقيد بموجب اللفظ ومقتضى اللغة من غير دليل، ما لم يقم دليل على حمله على الإطلاق، فإن تقيد أحدهما يوجب تقييد الآخر لفظا، كقوله تعالى: [الأحزاب: 35] وكما في العدالة والشهود في قوله: [البقرة: 282] يحمل على قوله: [الطلاق: 2] وحمل إطلاق العتق في كفارة الظهار واليمين على العتق المقيد بالإيمان في كفارة القتل.
قال الماوردي والروياني في باب القضاء: إنه ظاهر مذهب الشافعي. وقال الماوردي في باب الظهار: إن عليه جمهور أصحابنا. وقال سليم: إنه ظاهر كلام الشافعي. وحكاه القاضي عبد الوهاب عن جمهور أصحابهم.
ونقله إمام الحرمين عن بعض أصحابنا. قال: وأقرب طريق هؤلاء أن كلام الله في حكم الخطاب الواحد، وحق الخطاب الواحد أن يترتب فيه المطلق على المقيد قال: وهذا من فنون الهذيان، فإن قضايا الألفاظ في كتاب الله مختلفة متباينة، لبعضها حكم التعلق والاختصاص، ولبعضها حكم الاستدلال والانقطاع، فمن ادعى تنزيل جهات الخطاب على حكم كلام واحد مع العلم بأن في كتاب الله النفي والإثبات، والأمر والزجر، والأحكام المتغايرة فقد ادعى أمرا عظيما، ولا تغني في مثل ذلك الإشارة إلى اتحاد الكلام الأزلي، ومضطرب المتكلمين في الألفاظ وقضايا الصيغ، وهي مختلفة لا مراء في اختلافها، فسقط هذا الظن.
والمذهب الثاني : أنه لا يحمل عليه بنفس اللفظ، بل لا بد من دليل من قياس أو غيره، كما يجوز تخصيص العموم بالقياس وغيره، وإن حصل قياس صحيح أو غيره من الأدلة يقتضي تقييده به قيد، وإلا أقر المطلق على إطلاقه، والمقيد على تقييده. قال الآمدي: هذا هو الأظهر من مذهب الشافعي، وصححه هو والإمام فخر الدين وأتباعهما. وقد علمت أن أصحاب الشافعي إنما نقلوا عنه الأول، وهم أعرف من الآمدي بذلك. وفي مناقب الشافعي لابن أبي حاتم الرازي1 عن يونس بن عبد الأعلى قال: سمعت الشافعي يعيب على من يقول: لا يقاس المطلق من الكتاب على المنصوص. وقال: يلزم من قال هذا أن يجيز شهادة العبد والسفهاء، لأن الله عز وجل قال: [الطلاق: 2] وقال في موضع آخر: [البقرة: 282] مطلقا ولكن المطلق يقاس على المنصوص في مثل هذا، فلا يجوز إلا العدل. نعم، هذا القول عليه جماعة كثيرون من أصحابنا، منهم القفال الشاشي كما رأيته في كتابه، ونقلوه عن ابن فورك، وصححه الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، والقاضي أبو الطيب، والشيخ أبو إسحاق، وإمام الحرمين، وابن القشيري، والغزالي، وابن برهان، وابن السمعاني. وقال ابن دقيق العيد في "شرح العمدة": إنه الأقرب. واختاره القاضي أبو بكر، ونسبه إلى المحققين. قال: لو جاز تقييد المطلق لتقييد المقيد لجاز إطلاق المقيد لإطلاق المطلق، وهو لا يجوز إجماعا.
ونقله الماوردي عن أبي علي بن أبي هريرة، ثم قال: وهو قلة معرفة بلسانهم، لأنهم تارة يكررون الكلمة للتأكيد، وتارة يحذفونها للإيجاز، وتارة يسقطون بعضها للترخيم. ونقله القاضي عبد الوهاب عن الجمهور من المالكية وغيرهم، ونقله الأستاذ أبو منصور عن ابن سريج. وحكاه الماوردي والروياني في باب القضاء عن بعض أصحابنا، فقالا: وذهب بعض أصحابنا إلى أن حكم المطلق بعد المقيد من جنسه موقوف على الدليل. فإن قام الدليل على تقييده قيد، وإن لم يقم على واحد منهما دليل صار كالذي لم يرد فيه نص، فيعدل عنه إلى غيره من الأدلة. قالا: وهذا قول من ذهب إلى وقف العموم حتى يقوم دليل على تخصيص أو عموم. وهذا أفسد المذاهب، لأن النصوص المحتملة يكون الاجتهاد فيها عائدا إليها ولا يعدل بالاحتمال إلى غيرها ليكون النص ثابتا بما يؤدي إليه الاجتهاد من نفي الاحتمال عنه، وتعين المراد به.
قال الأصفهاني: وحيث قلنا: يقيد قياسا أردنا به سالما عن الفروق، وبه يندفع قولهم: إن اختلاف الأسباب يوجب اختلاف الأحكام. وقال ابن برهان: كل دليل يجوز تخصيص العموم به، يجوز تقييد المطلق به، وما لا فلا، لأن المطلق عام من حيث المعنى. فيجوز التقييد بفعله عليه السلام، خلافا للقاضي، وتقريره خلافا لبعضهم، وبمفهوم الخطاب.
وقال ابن فورك وإلكيا الطبري والقاضي عبد الوهاب: القائلون بأنه يحمل عليه من جهة القياس اختلفوا، هل القياس مخصص للمطلق أو زائد فيه، فمنهم من قال: إنه يقتضي تخصيص المطلق لا الزيادة فيه. قال القاضي عبد الوهاب: وهو الصحيح. ومنهم من قال: يقتضي الزيادة فيه، وجوز الزيادة بالقياس، ولم يقدره نسخا.
وقال صاحب الواضح: اختلف أبو عبد الله البصري وعبد الجبار في أن تقييد الرقبة المطلقة بالإيمان، هل يقتضي زيادة أو تخصيصا؟ فقال البصري: هو زيادة، لأن إطلاق الرقبة يقتضي إجزاء كل ما تقع عليه الرقبة، فإذا اعتبر في إجزائها الإيمان كان ذلك زيادة لا محالة. وقال قاضي القضاة: هو تخصيص، لأن إطلاق الرقبة يقتضي إجزاء المؤمنة، والكافرة، والتقييد بالإيمان يخرج الكافرة، فكان تخصيصا لا محالة. قال: وفائدة هذا الخلاف أن من قال: زيادة، يمنع الحمل بالقياس، لأن هذه الزيادة نسخ، والنسخ بالقياس لا يجوز، ومن قال: تخصيص جواز الحمل بالقياس وخبر الواحد. ليس هذا بخلاف في الحقيقة، فالقاضي أراد أن التقيد بالصفة نقصان في المعنى، وأبو عبد الله أراد زيادة في اللفظ. ا هـ.
وقال الغزالي في "المنخول": القائلون بالقياس اختلفوا، فقيل: لا يجوز الاستنباط من محل التقييد، فليكن من محل آخر، وهو عدم إجزاء المرتد بالإجماع. قال: وهذا باطل، فإن المستنبط من محل التقييد إن كان محلا صالحا قبل، وإلا فهو باطل، لعدم الإحالة.
والمذهب الثالث : قال الماوردي: وهو أولى المذاهب، أنه يعتبر أغلظ حكمي المطلق والمقيد، فإن كان حكم المطلق أغلظ حمل على إطلاقه، ولم يقيد إلا بدليل، وإن كان حكم المقيد أغلظ، حمل المطلق على المقيد، ولم يحمل على إطلاقه إلا بدليل، لأن التغليظ إلزام، وما تضمنه الإلزام لم يسقط التزامه بالاحتمال.
المذهب الرابع : التفصيل بين أن يكون صفة، فيحمل كالإيمان في الرقبة، أو ذاتا فلا يحمل، كالتقييد بالمرافق في الوضوء دون التيمم وهو حاصل كلام الأبهري وسيأتي ما فيه.
المذهب الخامس : أنه لا يحمل عليه أصلا، لا من جهة القياس، ولا من جهة اللفظ، وهو مذهب الحنفية، وحكاه القاضي عبد الوهاب في الملخص عن أكثر المالكية بعد أن قال: الأصح عندي الثاني. قال ابن السمعاني في "الاصطلام": وعلله الحنفية بأن تقييد الخطاب بشيء في موضع، لا يوجب تقييد مثله في موضع آخر، كما أن تخصيص العموم في موضع لا يوجب تقييد العموم في موضع آخر، ولو وجب حمل المطلق على المقيد بظاهر الخطاب لم يكن ذلك بأولى من حمل المقيد على المطلق بظاهر الورود، وهذا لأن التقييد له حكم، والإطلاق له حكم، وحمل أحدهما على صاحبه مثل حمل صاحبه عليه. لأن كل واحد منهما ترك الخطاب من تقييد أو إطلاق. ا هـ.
قال في "المعتمد": واختلفوا في سبب المنع، فقيل: لأن تقييده بالإيمان زيادة على النص، والزيادة على النص نسخ، والنسخ لا يجوز تقييده بالقياس. وقيل: لأن تقييده بالإيمان زيادة على حكم قصد استيفاؤه. وقيل: تخصيصه بالإيمان هو تخصيصه بحكم قد قصد استيفاؤه.
وقال في "المنخول": اختلفوا في وجه النسخ، فقيل: لأن فيه شرط الإيمان والنص لا يقتضيه. وقال المحققون: اقتضى النهي إجزاء ما يسمى رقبة، فشرط الإيمان بغير مقتضى النص. قال: وهذا يقوى لهم في مسألة النية في الوضوء، فإن الله تعالى تولى بيان أفعال الوضوء وأركانه، فاقتضى ذلك وقوع الإجزاء بتحصيل ما تعرض له، وشرط النية زيادة عليه. وقال الشافعي: الزيادة على النص تخصيص، وإنما قال ذلك، لأنه يسمي الظاهر نصا. وقال القاضي أبو بكر: وقد بينا أن التقييد بالقياس وغيره نقصان لا زيادة. فإن الزيادة على النص فيها ما هو نسخ، وما ليس بنسخ.
الوجيز في أصول الفقه الإسلامي - د. محمد مصطفى الزحيلي - (2/ 42)
حمل المطلق على المقيد:
معناه بيان المقيد للمطلق، أو تقييد المطلق بالمقيد، وذلك إذا ورد نصان أحدهما مطلق والثاني مقيد، فاتفق العلماء على جواز حمل المطلق على المقيد في حالات، ومنعه في حالات، ولكن عند حمل المطلق على المقيد اختلفوا في صوره وشروطه.والإطلاق والتقييد إما أن يكونا في سبب الحكم أو في الحكم، فهاتان حالتان أساسيتان، وإذا كان في الحكم فله أربع صور.