الإبهاج في شرح المنهاج للسبكي -(ج: 1) - (ص: 368).
وهذا الثالث: أعني مفهوم الموافقة تارة يكون أولى بالحكم من المنطوق كدلالة تحريم التأفيف من قوله تعالى: على تحريم الضرب وسائر أنواع الأذى الذي هو أبلغ من التأفيف وتارة يكون مساويا له كدلالة جواز المباشرة من قوله تعالى: على جواز أن يصبح الرجل صائما جنبا لأن لو لم يجز ذلك لما جاز للصائم مد المباشرة إلى طلوع الفجر بل كان يجب قطعها مقدار ما يسع فيه الغسل قبل طلوع الفجر وإنما ذكر المصنفين مثالين ليعلم أن مفهوم الموافقة قد يكون أولى بالحكم كالمثال الأول وقد يكون مساويا كالثاني وهذا هو المختار.
تحفة المسؤول شرح مختصر منتهى السول للرهوني - (ج: 3) - (ص: 324).
العدة لأبي يعلى الفراء - (ج: 4) - (ص: 1333 ، 1334).
مسألة: دلالة مفهوم الموافقة
فأما الحكم الثابت من طريق التنبيه فلا يسمى قياسًا، وإنما هو مفهوم الخطاب وفحواه، نحو قوله تعالى: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ) إن الضرب ونحوه من الإضرار بالوالدين ممنوع منه بمعنى اللفظ. وكذلك قول
النبي - صلى الله عليه وسلم -: (أربع لا تجوز في الضحايا، العوراءُ البَين عَوَرُها، والعرجاءُ البَيِّنُ عَرَجُها ...) فلما نصَّ على العوراء، كانت العمياء مثلها في المعنى لمعنى اللفظ.
روضة الناظر وجنة المناظر للمقدسي -(ج: 1) - (ص: 263).
الضرب الثالث: التنبيه
وهو: فهم الحكم في المسكوت من المنطوق بدلالة سياق الكلام ومقصوده ومعرفة وجود المعنى في المسكوت بطريق الأولى، كفهم تحريم الشتم والضرب من قوله تعالى: ولا بد من معرفتنا المعنى في الأدنى ومعرفة وجوده في الأعلى فلولا معرفتنا أن الآية سيقت للتعظيم للوالدين لما فهمنا منع القتل إذ يقول السلطان إذا أمر بقتل ملك لمنازعته له في ملكه: اقتله ولا تقل له: أف، ويسمى مفهوم الموافقة وفحوى اللفظ.
شرح الكوكب المنير لتقي الدين الفتوحي -(ج: 3) - (ص: 482 : 484).
فالمفهوم نوعان, أحدهما: مفهوم موافقة والثاني: مفهوم مخالفة ، أشير إلى أولهما بقوله: "فإن وافق" أي وافق المسكوت عنه المنطوق في الحكم "ف" هو "مفهوم موافقة، و يسمى فحوى الخطاب ولحنه" أي لحن الخطاب.
فلحن الخطاب: ما لاح في أثناء اللفظ "و"يسمى أيضًا "مفهومه" أي مفهوم الخطاب. قاله القاضي أبو يعلى في العدة، وأبو الخطاب في التمهيد.
"وشرطه" أي شرط مفهوم الموافقة "فهم المعنى" من اللفظ "في محل النطق" و "أنه" أي المفهوم "أولى" من المنطوق "أو مساو" له.
وبعضهم يسمي الأولوي بفحوى الخطاب، والمساوي بلحن الخطاب.
فمثال الأولوي: ما يفهم من اللفظ بطريق القطع؛ كدلالة تحريم التأفيف على تحريم الضرب؛ لأنه أشد.
ومثال المساوي: تحريم إحراق مال اليتيم الدال عليه قوله تعالى: فالإحراق مساوٍ للأكل بواسطة الإتلاف في الصورتين.
وقيل: إن الفحوى: ما نبه عليه اللفظ، واللحن: ما يكون محالًا على غير المراد في الأصل والوضع.
إذا عرفت ذلك:
فتحريم الضرب من قوله تعالى: من باب التنبيه بالأدنى، وهو التأفيف، على الأعلى، وهو الضرب، وتأدية ما دون القنطار من قوله تعالى: من باب التنبيه بالأعلى، وهو تأدية القنطار، على الأدنى وهو تأدية ما دونه.
"وهو" أي مفهوم الموافقة "حجة".
قال ابن مفلح: ذكره بعضهم إجماعًا؛ لتبادر فهم العقلاء إليه, واختلف النقل عن داود.
"ودلالته لفظية" على الصحيح.
نص عليه الإمام أحمد رضي الله عنه وحكاه ابن عقيل عن أصحابنا، واختاره أيضًا الحنفية والمالكية وبعض الشافعية وجماعة من المتكلمين.
وسماه الحنفية دلالة النص.
المهذب في علم أصول الفقه المقارن - د. عبد الكريم النملة - (4/ 1743)
المسألة الأولى: في تعريف مفهوم الموافقة:
مفهوم الموافقة هو: ما يكون مدلول اللفظ في محل السكوت موافقا لمدلوله في محل النطق.أو تقول: هو دلالة اللفظ على ثبوت حكم المنطوق به للمسكوت عنه وموافقته له نفيا وإثباتا.
مثل قوله تعالى: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ) فالمسكوت عنه - وهو تحريم ضرب الوالدين، وشتمهما - قد دلَّ عليه اللفظ المنطوق به وهو: تحريم التأفيف.
فتقول: إذا كان مجرد التأفيف قد حرم، فمن باب أوْلى أن يحرم ما لم ينطق به الشارع وهو: الضرب وكل ما هو أشد من التأفيف.
المهذب في علم أصول الفقه المقارن - د. عبد الكريم النملة - (4/ 1754، 1755)
هل مفهوم الموافقة له عموم؟
اختلف القائلون: إن دلالة مفهوم الموافقة دلالة لفظية في مفهوم الموافقة هل له عموم؛ على مذهبين:المذهب الأول: أن مفهوم الموافقة له عموم.
وهو مذهب بعض الحنفية كابن الهمام، وبعض الشافعية، وبعض الحنابلة.
وهو الحق عندي؛ لأنه يُعامل معاملة الملفوظ به، والملفوظ به قد يكون عاما، وقد يكون خاصا، لذلك تجد مفهوم الموافقة - بناء على ذلك - ينسخ وينسخ به.
المذهب الثاني: أنه لا عموم لمفهوم الموافقة.
وهو مذهب بعض الشافعية كالغزالي، وبعض الحنابلة، وجمهور الحنفية.دليل هذا المذهب: أن العموم من أوصاف اللفظ، ولا لفظ في مفهوم الموافقة؛ حيث إنه فحوى اللفظ ومعناه اللغوي.
جوابه: أن مفهوم الموافقة هو كالملفوظ به سواء بسواء، بل قد يكون الحكم في المسكوت عنه أوْلى من الحكم في المنطوق به - كما قلنا فيما سبق، وإذا كان الأمر كذلك؛ فإنه يجري عليه ما يجري على الألفاظ.
بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا لفظي، لا ثمرة له؛ حيث لا تترتب عليه فائدة بالنظر إلى إثبات الحكم تحليلاً وتحريما: فمفهوم الموافقة يتحقق في جميع صور إيذاء الوالدين من قتل وضرب وشتم ونحو ذلك، فيكون حكمها التحريم، وذلك فهمناه من حرمة التأفيف في قوله تعالى: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ) ، ولكن بعضهم قال: أخذنا ذلك من عموم مفهوم الموافقة، والبعض الآخر يقول: أخذنا ذلك عن طريق عموم اللفظ المنطوق به.
الوجيز في أصول الفقه الإسلامي - د. محمد مصطفى الزحيلي - (2/ 154)
مفهوم الموافقة:
هو دلالة اللفظ على ثبوت حكم المنطوق به للمسكوت عنه، نفيًا وإثباتًا، لاشتراكهما في معنى يُدرك من اللفظ بمجرد معرفة اللغة، دون الحاجة إلى بحث واجتهاد، وسمي مفهوم موافقة، لأن المسكوت عنه موافق للمنطوق في الحكم، ويسمى دَلالة النص عند الحنفية، وسبقت أمثلته.ثم إن كانت العلة في المسكوت عنه أولى بالحكم من العلة في المنطوق سمي المفهوم: فَحْوى الخطاب، كتحريم الضرب للوالدين المستفاد من قوله تعالى: { فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: 23]، فهو أولى من تحريم التأفف.
وإن كانت العلة في المسكوت عنه مساوية للحكم في المنطوق، سمي المفهوم: لَحْن الخطاب، كتحريم إحراق مال اليتامى المساوي لتحريم الأكل في قوله تعالى: { إِ نَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا } [النساء: 10]، فالإحراق مساوٍ للأكل.