فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت - (ج: 2) - (ص: 433).
(ومنها: مفهوم العدد) وهو نفي الحكم الثابت بعدد معين عما زاد عليه(كقوله) تعالى: فيفهم منه عدم جلد ما زاد على ثمانين. (واختلف الحنفية فيه) فيه (فمنهم نكر) له كالإمام فخر الإسلام وشمس الأئمة وغيرهما (كالبيضاوي) وإمام الحرمين والقاضي أبى بكر كلهم الشافعية ونفي الزيادة على ثمانين بعدم الدليل، والأصل عدم إيجاع المسلم من غير حق كما يشهد به قوله عليه وعلى آله الصلاة والسلام: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) (ويؤيده الزيادة على الخمس الفواسق) المذكورة في حديث: (خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح العقرب والفأرة والكلب العقور والغراب والحدأة) رواه الشيخان (كالذئب) فعلم أن حكم ما زاد مثله لا خلافة وهذا التأييد إنما يتم لو لم يكن الذئب داخلا في الكلب العقور، وقيل: المراد بالكلب العقور الذئب، وأما جوار قتل الكل العقور فلأنه ليس من الصيد، (ومنهم قائل) كالحاوي وقال الشيخ أبو بكر الرازي: قد كنت أسمع كثيرًا من شيوخنا يقولون في المخصوص بالعديد يدل على إن ما عداه حكمه بخلافه كذا في التقرير كذا في الحاشية (ويؤيده ما في الهداية ردًّا على الشافعي) رحمه الله تعالى في إباحة قتل الأسد وغيره من السباع المؤذية (القياس على الفواسق ممتنع لما فيه من إبطال العدد هذا) وإنما يتم التأييد لو لم يكن إلزامًا، قيل: الرد غير تام لأنه ثابت بدلالة النص دون القياس والثابت بالدلالة ليس زيادة وأيضاً لو كان بالقياس فهو قاض على المفهوم فتدبر.
البحر المحيط في أصول الفقه للزركشي - (ج: 3) - (ص: 123 : 125).
النوع الخامس: مفهوم العدد
وهو تعليق الحكم بعدد مخصوص يدل على انتفاء الحكم فيما عدا ذلك العدد زائدًا كان أو ناقصًا، كقوله: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا"، وقوله تعالى: [النور: 4] وهو دليل مستعمل كالصفة سواء كما قال الشيخ أبو حامد، وابن السمعاني. ونقله أبو حامد عن نص الشافعي، وكذا القاضيان: أبو الطيب الطبري، والماوردي في باب بيع الطعام قبل أن يستوفى، وجرى عليه الإمام، والغزالي، وابن الصباغ في "العدة"، وسليم. قال: وهو دليلنا في نصاب الزكاة، والتحريم بخمس رضعات.
وقال ابن الرفعة في باب الجماعة من "المطلب": إنه العمدة لنا في عدم تنقيص الأحجار في الاستنجاء عن الثلاثة، والزيادة على ثلاثة أيام في خيار الشرط، وتعجبت من النووي في قوله: إن مفهوم العدد باطل عند الأصوليين.
قال: ولعله سبق الوهم إليه من اللقب، ونقله أبو الخطاب الحنبلي عن منصوص أحمد. وبه قال مالك، وداود.
وقال آخرون: لا يدل، وهو رأي منكري الصفة كالقاضي، وإمام الحرمين. وقد قال به صاحب الهداية من الحنفية. فقال في قوله: "خمس
فواسق، يقتلن في الحل والحرم" : إنه يبقى غيرها بالعدد. وأجاب عن "خمس رضعات" بأنه إنما لم ينتف تحريم الرضعة، لثبوته في إطلاق: "
أرضعنكم" الصريح.
وقال أبو بكر الرازي: كنت أسمع كثيرا من مشايخنا يقولون في المخصوص: إنه حجة، كقوله: "خمس فواسق". وقوله: "أحلت لنا ميتتان، ودمان"، فدل على أن غيرهما من الميتة غير مباح. ولقيت محمد بن شجاع قد احتج به، ولا أعرف جواب المتقدمين من أصحابنا عنه. قال: والقائلون بهذا فرقوا بين أن يصرح بالعدد كما ذكرنا فيكون حجة، وبين أن لا يصرح به كقوله: "الذهب بالذهب مثلا بمثل" ، إلى آخر الأصناف الستة فلا يدل على أن ما عداه بخلافه، لأنه لم يقل: إن الربا في الستة، كما قيل: خمس يقتلهن المحرم.
وقال الأستاذ أبو إسحاق: اختلف أصحاب أبي حنيفة في العدد إذا ورد مقرونا باللفظ، فذهب بعضهم إلى أنه ليس بحجة، ثم ناقضوا أصلهم في الزيادة على النص، فجعلوه أقوى النصين، ومنعوا من الزيادة عليه بالقياس، كقوله تعالى: [النور: 4] وقالوا: إنه يدل على سقوط التغريب.
وممن أنكر العدد الإمام الرازي بعد تفصيل سبقه إليه أبو الحسين في "المعتمد"، ونبه عليه الآمدي أيضا. وحاصله أنه لا يدل، فإنه قال: الحكم المقيد بعدد إن كان معلول ذلك العدد ثبت في الزائد لوجوده فيه كما في جلد مائة، أو حكم بأن القلتين يدفعان حكم النجاسة وإلا يلزم كما أوجب مائة جلدة. والناقص عن ذلك العدد، إن كان داخلا فيه وكان الحكم إيجابا أو إباحة ثبت فيه، كما أوجب أو أباح جلد مائة، وإن كان تحريما فلا يلزم. وإن لم يكن داخلا فيه، كالحكم بشهادة شاهد واحد، فإنه لا يدخل في الحكم بشهادة شاهدين، فالتحريم قد ثبت فيه بطريق الأولى، والإيجاب والإباحة لا يلزمان قال: فثبت أن قصر الحكم على العدد لا يدل على نفيه عما زاد أو نقص إلا بدليل.
أصول الفقه لابن مفلح - (ج: 3) - (ص: 1096 ، 1097).
مفهوم العدد الخاص -كـ - قال به أحمد وأكثر أصحابه ومالك وداود وبعض الشافعية ، وذكره أبو المعالي عن الشافعي، واختياره: أنه من قسم الصفات -وكذا قال أبو الطيب وغيره- لأن قَدْر الشيء صفته.
ونفاه الحنفية والمعتزلة والأشعرية وأكثر الشافعية، واختاره القاضي في جزء صنفه في المفهوم، وذكره أبو الخطاب عن أبي إِسحاق من أصحابنا في مسألة: "الزيادة على النص هل هي نسخ؟ ".
القائل به: ما سبق في الصفة من قوله: (لأزيدن على السبعين)، ولئلا يعرى عن فائدة.
المهذب في علم أصول الفقه المقارن - د. عبد الكريم النملة - (4/ 1786: 1789)
مفهوم العدد:
إذا خصص الحكم بعدد معين وقيد به، فهل يدل هذا على نفي ذلك الحكم عن غير ذلك العدد، سواء كان ذلك الغير زائداً عليه أو ناقصاً عنه أو لا؟ اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن مفهوم العدد حُجَّة.أي: أن تقييد الحكم بعدد مخصوص يدل على نفي ذلك الحكم فيما عدا ذلك العدد، سواء كان زائداً أو ناقصا.
وهو مذهب أكثر القائلين بمفهوم المخالفة، وهو اختيار بعض الحنفية، وداود الظاهري، وبعض الشافعية، وعلى رأسهم الإمام الشافعي.
وهو الحق عندي لكن بشرط وهو: أن لا يكون قد قصد بالعدد التكثير أو المبالغة نحو قولك: " جئتك ألف مرة ولم أجدك ".
والأدلة على حجية مفهوم العدد هي كما يلي: الدليل الأول: أن قتادة - رضي اللَّه عنه - قال: لما نزل قوله تعالى: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ) ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "قد خيرني ربي فواللهِ لأزيدن على السبعين "، ففهم النبي - صلى الله عليه وسلم - من الآية أن نفي المغفرة مقيد بالسبعين، فإذا زاد العدد عن السبعين فقد انتفى الحكم - وهو عدم المغفرة - رجاء أن يبدله بحكم آخر وهو المغفرة، ولذلك قال: لأزيدن على السبعين فيكون تخصيص الحكم بعدد "، على نفي الحكم عن غير هذا العدد المعين.
ما اعترض به على هذا الدليل: الاعتراض الأول: أن هذا الحديث ضعيف لم يدون في الصحاح، والحديث الضعيف لا يحتج به في إثبات قاعدة أصولية، قال ذلك أبو بكر الباقلاني، وإمام الحرمين، وأشار إليه الغزالي.
جوابه: إن هذا غير مسلَّم، بل أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب التفسير، باب: قوله: (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ...) عن ابن عمر - رضي اللَّه عنهما - قال: لما توفى عبد اللَّه بن أُبي جاء ابنه إلى رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه، فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - ليصلي فقام عمر فأخذ بثوب رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول اللَّه، تصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه، فقال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: "إنما خيرني اللَّه فقال: (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة ) ، وسأزيد على السبعين "، وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب فضائل الصحابة، باب: من فضائل عمر، وأخرجه الترمذي، والنسائي.
إذن: يكون الحديث صحيحا؛ حيث إن أصح الأحاديث ما اتفق عليه البخاري ومسلم، وهذا قد اتفق عليه البخاري ومسلم.
الاعتراض الثاني: على فرض صحته، فإنه خبر واحد؛ وخبر الواحد لا يقوى على إثبات قاعدة أصولية كمفهوم العدد.
جوابه: إن خبر الواحد يثبت القاعدة الأصولية إذا كانت وسيلة إلى العمل مثل هذه القاعدة، كما قلنا ذلك أكثر من مرة.
الدليل الثاني: أن الحكم لو ثبت فيما زاد على العدد المذكور لم يكن لذكر العدد فائدة، وكلام الشارع لا يجوز أن يعرى عن الفائدة ما أمكن، كما لا يجوز أن يخلى ذكر الصفة، والشرط عن الفائدة، فثبت أن فائدة ذكر العدد هي: أن ينفى الحكم عما عدا المقيد بعدد، وهذا هو مفهوم العدد.
الدليل الثالث: أن الأمة قد عقلت من تحديد حد القاذفِ بثمانين نفي وجوب الزيادة، وعدم جواز النقصان.
المذهب الثاني: أن مفهوم العدد ليس بحُجَّة.
أي: أن تقييد الحكم بعدد مخصوص لا يدل على نفي ذلك الحكم فيما عدا ذلك العدد.
وهو مذهب أبي حنيفة، وأكثر الحنفية، وأكثر الشافعية كالآمدي، وفخر الدين الرازي، وأكثر المعتزلة، وأكثر الظاهرية.
دليل هذا المذهب: أن تعليق الحكم على العدد لا يدل على نفيه عما زاد، ولا عما نقص، لاحتمال أن يكون في تعليقه بذلك العدد فائدة سوى نفيه عما زاد أو نقص.
جوابه: لا شك أنه توجد فوائد كثيرة في تعليق الحكم على العدد - كما قلنا فيما سبق - ولكن أقوى الفوائد انقداحا في الذهن وأقربها إليه هو: أنه يدل على نفي الحكم عما زاد أو نقص، وهذا هو مفهوم العدد.
تنبيه: أكثر الأدلة على حجية مفهوم الصفة والشرط تصلح للاستدلال بها على حجية مفهوم العدد، وأكثر أدلة المخالفين فيهما تصلح للاستدلال بها على عدم حجية هذا المفهوم، والجواب نفس الجواب.
الوجيز في أصول الفقه الإسلامي - د. محمد مصطفى الزحيلي - (2/ 161، 162)
مفهوم العدد:
هو دلالة النص الذي قيد فيه الحكم بعدد مخصوص على ثبوت حكم للمسكوت مخالف لحكم المنطوق؛ لانتفاء ذلك القيد.
مثاله: قوله تعالى: { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2]، وقوله تعالى: { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور: 4]، فالجلد تقيّد في الآية الأولى بمئة، وفي الثانية بثمانين، فيدل بالمنطوق أن العقوبة مائة في الأولى، وثمانين في الثانية، ويدل بمفهوم المخالفة على أن الزائد عليها لا يجب.
ومثله: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا بلغَ الماءُ قُلَّتينِ لم يَحْمل خَبَثًا" وفي رواية: "لم يَنْجُس"، فيدل بالمنطوق أن الماء الكثير لا ينجس إذا أصابته نجاسة إلا إذا تغير طعمه أو لونه أو رائحته، ويدل بمفهوم المخالفة على أن الماء القليل، وهو دون القلتين يتنجس بملاقاة النجاسة.
حجية مفهوم العدد:
يرى جمهور الفقهاء والمتكلمين على أن الحكم المتعلق بعدد يدل بمجرده على إثبات العدد، ويدل في ذات الوقت على نفي الزائد، وقال الحنفية والمعتزلة بعدم دلالة العدد في النّص على نفي الحكم عن غيره، ومحل الخلاف في عدد لم يُقصد به التكثير كالألف والسبعين، وما يستعمل في لغة العرب للمبالغة، كما سيأتي في شروط مفهوم المخالفة، والراجح القول الأول؛ لأن حكم المنطوق تعلق بعدد مخصوص، وحتى لا يخلو التحديد من فائدة، ولذلك قال الشوكاني رحمه اللَّه تعالى: "والحق ما ذهب إليه الأولون، والعمل به معلوم من لغة العرب، ومن الشرع".