فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت - (ج: 2) - (ص: 433).
(ومنها: مفهوم الغاية
قال به القاضي) من الشافعية (وعبد الجبار) من المعتزلة (أيضاً) كما قال به كل من يقول بمفهوم الصفة والشرط، (والمشهور) في تفسير مفهوم الغاية (أنه نفي الحكم فيما بعد الغاية، فقالوا) في الاستدلال: (لو لم يكن) مفهوم الغاية مفهومًا (لم تكن الغاية غاية) إذ لو تناول الحكم لما بعدها لم يكن الحكم منتهيًا إليها.
(وقيل: النزاع في نفس الغاية) فالقائل بمفهومها يقول بانتفاء الحكم فيها ومن لا فلا (لا فيما بعدها وعلى هذا الملازمة ممنوعة) كيف وقد مر الخلاف في أن الغاية هل تدخل في حكم المُغَيَّا (وأيضًا) غاية ما لزم منه انتهاء حكم المتكلم فينقطع إليه الحكم النفسي و (انقطاع الحكم النفسي بهذا الكلام مسلم لكن لا ينفعكم) فانه إنما يستلزم عدم التعرض فيها وفيما بعدها ولا يلزم منه انقطاع الحكم في الواقع (وأيضاً) نسلم انتفاء الحكم فيها وفيما بعدها لكن لا يلزم المفهومية لجواز أن يكون) هذا النفي (إشارة كما هو قول مشايخنا) الكرام من الإمام فخر الإسلام وشمس الأئمة ومن تبعهما وتحقيقه أن مقصود المتكلم إفادة الحكم منتهيا إلى الغاية ويلزمه انتفاء الحكم فيما بعدها فيفهم انفهام اللوازم الغير المقصودة والمفهوم إنما يلزم لو كان مقصود للمتكلم ولو في الجملة فافهم.
تحفة المسؤول شرح مختصر منتهى السول للرهوني - (ج: 3) - (ص: 355).
قال: (مفهوم الغاية
قال به بعض من لا يقول بالشرط, كالقاضي وعبد الجبار.
القائل به: ما تقدم, وبأن معنى «صوموا إلى أن تغيب الشمس»: آخره غيبوبة الشمس, فلو قدر وجوب بعده لم يكن آخرًا).
أقول: أما مفهوم الغاية, فقال به بعض من لا يقول بالشرط والصفة, فهو أقوى منهما, كالقاضي منا, وعبد الجبار من المعتزلة.
احتج القائل به: بما تقدم في الصفة وبدليل يخصه وهو: أن قول القائل: «صوموا إلى أن تغيب الشمس» معناه: آخر وجوب الصوم غيبوبة الشمس, فلو قدرنا ثبوت الوجوب بعد أن غابت الشمس, لم تكن الغيبوبة آخرًا, وهو خلاف المنطوق.
البحر المحيط في أصول الفقه للزركشي - (ج: 3) - (ص: 130 ، 131).
النوع التاسع : مفهوم الغاية ومد الحكم بإلى وحتى، كقوله: [البقرة: 187] [البقرة: 222] وقوله: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه
الحول" يدل على الوجوب عند الحول، لأن الحول جعل غاية للشيء، وغاية الشيء آخره. وقد نص الشافعي على القول به، فقال في "الأم": وما جعل الله له غاية، فالحكم بعد مضي الغاية فيه غيره قبل مضيها. ثم مثل بقوله تعالى: [النساء: 101] الآية. وكان في شرط القصر لهم بحالة موصوفة دليل على أن حكمهم في غير تلك الصفة غير القصر. ا هـ.
وقد اعترف به جمع من منكري المفهوم الشرطي، كالقاضي أبي بكر، والغزالي، والقاضي عبد الجبار، وأبي الحسين. وإليه ذهب معظم نفاة المفهوم كما قاله القاضي، وابن القشيري، وحكى ابن برهان، وصاحب "المعتمد" الاتفاق عليه. وقال سليم: لم يختلف أهل العراق في ذلك.
وخالف الأشعرية في ذلك.
وقال القاضي في "التقريب": صار معظم نفاة دليل الخطاب إلى أن التقييد بحروف الغاية يدل على انتفاء الحكم وراء الغاية، ثم قال: وكنا قد نصرنا إبطال حكم الغاية في كتب، والأوضح عندنا الآن القول بها، فإذا قال: اضرب عبدي حتى يتوب، اقتضى ذلك بالوضع الكف عن ضربه إذا تاب، ولهذا أجمعوا على تسميتها حروف الغاية، وغاية الشيء نهايته. فلو ثبت الحكم بعدها لم تفد تسميتها غاية.
قال: وهذا من توقيف اللغة معلوم، فكان بمنزلة قولهم: تعليق الحكم بالغاية موضوع للدلالة على أن ما بعدها بخلاف ما قبلها. واحتج القاضي أيضا بالاتفاق على أنك تقدر في غاية الطهر فتقول في: [البقرة: 222] تقديره فاقربوهن، وفي: [البقرة: 230] فتحل، ونحو ذلك، وهذا الكلام من القاضي يقتضي أن مذهبه أن ثبوت الحكم فيما بعد الغاية من جهة المنطوق لا المفهوم فتنبه لذلك.
وكذا قال العبدري في "المستوفى"، وابن الحاج في تعليقه على "المستصفى": عد الأصوليين المغيا "بإلى، وحتى" في المفهوم جهل بكلام العرب، فإن المخالف بما يقتضيه "حتى وإلى" لا من جهة المفهوم. قلت: ويلزمهم أن يقولوا بذلك في الشرط، فإن الجزاء مرتبط به عند أهل اللسان، وهو غير مستقل بنفسه كالغاية.
وذهب الآمدي وطائفة من الحنفية إلى المنع تصميما على إنكار المفهوم. ونقله المازري عن الأزدي تلميذ القاضي أبي بكر. وقد سبق في التخصيص بالغاية ما يستدعي تجديد العهد به هاهنا.
والحاصل: أن الخلاف هنا كخلاف مفهوم الحصر، قيل: لا يفيد. وقيل: منطوق. وقيل: مفهوم.
أصول الفقه لابن مفلح - (ج: 3) - (ص: 1093 ، 1094).
مفهوم الغاية: - نحو: - أقوى من الشرط، فلهذا قال به من لا يقول به كقوم من الحنفية وعبد الجبار المعتزلي.
وأكثر الحنفية وجماعة من الفقهاء والمتكلمين والتميمي من أصحابنا -ذكره عنه ابن شهاب من أصحابنا- والآمدي وغيرهم: على المنع.
قال الحنفية: هو من قبيل الإِشارة، وهي: ما استفيد من اللفظ غير مقصود به -كما سبق - لا المفهوم.
القائل به: ما سبق في الصفة.
المهذب في علم أصول الفقه المقارن - د. عبد الكريم النملة - (4/ 1783: 1785)
مفهوم الغاية:
مد الحكم إلى غاية ونهاية محددة بواسطة لفظ " إلى "، كقوله تعالى: (ثم أتموا الصيام إلى الليل) ، أو بلفظ " حتى "، كقوله تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) ، أو مد الحكم بصريح الكلام كقولك: " صوموا صوماً آخره الليل "، هل يدل على نفي الحكم فيما بعد الغاية أو لا؟ لفد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن مفهوم الغاية حُجَّة.
أي: أن الحكم إذا قيد بغاية، فإن ذلك يدل على نفي الحكم فيما بعد الغاية، فحكم ما بعد الغاية يخالف ما قبلها.وهو مذهب القائلين بمفهوم الشرط، وبعض المنكرين له كالقاضي أبي بكر، والقاضي عبد الجبار، والغزالي.
وهو الحق عندي؛ لما يلي من الأدلة: الدليل الأول: أن ما بعد الغاية في مثل قوله تعالى: (فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) ، وقوله: (وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) ليس كلاماً تاماً، ولا يستقل بنفسه؛ لأنه لو ابتدأ قائلاً: " حتى تنكح زوجاً غيره "، و " حتى يطهرن "، وسكت، لم يحسن السكوت عليه، ولا يصح ذلك حتى يتعلق بما قبله، وهو قوله: (فلا تحل له) ، وقوله: (ولا تقربوهن) .
إذن: لا بد فيه من إضمار، وذلك الإضمار إما ضد ما قبله أو غيره.
أما الثاني - وهو: أن يضمر غير الضد - فهو باطل؛ لأنه ليس في الكلام ما يدل عليه عيناً.
فتعيَّن الأول - وهو: "إضمار الضد - فيكون تقدير الكلام في المثال الأول: " فلا تقربوهن حتى يطهرن فاقربوهن "، وتقدير الكلام في المثال الثاني: " حتى تنكح زوجا غيره فتحل له "، فإذا ثبت ذلك في هذه الصورة ثبت في غيرها لعدم القائل بالفرق.
الدليل الثاني: أن ما بعد الغاية يقبح الاستفهام عنه، فلو قال السيد لعبده: " لا تعط زيداً درهما حتى يقوم "، و " اضرب عمراً حتى يتوب "، فإنه يقبح من العبد أن يسأل ويقول: إذا قام هل أعطيه درهما؛ وإذا تاب هل أضربه؟ وسبب هذا القبح هو: أن الجواب قد فهم بدون ذلك، فالسؤال يكون تحصيل حاصل، فلو لم يفهما لما قبح الاستفهام عنهما.
الدليل الثالث: أن غاية الشيء: نهايته، ونهاية الشيء: منقطعه، ومعروف أن الشيء إذا انقطع وانتهى صار خاصا بحكم، وصار ما بعده خاصا بحكم آخر، وهو ضده، وإن لم يكن ضده لم يتحقق مفهوم الغاية، ففي الأمثلة السابقة: ضد تحريم الزوجة بعد الطلقة الثالثة هو: حلها بعد الزواج بزوج آخر، وضد وجوب الصوم في النهار هو: عدم وجوبه في الليل، وضد عدم قربان الزوجة قبل الطهر هو: حلها بعد الطهر.
المذهب الثاني: أن مفهوم الغاية ليس بحُجَّة.
أي: أن الحكم إذا قيد بغاية فإنه لا يدل على نفي هذا الحكم فيما بعد الغاية، وهو مذهب كثير من الحنفية، وبعض الشافعية كالآمدي، وبعض المالكية كالباجي.
دليل هذا المذهب: أن النطق واللفظ خاص بحكم ما قبل الغاية، أما ما بعد الغاية فهو مسكوت عنه: لم يتعرض له اللفظ والنطق لا بنفي، ولا بإثبات، فيبقى على النفي الأصلي، وهو الأصل فتبقى الذمة بريئة من التكليف فيه.
جوابه: نسلم لكم أن الأصل هو بقاء الذمة بريئة من التكاليف، ولكن إذا جاء دليل يغير هذه الحالة ويرفع هذا الأصل أخذنا به، وعندنا قد قام دليل على أن حكم ما بعد الغاية يكون ضد ما قبلها، وهي الأدلة الثلاثة السابقة الذكر.
الوجيز في أصول الفقه الإسلامي - د. محمد مصطفى الزحيلي - (2/ 160، 161)
مفهوم الغاية:
هو دلالة اللفظ الدال على حكم مقيد بغاية على ثبوت نقيض الحكم بعد هذه الغاية، وللغاية لفظان: إلى، حتى، والغاية انتهاء الشيء وتمامه، وحكم الغاية أن يكون ما بعدها مخالفًا لما قبلها.مثاله: قوله تعالى: { وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187]، فتدل الآية بمنطوقها على إباحة تناول الطعام والشراب في الليل إلى الفجر، وتدل بالمفهوم المخالف على تحريم ذلك بعد الغاية، وهي طلوع الفجر، وتدل على جواز تناول المفطرات بدخول الليل بعد الإمساك عنها طوال النهار، وتدل بالمنطوق على وجوب الصيام بياض النهار، وتدل بالمفهوم المخالف على عدم وجوب الصيام في الليل.
ومثاله: قوله تعالى: { وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222]، فتدل الآية على تحريم إتيان النساء زمن الحيض، وقبل الاغتسال، وتدل بمفهوم المخالفة على جواز الإتيان بعد الحيض والاغتسال.
ومثاله: قوله تعالى: { فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: 230]، فتدل بالمنطوق على تحريم المطلقة ثلاثًا على زوجها حتى تتزوج بآخر، وتدل بمفهوم المخالفة على أنها إذا نكحت زوجًا آخر حلَّت لزوجها الأول.
ومثاله: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا زكاةَ في مَالٍ حتى يَحُولَ عليه الحَوْلُ"، فالحديث يدل بمنطوقه على عدم وجوب الزكاة قبل مرور سنة على تملك النصاب فيه، ويدل بمفهوم المخالفة على وجوب الزكاة عند حَوَلان الحَوْل على تملك النصاب.
حجية مفهوم الغاية:
قال جمهور العلماء من الفقهاء والمتكلمين: إن مفهوم الغاية حجة يجب الحمل بها، فإذا قُيّدَ الحكم بغاية دل على نفي الحكم فيما بعد الغاية، وأضافوا: إن دلالة مفهوم الغاية أقوى من مفهوم الصفة، وأقوى من مفهوم الشرط من جهة الدلالة؛ لأن العلماء أجمعوا على التسمية بحروف الغاية، وغاية الشيء نهايته، فلو ثبت الحكم السابق للغاية على ما بعدها لم يُفِدْ تسميتها غاية.
وقال أكثر الحنفية وبعض الفقهاء وبعض المتكلمين بمنع مفهوم الغاية، وأنه لا يدل على الحكم، والراجح القول الأول؛ لاتفاقه مع أسلوب اللغة العربية.