البحر المحيط في أصول الفقه للزركشي - (ج: 3) - (ص: 100 : 106).
فصل: شروط مفهوم المخالفة العائدة إلى المسكوت عنه
للقول بمفهوم المخالفة شروط، منها ما يرجع للمسكوت عنه، ومنها ما يرجع للمذكور.
فمن الأول: أن لا يكون المسكوت عنه أولى بذلك الحكم من المنطوق، فإن كان أولى منه كان مفهوم موافقة، أو مساويًا كان قياسًا جليًّا على الخلاف السابق.
ومنها: أن لا يعارض بما يقتضي خلافه، فيجوز تركه بنص يضاده وبفحوى مقطوع به يعارضه، كفهم مشاركة الأمة العبد في سراية العتق، فأما القياس فلم يجوز القاضي ترك المفهوم به مع تجويزه ترك العموم بالقياس، هكذا نقله في "المنخول".
قال: ولعله قريب مما اخترناه في المفهوم، فإنه تلقاء الظاهر، والعموم قد لا يترك بالقياس، بل يجتهد الناظر في ترجيح أحد الظنين منهما على الآخر، وكذلك القول في القياس إذا عارضه العموم. ا هـ.
والذي نقله الإمام عن القاضي التوقف في تجويز تخصيص العموم بالقياس.
وقال صاحب "الكبريت الأحمر": القول بالمفهوم عند تجرده عن القرائن، أما إذا اقترن بظاهر الخطاب قرينة، فإنه لا يكون لدلالة الخطاب
حكم بالإجماع.
وقال شارح "اللمع": دليل الخطاب إنما يكون حجة إذا لم يعارضه ما هو أقوى منه، كالنص والتنبيه، فإن عارضه أحد هؤلاء سقط، وإن عارضه
عموم صح التعلق بدليل الخطاب على الأصح. وإن عارضه قياس جلي قدم القياس. وأما الخفي فإن جعلناه كالنطق قدم دليل الخطاب، وإن
جعلناه كالقياس، فقد رأيت بعض أصحابنا يقدمون كثيرا القياس في كتب الخلاف، والذي يقتضيه المذهب أنهما يتعارضان.
قلت: وما صححه في معارضة العموم هي مسألة تخصيص العموم بالمفهوم،
لكن كلام الشافعي في "البويطي" يخالفه، فإنه قال: وإذا قتل الرجل صيدا عمدا أو خطأ ضمنه، والحجة في ذلك قوله تعالى: [المائدة: 95] والحجة في الخطأ قوله: [المائدة: 96] فدخل في هذا العمد والخطأ. ا هـ.
فقد قدم هذا العموم على مفهوم قوله: متعمدا.
ومن الفوائد ما نقله الخطابي وغيره عن الحسن البصري: لا يقتل الذكر بالأنثى، وهو شاهد لكن شبهته قوية. فإن مفهوم قوله تعالى: [البقرة: 178]. لا يعارض بالعموم الذي في قوله: [المائدة: 45]. لأن هذا خطاب وارد في غير شريعتنا، وهي مسألة مختلف فيها.
وما قاله في القياس الجلي فيه نظر، لأن القياس عموم معنوي، وإذا ثبت تقديم المفهوم على العموم اللفظي فتقديمه على المعنوي أولى. ويكون خروج صور المفهوم من مقتضى القياس كخروجها من مقتضى لفظ العموم.
ومنه حاجة المخاطب، كقوله تعالى: [الإسراء: 31] فذكر هذا القيد لحاجة المخاطبين إليه إذ هو الحامل لهم على قتلهم، لا لاختصاص الحكم به، ونظيره: [آل عمران: 130].
[شروط مفهوم المخالفة العائدة للمذكور]:
وأما الثاني فله شروط:
أحدها : أن لا يكون خارجًا مخرج الغالب مثل قوله تعالى: [النساء: 23]. فإن الغالب من حال الربائب كونهن في حجور أزواج أمهاتهن، فذكر هذا الوصف لكونه أغلب لا ليدل على إباحة نكاح غيرها.
وكذلك تخصيص الخلع بحال الشقاق لا مفهوم له، إذ لا يقع غالبًا في حال المصافاة والموافقة خلافًا لابن المنذر، وإذا لاح للتخصيص فائدة غير نفي الحكم فيما عدا المنطوق تطرق الاحتمال إلى المنطوق، فصار مجملا كاللفظ المجمل.
قال الشافعي: تعارض الفوائد في المفهوم، كتعارض الاحتمالات في المنطوق يكسبه نعت الإجمال، فكذلك تعارض الاحتمالات في المنطوق يكسبه نعت الإجمال، ولا يمكن أن يقال: إنه قصد بهذا التخصيص المغايرة دون اعتبار الفائدة الأخرى.
قال الشافعي: ولا حاجة إلى دليل في ترك هذا المفهوم. وقال الغزالي في "المنخول"1: المختار خلافه، إذ الشقاق يناسب الخلع، فإنه يدل على بعد الخلاف وتعذر استمرار النكاح، فلا ترفع الفحوى المعلومة منه بمجرد العرف، فلا بد من دليل، وإن لم يبلغ في القوة مبلغ ما يشترط في ترك مفهوم لا يقصد بالعرف، فإنه قرينة موهمة. ا هـ.
والصواب الأول، وهو المنصوص للشافعي. قال الشيخ تقي الدين في "شرح العنوان": والسبب فيه أن القول بالمفهوم منشؤه طلب الفائدة في التخصيص، وكونه لا فائدة إلا المخالفة في الحكم، أو تكون تلك الفائدة أرجح الفوائد المحتملة، فإذا وجد سبب يحتمل أن يكون سبب التخصيص بالذكر غير المخالفة في الحكم وكان ذلك الاحتمال ظاهرا، ضعف الاستدلال بتخصيص الحكم بالذكر على المخالفة، لوجود المزاحم الراجح بالعادة، فبقي على الأصل. قال: وهذا أحسن، إلا أنه يشكل على مذهب الشافعي في قوله: "في سائمة الغنم الزكاة" ، فإنه قال فيه بالمفهوم، وأسقط الزكاة عن المعلوفة، مع أن الغالب والعادة السوم، فمقتضى هذه القاعدة أن لا يكون لهذا التخصيص مفهوم. قلت: قد ذكر القفال الشاشي في كتابه هذا السؤال، وأجاب عنه بما حاصله: أن اشتراط السوم لم يقل به الشافعي من جهة المفهوم، بل من جهة أن قاعدة الشرع العفو عن الزكاة فيما أعد للقنية، ولم يتصرف فيه للتنمية، وإنما أوجب في الأموال النامية. هذا أصل ما تجب فيه الزكاة، فعلم بذلك أن السوم شرط. لكن القفال قصد بذلك نفي القول بالمفهوم مطلقا، وقد سبق رده.
على أن كلام الشافعي في "الأم" يخالف ذلك. فإنه قال في كتاب الزكاة: وإذا قيل: في سائمة الغنم كذا، فيشبه - والله أعلم - أن لا يكون في الغنم غير السائمة شيء، لأنه كلما قيل في شيء بصفة، والشيء يجمع صفتين، يؤخذ حقه كذا، ففيه دليل على أنه لا يؤخذ من غير تلك الصفة من صفتيه. قال الشافعي: فلهذا قلنا: لا نأخذ من الغنم غير السائمة صدقة الغنم، وإذا كان هذا في الغنم، فهكذا في الإبل والبقر، لأنها الماشية التي تجب فيها الصدقة دون ما سواها. ا هـ. فلم يجعل الشافعي الغلبة إلا لذكر الغنم حتى ألحق بها الإبل والبقر، ولم يجعل السوم غالبًا.
وقال ابن القشيري: قال الشافعي: الغرض من القول بالمفهوم أن لا يلغي القيد الذي قيد به الشارع كلامه، فإذا ظهر للقيد فائدة ما مثل إن خرج عن المعتاد الغالب في العرف كفى ذلك.
وذكر في "الرسالة" كلامًا بالغًا في هذا الباب. وقال: إذا تردد التخصيص بين تقدير نفي ما عدا المخصص، وبين قصد إخراج الكلام على مجرى العرف، فيصير تردد التخصيص بين هاتين الحالتين، كتردد اللفظ بين جهتين في الاحتمال، فيلحق بالمحتملات، كقوله تعالى: [البقرة: 282]. فاستشهاد النساء مع التمكن من إشهاد الرجال خارج على العرف لما في ذلك من الشهرة، وهتك الستر، وعسر الأمر عند إقامة الشهادة، فجرى التقييد إجراء للكلام على الغالب، وكقوله: [النساء: 101] في قصر الصلاة.
وخالفه إمام الحرمين، ورأى القول بالمفهوم في ذلك كله، وأن دليل الخطاب لم يثبت بمجرد التخصيص بالذكر، إذ لو كان كذلك للزم مثله باللقب، ولكن إنما دل على ذلك لما في الكلام من الإشعار على مقتضى حقائقه من كونه شرطا، فلا يصح إسقاط مقتضى اللفظ باحتمال يؤول إلى العرف. نعم، يظهر مسلك التأويل، ويخف الأمر على المؤول، في قرينة الدليل العاضد للتأويل.
وقد وافقه الشيخ عز الدين بن عبد السلام، وزاد فقال: ينبغي العكس، أي لا يكون له مفهوم إلا إذا خرج مخرج الغالب، وذلك لأن الوصف
الغالب على الحقيقة تدل العادة على ثبوته لتلك الحقيقة، فالمتكلم يكتفي بدلالة العادة على ثبوته لها عن ذكر اسمه، فإذا أتى بها مع أن العادة كافية فيها دل على أنه إنما أتى بها لتدل على سلب الحكم عما يفهم السامع أن هذه الصفة ثابتة لهذه الحقيقة.
وقد أجاب القرافي عن هذا بأن الوصف إذا كان غالبا كان لازما لتلك الحقيقة بسبب الشهرة والغلبة، فذكره إياه مع الحقيقة عند الحكم عليها لغلبة حضوره في الذهن لا لتخصيص الحكم به. وأما إذا لم يكن غالبا فالظاهر أنه لا يذكر مع الحقيقة إلا لتقييد الحكم به، لعدم مقارنته للحقيقة في الذهن حينئذ، فاستحضاره معه واستجلابه لذكره عند الحقيقة إنما يكون لفائدة، والفرض عدم ظهور فائدة أخرى، فيتعين التخصيص.
ونازع بعضهم في هذا الشرط أيضا، واعترض بالاستفسار. فقال: ما تريدون بالغالب؟ أعادة الفعل أم عادة التخاطب؟ فإن أريد عادة الفعل فلا نسلم إلا إذا صحبها عادة التخاطب، ودعوى أن عادة الفعل مستلزمة عادة التخاطب ضعيفة بمنع
تسليم اللزوم. ولأنه إثبات اللغة لغلبتها، وهو واه جدا. وإن أريد عادة التخاطب فإثباتها في موضع الدعوى عسير.
الثاني : أن لا يكون هناك عهد، وإلا فلا مفهوم له، ويصير بمنزلة اللقب من إيقاع التعريف عليه، إيقاع العلم على مسماه. وهذا الشرط يؤخذ
من تعليلهم إثبات مفهوم الصفة أنه لو لم يقصد نفي الحكم عما عداه لما كان لتخصيصه بالذكر فائدة. وقولهم في مفهوم الاسم إنه إنما ذكر لأن الغرض منه الإخبار عن المسمى فلا يكون حجة.
الثالث : أن لا يكون المذكور قصد به زيادة الامتنان على المسكوت، كقوله تعالى: [النحل: 14] فلا يدل على منع
القديد.
الرابع : أن لا يكون المنطوق خرج لسؤال عن حكم أحد الصنفين، ولا حادثة خاصة بالمذكور. ولك أن تقول: كيف جعلوا هنا السبب قرينة
صارفة عن إعمال المفهوم، ولم يجعلوه صارفا عن إعمال العام، بل قدموا مقتضى اللفظ على السبب وبتقدير أن يكون كما قالوه، فهلا جرى فيه خلاف: العبرة بعموم اللفظ أو بخصوص السبب؟ لا سيما إذا قلنا: إن المفهوم عام. ثم رأيت صاحب "المسودة" حكى عن القاضي أبي يعلى من أصحابهم فيه احتمالين، ولعل الفرق أن دلالة المفهوم ضعيفة تسقط بأدنى قرينة، بخلاف اللفظ العام.
ومن أمثلته قوله تعالى: [آل عمران: 130] فلا مفهوم للأضعاف إلا عن النهي عما كانوا يتعاطونه بسبب
الآجال، كان الواحد منهم إذا حل دينه يقول له: إما أن تعطي وإما أن تربي، فيضاعف بذلك أصل دينه مرارا كثيرة، فنزلت الآية على ذلك.
الخامس : أن لا يكون المذكور قصد به التفخيم وتأكيد الحال، كقوله: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد" فإن التقييد بالإيمان لا
مفهوم له، وإنما ذكر لتفخيم الأمر لا المخالفة، وكقوله صلى الله عليه وسلم: "الحج عرفة ". ويحتمل أن يكون منه: "إنما الربا في النسيئة" إذ
كان أصل الربا عندهم ومعظمه إنما هو النسيئة.
السادس : أن يذكر مستقلا، فلو ذكر على جهة التبعية لشيء آخر فلا مفهوم له، كقوله تعالى: [
البقرة: 187]. فإن قوله: "في المساجد" لا مفهوم له بالنسبة لمنع المباشرة، فإن المعتكف يحرم عليه المباشرة مطلقا.
السابع : أن لا يظهر من السياق قصد التعميم، فإن ظهر فلا مفهوم له كقوله تعالى: [البقرة: 284] لأنا نعلم أن
الله قادر على المعدوم الممكن، وليس بشيء، فإن المقصود بقوله: "كل شيء" التعميم في الأشياء الممكنة لا قصر الحكم.
الثامن : أن لا يعود على أصله الذي هو المنطوق بالإبطال، فلا يحتج على صحة بيع الغائب الذي عند البائع بمفهوم قوله: "لا تبع ما ليس
عندك" إذ لو صح، لصح بيع ما ليس عنده الذي نطق الحديث بمنعه، لأن أحدا لم يفرق بينهما.
وشرط الماوردي، والروياني أن يكون المنطوق معناه خاصا كقوله تعالى: [النساء: 43] إلى قوله: [النساء: 43] فتقييد التيمم بالمرض والسفر شرط في إباحته، فإن كان معناه عاما لم يكن له مفهوم، وسقط حكم التقييد، كتقييد الفطر بالخوف، والكفارة بقتل العمد. وقالا: عمم داود وأهل الظاهر الحكم في المقيد اعتبارا باللفظ، لأن الاعتماد على النصوص دون المعاني عندهم، وهذا غلط، لأن الله تعالى قال [الاسراء: 31] ولا يستباح قتلهم مع أمن إملاق.
وقال: [النور: 33] ولا يجوز الإكراه وإن لم يردن التحصن، فلما سقط حكم التقييد في هذا، ولم يصر نسخا، جاز أن يسقط غيره.
فإن قيل : إذا سقط التقييد كان مقيدا؟ قلنا: يحتمل ذكر التقييد مع سقوط حكمه أمورًا:
منها : أن يكون حكم المسكوت عنه مأخوذا من حكم المنطوق به، ليستعمله المجتهد فيما إذا لم يجد فيه نصا، فإن الحوادث غير منقرضة.
ومنها: أن يكون للتنبيه على غيره كما في قوله تعالى: [آل عمران: 75] فنبه بالقنطار على الكثير، وبالدينار على القليل، وإن كان حكم القليل والكثير سواء.
ومنها: أن يكون الوصف هو الأغلب من أحوال ما قيد به، فيذكره لغلبته، كقوله تعالى: [البقرة: 229] الآية وإن كانت مفاداة الزوجين تجوز مع وجود الحد وعدمه.
وإن احتمل هذه الأمور وغيرها وجب النظر في كل مقيد، فإن ظهر دليل على عدم تأثيره سقط حكم التقييد، وصار في عموم حكمه كالمطلق،
وإن عدم الدليل وجب حكمه على تقييد، وجعل شرطا في ثبوت حكمه.
التحبير شرح التحرير للمرداوي - (ج: 6) - (ص: 2894 : 2896).
وقوله: ، أي: يشترط في العمل بمفهوم المخالفة وهو إثبات خلاف المذكور للمسكوت شروط بعضها راجع للمسكوت، وبعضها للمذكور.
فمن الأول: ما بدأ به ابن الحاجب، وابن مفلح، وغيرهما، وتابعناهم أن لا تظهر فيه أولوية بالحكم من المذكور، ولا مساواة، فإن كان كذلك
كان حينئذ مفهوم الموافقة - كما سبق - لا مفهوم المخالفة.
من الثاني: أن يكون ، أي: لا يكون ذكر لكونه الغالب عادة، فأما إن جرى على الغالب فإنه لا يعتبر مفهومه،
كقوله تعالى: [النساء: 23] فتقييد تحريم الربيبة بكونها في حجره لكونه الغالب، فلا يدل على حل الربيبة التي ليست في حجره عند جماهير العلماء، منهم الأئمة الأربعة وغيرهم.
ومنه قوله تعالى: [المائدة: 95]، [البقرة: 229]، وقوله: " أيما امرأة نكحت نفسها بغير
إذن وليها " ونحوه.
قال الآمدي: ولا خرج مخرج الغالب اتفاقًا.
وقال داود: إنه شرط في تحريم الربيبة، وممن قال بذلك أيضًا علي بن أبي طالب، نقله عنه ألكيا الطبري في أحكامه.
ترجيحًا لما استقر به اللفظ على أكثريته العرفية. وقال: المفهوم من مقتضيات اللفظ فلا يسقطه موافقة الغالب.
وقد قال مالك باعتباره فلم يحرم الربيبة الكبيرة وقت التزوج بأمها في قوله له؛ لأنها ليست في حجره، وقال به علي - رضي الله عنه - فيما
أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره.
وقال ابن عبد السلام: القاعدة تقتضي العكس، وهو أن الوصف إذا خرج مخرج الغالب يكون له مفهوم بخلاف ما إذا لم يكن غالبا؛ وذلك لأن الوصف الغالب على الحقيقة تدل العادة على ثبوته لها عند ذكر اسمه، فذكره له إنما هو ليدل على سلب الحكم عما عداه؛ لانحصار غرضه فيه، ذكره السيوطي في شرح منظومته " جمع الجوامع "، فليراجع ويكمل.
وقال المجد في " المسودة ": يظهر أنه من مسالك التأويل فيخف على المتأول ما يبديه من الدليل العاضد.
شرح الكوكب المنير لتقي الدين الفتوحي -(ج: 3) - (ص: 489 : 497).
وللعمل بمفهوم المخالفة شروط، بعضها راجع للمسكوت عنه، وبعضها راجع للمذكور.
فمن الأول: ما أشار إليه بقوله "وشرطه: أن لا تظهر أولوية" بالحكم من المذكور "ولا مساواة في مسكوت عنه" إذ لو ظهرت فيه أولوية أو
مساواة، كان حينئذ مفهوم موافقة،
ومن الثاني: ما أشار إليه بقوله "ولا خرج مخرج الغالب" فأما إن خرج مخرج الغالب فلا يعتبر مفهومه، نحو قوله تعالى: فإن تقييد تحريم الربيبة بكونها في حجره -لكونه الغالب- لا
يدل على حل الربيبة التي ليست في حجره عند جماهير العلماء.
ومنه قوله سبحانه وتعالى: وقوله تعالى: ونحو ذلك.
وقال داود: إنه شرط في تحريم الربيبة.
وقال مالك باعتباره، فلم يحرم الربيبة الكبيرة وقت التزوج بأمها في قول له؛ لأنها ليست في حجره.
وقال به علي رضي الله عنه فيما أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره.
"ف" على اشتراط كون مفهوم المخالفة لا يكون خرج مخرج الغالب "لا يعم" ولهذا احتج العلماء من أصحابنا وغيرهم على اختصاص تحريم الربيبة بالحجر بالآية، وأجابوا بأنه لا حجة فيها، لخروجها على الغالب.
"و" من شرطه أيضا: أن "لا" يكون خرج "مخرج تفخيم" كحديث: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث" الحديث فقيد "الإيمان" للتفخيم في الأمر، وأن هذا لا يليق بمن كان مؤمنا.
"ولا" خرج اللفظ "جوابا لسؤال" يعني أنه إذا خرج اللفظ جوابا لسؤال لم يعمل بمفهومه، ذكره المجد في شرح الهداية في صلاة التطوع اتفاقًا.
مثل أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم: هل في الغنم السائمة زكاة؟ فلا يلزم من جواب السؤال عن إحدى الصفتين أن يكون الحكم على الضد في الأخرى، لظهور فائدة في الذكر غير الحكم بالضد.
وذكر القاضي في ذلك احتمالين:
أحدهما كالأول.
والثاني: أنه من باب ورود العام على سؤال أو حادثة صارفا له عن عمومه.
فإن قيل: لم جعلوا هنا السؤال والحادثة قرينة صارفة عن القول بهذا الحكم في المسكوت، ولم يجعلوا ذلك في ورود العام على سؤال أو
حادثة صارفا له عن عمومه على الأرجح، بل لم يجروا هنا ما أجروه هناك من الخلاف في أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؟
أجيب: بأن المفهوم لما ضعف عن المنطوق في الدلالة اندفع بذلك ونحوه, وقوة اللفظ في العام تخالف ذلك، ولقوة اللفظ في العام ادعى الحنفية أن دلالته على كل فرد من أفراده قطعية.
ومن شرط العمل بمفهوم المخالفة أيضا: أن لا يكون المنطوق ذكر "لزيادة امتنان" على المسكوت عنه، نحو قوله -جل وعلا- فلا يدل على منع القديد من لحم ما يؤكل مما يخرج من البحر كغيره "ولا لحادثة" يعني أنه يشترط أيضا في مفهوم المخالفة: أن لا يكون المنطوق خرج لبيان حكم حادثة اقتضت بيان الحكم في المذكور.
كما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بشاة لميمونة فقال: "دباغها طهورها".
وكما لو قيل بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم: لزيد غنم سائمة فقال: "في السائمة الزكاة" إذ القصد الحكم على تلك الحادثة، لا النفي عما عداها.
ومن هذا قوله تعالى: فإنه ورد على ما كانوا يتعاطونه في الآجال: أنه إذا حل الدين يقولون للمديون: إما أن
تعطي، وإما أن تزيد في الدين، فيتضاعف بذلك مضاعفة كثيرة.
"و" يشترط أيضا للعمل بالمفهوم أن "لا" يكون المنطوق ذكر "لتقدير جهل المخاطب" به، دون جهله بالمسكوت عنه، بأن يكون المخاطب
يعلم حكم المعلوفة ويجهل حكم السائمة فيذكر له.
"و" يشترط أيضا للعمل بالمفهوم أن "لا" يكون للمنطوق ذكر "لرفع خوف ونحوه" عن المخاطب, كقولك لمن يخاف من ترك الصلاة الموسعة: تركها في أول الوقت جائز، ليس مفهومه عدم الجواز في باقي الوقت وهكذا إلى أن يتضايق.
ويشترط أيضا للعمل بالمفهوم أن "لا" يكون المنطوق "علق حكمه على صفة غير مقصودة" ذكره القاضي وغيره قال ابن مفلح في أصوله: وإن كانت الصفة غير مقصودة فلا مفهوم، كقوله سبحانه وتعالى: الآية أراد نفي الحرج عمن طلق ولم يمس،
وإيجاب المتعة تبعا, ذكره القاضي وغيره من المتكلمين.
ومما يذكر من شروط العمل بالمفهوم: أن لا يعود العمل به على الأصل الذي هو المنطوق فيه بالإبطال، كحديث "لا تبع ما ليس عندك ".
لا يقال: مفهومه صحة بيع الغائب إذا كان عنده، إذ لو صح فيه لصح في المذكور، وهو الغائب الذي ليس عنده؛ لأن المعنى في الأمرين واحد.
ولم يفرق أحمد بينهما.
ولم أذكر ذلك في المتن لظهوره، كترك نحوه من الشروط مما لا حاجة لذكره.
ثم الضابط لهذه الشروط وما في معناها أن لا يظهر لتخصيص المنطوق بالذكر فائدة غير نفي الحكم عن المسكوت عنه.
وعلى ذلك اقتصر البيضاوي.
إذا تقرر هذا:
فما تقدم من الشروط يقتضي تخصيص المذكور بالذكر، لا نفي الحكم عن غيره.
ولكن وراء هذا بحث آخر، وهو أن المقترن من المفاهيم بما يمنع القول به؛ لوجود فائدة تقتضي التخصيص في المذكور بالذكر، هل يدل اقترانه بذلك على الغاية وجعله كالعدم، فيصير المعروض بقيد المفاهيم، إذا كان فيه لفظ عموم شاملا للمذكور والمسكوت، حتى لا يجوز قياس المسكوت بالمذكور بعلة جامعة؛ لأنه منصوص، فلا حاجة لإثباته بالقياس، إذ لا يدل، بل غايته الحكم على المذكور، وأما غير المذكور فمسكوت عن حكمه، فيجوز حينئذ قياسه؟!
مثاله في الصفة -مثلًا- لو قيل: هل في الغنم السائمة زكاة؟ فيقول المسئول: في الغنم السائمة زكاة، فغير السائمة مسكوت عن حكمه، فيجوز قياسه على السائمة، بخلاف ما لو ألغى لفظ "السائمة" وصار التقدير: في الغنم زكاة، فلا حاجة
حينئذ لقياس المعلوفة بالسائمة؛ لأن لفظ "الغنم" شامل لهما؟
في ذلك خلاف بين العلماء.
قال البرماوي: والمختار الثاني، حتى أن بعضهم حكى فيه الإجماع.
المهذب في علم أصول الفقه المقارن - د. عبد الكريم النملة - (4/ 1802، 1805)
شروط مفهوم المخالفة:
إنني لما قلت: إن مفهوم الصفة، والتقسيم، والغاية، والحال، والمكان، والزمان، والشرط، والغاية، والعدد، والاستثناء، والحصر بإن، وحصر المبتدأ في الخبر كلها حُجَّة ليس هذا على إطلاقه، بل يشترط في ذلك شروط هي كما يلي:
الشرط الأول: أن لا يرجع حكم المفهوم المخالف على أصله المنطوق به بالإبطال؛ لأن المفهوم فرع المنطوق، ولا يجوز أن يُقدم الفرع على الأصل، ويُسقطه.الشرط الثاني: أن لا تظهر أولوية المسكوت عنه بالحكم، أو مساواته فيه للمنطوق، وإلا استلزم ثبوته في المسكوت عنه، فكان مفهوم موافقة، ولا يكون مفهوم مخالفة.
الشرط الثالث: أن لا يوجد في المسكوت - المراد إعطاؤه حكما - دليل خاص يدل على نقيض حكم المنطوق، فإن وجد ذلك الدليل الخاص كان هو طريق الحكم المعمول به، لا المفهوم المخالف، كما قلنا في قوله تعالى: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) إنه لم يعمل بمفهوم الشرط هنا؛ حيث لم يثبت انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط، فيجوز القصر عند عدم الخوف، وذلك لوجود دليل آخر قد أباح القصر ولو لم يوجد الخوف، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: "صدقة تصدق اللَّه بها عليكم فاقبلوا صدقته ".
الشرط الرابع: أن يذكر القيد مستقلاً، فلو ذكر على وجه التبعية لشيء آخر فلا مفهوم له مثل قوله تعالى: (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) ، فتقييده بالمساجد لا مفهوم له؛ لأن المعتكف ممنوع من المباشرة مطلقاً.
الشرط الخامس: أن لا يكون هناك تقدير جهالة بحكم المسكوت عنه من جهة المخاطب.
الشرط السادس: أن لا يكون القيد قد خرج مخرج الأغلب المعتاد كقوله تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) ، وذلك لأن الخلع إنما يكون عند خوف عدم القيام بما أمر اللَّه به من قبل كل من الزوجين، فلا يفهم منه: أنه عند عدم الخوف لا يجوز الخلع، فهذا الوصف لا مفهوم له، كذلك قوله تعالى: (وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ) ، فإن وصف الربائب بكونهن في الحجور جار وموافق للغالب لمن تزوج امرأة معها ابنتها، فإنه يربيها في بيته، فهذا الوصف لا مفهوم له؛ إذ لا يجوز للرجل أن يتزوج من ابنة امرأته، ولو تربت في غير بيته.
الشرط السابع: أن لا يكون المقصود من القيد هو: المبالغة في التكثير كقولك: " جئتك ألف مرة " - وقد سبق التنبيه عليه - فهذا لا مفهوم.
الشرط الثامن: أن لا يكون المقصود من القيد: المبالغة في التنفير كقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة) فهذا لا مفهوم له، حيث لا يدل بالمفهوم المخالف: أن الربا القليل حلال، ولكن سيق هذا لبيان أن الربا كان جاريا على الأغلب وللتنفير منه.
الشرط التاسع: أن لا يكون المقصود من القيد: الحث على الامتثال كقوله - صلى الله عليه وسلم -: " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشراً "، فالوصف بالإيمان لا مفهوم له؛ لأنه سيق للحث على الامتثال لأوامر اللَّه في الإحداد ثلاث ليال على الميت، وليس المقصود منه جواز ما زاد إن كانت لا تؤمن بالله.
الشرط العاشر: أن لا يكون المقصود من القيد: إظهار الامتنان كقوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا) ، فإن هذا لا مفهوم له، لأنه سيق لإظهار المنة بطيب اللحم الطري، وليس المقصود من ذلك الوصف - وهو قوله: (لَحْمًا طَرِيًّا) كون اللحم غير الطري ممتنع أكله.
الشرط الحادي عشر: أن لا يكون الكلام الذي ورد فيه القيد جواباً لسؤال سائل، أو حادث معين، فإن كان كذلك فإنه لا يعمل بالمفهوم؛ لأن فائدة المنطوق قد وردت خاصة بذلك السؤال، أو الحادثة، كما لو سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن سائمة الغنم، فأجاب بوجوب الزكاة في سائمة الغنم، فإنه لا يدل على أن المعلوفة لا زكاة فيها من هذا اللفظ.
الشرط الثاني عشر: أن لا يكون الشارع قد ذكر القيد للقياس عليه، فإن وجد فيه شروط القياس - كلها - فلا مفهوم له، كقوله - صلى الله عليه وسلم -: "خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الحية، والغراب الأبقع، والفأرة، والكلب الأسود، والحدبا "، فلا مفهوم لذلك؛ حيث إن الشارع إنما ذكرهن لما فيهن من الأذى، فيجوز أن نلحق بهن كل ما فيه أذى.
هذه أهم شروط مفهوم المخالفة.