أصول السرخسي - (ج: 1) - (ص: 237 ، 238).
والثابت بالإشارة: ما لم يكن السياق لأجله، لكنه يعلم بالتأمل في معنى اللفظ من غير زيادة فيه ولا نقصان وبه تتم البلاغة ويظهر الإعجاز.
ونظير ذلك من المحسوس أن ينظر الانسان إلى شخص هو مقبل عليه ويدرك آخرين بلحظات بصره يمنة ويسرة، وإن كان قصده رؤية المقبل إليه فقط، ومن رمى سهمًا إلى صيد فربما يصيب الصيدين بزيادة حذقه في ذلك للعمل، فإصابته الذي قصد منهما موافق للعادة، وإصابة الآخر فضل على ما هو العادة حصل بزيادة حذقه ومعلوم أنه يكون مباشرًا فعل الاصطياد فيهما، فكذلك هنا الحكم الثابت بالإشارة والعبارة كل واحد منهما يكون ثابتًا بالنص وإن كان عند التعارض قد يظهر بين الحكمين تفاوت كما نبينه. وبيان هذين النوعين في قوله تعالى: فالثابت بالعبارة في هذه الآية نصيب من الفيء لهم لأن سياق الآية لذلك، كما قال تعالى في أول الآية: الآية، والثابت بالإشارة أن الذين هاجروا من مكة قد زالت أملاكهم عما خلفوا بمكة لاستيلاء الكفار عليها، فإن الله تعالى سماهم فقراء، والفقير حقيقةً: من لا يملك المال، لا من بعدت يده عن المال؛ لأن الفقر ضد الغنى والغني من يملك حقيقة المال لا من قربت يده من المال حتى لا يكون المكاتب غنيًّا حقيقة وإن كان في يده أموال، وابن السبيل غني حقيقة وإن بعدت يده عن المال لقيام ملكه، ومطلق الكلام محمول على حقيقته، وهذا حكم ثابت بصيغة الكلام من غير زيادة ولا نقصان، فعرفنا أنه ثابت بإشارة النص ولكن لما كان لا يتبين ذلك إلا بالتأمل اختلف العلماء فيه لاختلافهم في التأمل، ولهذا قيل: الاشارة من العبارة بمنزلة الكناية والتعريض من التصريح أو بمنزلة المشكل من الواضح، فمنه ما يكون موجبًا للعلم قطعًا بمنزلة الثابت بالعبارة، ومنه ما لا يكون موجبًا للعلم وذلك عند اشتراك معنى الحقيقة والمجاز في الاحتمال مرادًا بالكلام. ومن ذلك قوله تعالى: فالثابت بالعبارة ظهور المنة للوالدة على الولد لان السياق يدل على ذلك، والثابت بالإشارة أن أدنى مدة الحمل ستة أشهر فقد ثبت بنص آخر أن مدة الفصال حولان كما قال تعالى: فإنما يبقى للحمل ستة أشهر ولهذا خفي ذلك على أكثر الصحابة رضي الله عنهم واختص بفهمه ابن عباس رضي الله عنهما فلما ذكر لهم ذلك قبلوا منه واستحسنوا قوله. ومن ذلك قوله تعالى: فالثابت بالعبارة وجوب نفقتها على الوالد فإن السياق لذلك، والثابت بالإشارة أحكام منها أن نسبة الولد إلى الأب لأنه أضاف الولد إليه بحرف اللام فقال: فيكون دليلًا على أنه هو المختص بالنسبة إليه، وهو دليل على أن للأب تأويلًا في نفس الولد وماله، فإن الإضافة بحرف اللام دليل الملك كما يضاف العبد إلى سيده فيقال هذا العبد لفلان، وإلى ذلك أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (أنت ومالك لأبيك) ولثبوت التأويل له في نفسه وماله.
قلنا: لا يستوجب العقوبة بإتلاف نفسه ولا يحد بوطء جاريته وإن علم حرمتها عليه، والمسائل على هذا كثيرة، وهو دليل أيضًا على أن الأب لا يشاركه في النفقة على الولد غيره لأنه هو المختص بالإضافة إليه والنفقة تبتني على هذه الإضافة كما وقعت الإشارة إليه في الآية، بمنزلة نفقة العبد فهي إنما تجب على سيده لا يشاركه غيره فيها، وفيه دليل أيضًا على أن استئجار الأم على الإرضاع في حال قيام النكاح بينهما لا يجوز، لأنه جعل النفقة لها عليه باعتبار عمل الإرضاع بقوله تعالى: فلا يستوجب بدلين باعتبار عمل واحد، وهو دليل أيضا على ما يستحق بعمل الارضاع من النفقة والكسوة لا يشترط فيه إعلام الجنس والقدر وإنما يعتبر فيه المعروف فيكون دليلًا لأبي حنيفة رحمه الله في جواز استئجار الظئر بطعامها وكسوتها.
فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت - (ج: 2) - (ص: 408).
وكقوله) تعالى: الآية، فإنه) وإن سيق لإيجاب سهم الغنيمة لهم (دل على زوال الملك عما خلفوا) لأن الفقير من لا يملك شيئا من المال ففي التعبير عنهم بالفقير إشارة إلى زوال الملك وإلا صاروا أغنياء (لا يقال): لفظ الفقير (استعارة لإضافة الأموال إليهم) فيكونون ملاك الأموال فلا يكونون فقراء بل استعير لمن انقطع طمعه عن الانتفاع بالمال (لأن الإضافة) الدالة على الملك (حين الإخراج) من الديار والأموال (لا تنافى الفقر الآن) فلا تصلح الإضافة قرينة على ثبوت الاستعارة فيترك الفقير على الحقيقة (و) قال (في التحرير: والوجه أنه) أي زوال الملك بل الدلالة عليه (اقتضاء لان صحة إطلاق الفقر بعد ثبوت ملك) الفقير (الأموال متوقفة على الزوال( فيكون الزوال لازما متقدما والدلالة عليه اقتضاء (أقول) إطلاق الفقراء وان توقف على زوال الملك لكن (لا يتوقف على الزوال بالاستيلاء فكون الاستيلاء مزيلا) عن ملك المؤمنين (موجبا للملك) لهم أي المستولين الكفار (ثابت بالإشارة كما يشير إليه) قوله تعالى (أخرجوا من ديارهم وأموالهم) لا التعليق بالمشتق يوجب عليه المبدأ فالإخراج سبب الفقر (فتدبر).
قواطع الأدلة لابن السمعاني- (ج: 1) - (ص: 260 ، 261).
وأما إشارة النص فهو مثل قوله تعالى: (الإسراء: 23) فيه دلالة على تحريم الشتم والضرب، وكذلك قوله تعالى: (البقرة: 184) فلما أوجب القضاء إذا أفطر بعذر ففيه دلالة أنه إذا أفطر بغير عذر يوجب عليه القضاء، وكذلك ما روى أن ماعزًا زنا فرجم، صار رجم ماعز ثابتًا بالنص ورجم غيره ثابتًا بدلالة النص، وذكر أمثلة لهذا أيضًا منها: الأكل مع الوطء في نهار رمضان وغير ذلك وخرج عليه مسألة اللواطة مع الزنا، وذكر أنها دونه، ومسألة القتل بالمثقل وذكر أنه دون القتل بالسيف، وهذه أشياء قد ذكرت في خلافيات الفروع، وقد تكلمنا على ذلك.
الوجيز في أصول الفقه الإسلامي - د. محمد مصطفى الزحيلي - (2/ 140: 142)
إشارة النص:
هي: المعنى الذي لا يتبادر فهمه من ألفاظه، ولا يقصد من سياقه أصالة ولا تبعًا، ولكنه معنى لازم للمعنى المتبادر من ألفاظه، فالدلالة بالإشارة ثبتت من اللفظ أو النص لغة، ولكنها بطريق الالتزام للمعنى المتبادر من جهة، وأنها لم يُسق الكلام لأجلها من جهة ثانية، وهذا التلازم أو الاستدلال بالإشارة قد يكون ظاهرًا ويفهم بأدنى تامل، وقد يكون خفيًّا يحتاج إلى دقة ونظر وتأمل، ولذلك يختلف فيه العلماء لإدراكه وفهمه، ويحتاج إلى أهل الاختصاص أو الاجتهاد ممن يكون عالمًا باللسان العربي وأسرار اللغة، ولا عبرة بالاستدلال بالإشارة ما لم يكن صاحبها من أهل الاختصاص.مثاله: قوله تعالى: { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 233]، فالآية تدل بعبارتها على وجوب نفقة الوالدات المرضعات وكسوتهن على الأب دون الأم، وهذا هو المتبادر من الألفاظ، والمقصود من السياق، ويلزم منه أي يفهم من إشارته أن الأب لا يشاركه أحد في الإنفاق على أولاده؛ لأن الولد له لا لغيره، وتدل العبارة بالإشارة، أي يلزم منها، أن نسب الولد إلى أبيه لا يشاركه فيه أحد؛ لأن اللَّه تعالى أضاف الولد إليه بحرف اللام التي هي للاختصاص، والمقصود الاختصاص بالنسب، وهذا مفهوم من إشارة النص.
ومثاله: قوله تعالى: { أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} ثم قال تعالى: { وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187]، فالنص القرآني يدل بالعبارة على إباحة الأكل والشرب والجماع في جميع الليل إلى طلوع الفجر، ويفهم منه بالإشارة أن من أصبح جنبًا بعد الفجر فصومه صحيح؛ لأن اللَّه تعالى أباح الجماع إلى قبيل طلوع الفجر، فيلزم منه أن يطلع الفجر وهو جنب، وهذا المعنى غير مقصود بالسياق، لكنه لازم للمعنى السابق .
ومثاله: قوله تعالى: { مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ} ثم قال تعالى: { لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ} [الحشر: 7 - 8]، فالآية دلت بالعبارة على استحقاق الفقراء المهاجرين نصيبًا من الفيء الذي يأخذه المسلمون من العدو بلا قتال؛ لأن ذلك يفهم من العبارة، وسيقت الآية لبيان هذا الحكم، ويدل اللفظ { لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ} بالإشارة إلى أن المهاجرين من مكة قد زالت عنهم ملكية أموالهم التي خلّفوها بمكلة، لاستيلاء المشركين عليها؛ لأن اللَّه تعالى سمَّاهم فقراء، والفقير: هو من لا يملك المال، لا من غاب عن المال، ويعتبر الشخص غنيًّا لملكه المال سواء قَربت يده منه أو بعدت.
والأمثلة القانونية كثيرة في قانون العقوبات، وقانون الأحوال الشخصية، والقانون المدني، وغيره .