قواطع الأدلة لابن السمعاني- (ج: 1) - (ص: 261 ، 262).
قال: وأما الثابت بمقتضى النص فهو زيادة على النص لا يتحقق مع النص بدونها فاقتضاها النص حتى يتحقق معناه ولا يلغو وصار المقتضي مضافًا إلى النص مثل حكمه، وشبه هذا بشراء الأب فإنها إعتاق حكمًا وإن لم توجب العتق بنفسه بل بزيادة الملك ولكن لما ثبت الحكم بالشراء صار حكمه وهو العتق مع الملك حكمين للشراء.
قال: وهذا لا خلاف فيه وهو إنما مثل قوله: أعتق عبدك عني على ألف، فالملك يقتضي هذا النص ثم إنه ذكر أنه لا عموم للمقتضي.
قال: وعند الشافعي - رحمه الله - له عموم واحتج لنفسه، وقال: المقتضي ساقط من النص بعينه في الأصل لا حكم له، وإنما أثبتنا ضرورة أن يصير الكلام مفيدا فإذا ثبت بقدر ما صار به الكلام مفيدا زالت الضرورة فيسقط ثبوته كالميتة حكمها الحرمة في الأصل والحل ثبت ضرورة فيعذر تقديرها وهو قدر سد الرمق دون ما سواها من التمول والجمل والشبع ونحن نقول: إن المقتضي يجوز أن يدعى فيه العموم لأنه ثابت ضرورة فصار كالثابت نصًّا، ونقول: كلما أمكن طلب فائدة العموم منه يجوز أن تطلب لأن الاختصار والحذف عام في كلام العرب ويعدونه من الفصاحة والبلاغة فصار المقتضى كمضمر الكلام ثم دعوى العموم في المضمر جائز كذلك في المقتضي والمضمر مثل قوله تعالى: (يوسف: 82) معناه: أهل القرية، وكقوله تعالى: (مريم: 4) معناه: اشتعل شعر الرأس شيبًا، وغير ذلك وقد ذكروا مضمر النص هذا هو الذى قلناه.
المحصول في علم أصول الفقه للرازي - (ج: 2) - (ص: 233 : 235).
أما تقسيم دلالة الالتزام فنقول: المعنى المستفاد من دلالة الالتزام إما أن يكون مستفادًا من معاني الألفاظ المفردة أو
من حال تركيبها والأول قسمان؛ لأن المعنى المدلول عليه بالالتزام إما أن يكون شرطًا للمعنى المدلول عليه بالمطابقة أو تابعًا له فإن كان الأول فهو المسمى بدلالة الاقتضاء، ثم تلك الشرطية قد تكون عقلية كقوله صلى الله عليه وسلم: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان) فإن العقل دل على أن هذا المعنى لا يصح إلا إذا أضمرنا فيه الحكم الشرعي، وقد تكون شرعية كقوله: (والله لأعتقن هذا العبد) فإنه يلزمه تحصيل الملك؛ لأنه لا يمكنه الوفاء بقوله شرعا إلا بعد ذلك وأما إن كان تابعا لتركيبها أنه فإما أن يكون من مكملات ذلك المعنى أو لا يكون، فالأول: كدلالة تحريم التأفيف على تحريم الضرب عند من لا يثبته بالقياس، وأما الثاني: فإما أن يكون المدلول عليه بالالتزام ثبوتيًّا أو عدميًّا، أما الأول: فكقوله تعالى: ومد ذلك إلى غاية تبين الخيط الأبيض فيلزم فيمن أصبح جنبًا أن لا يفسد صومه وإلا وجب أن يحرم الوطء في آخر جزء من الليل بقدر ما يقع الغسل فيه، وأما الثاني: فهو أن تخصيص الشيء بالذكر هل يدل على نفيه عما عداه؟ والله أعلم.
الإبهاج في شرح المنهاج للسبكي -(ج: 1) - (ص: 367 ، 368).
الأول: اللازم عن المفرد الذي اقتضى العقل كونه لازما عن المفرد بأن يكون شرطا للمعنى المدلول عليه بالمطابقة مثل قولك ارم فإنه يدل
بمفهومه على لزوم تحصيل القوس والمرمى لتوقف الرمي الذي هو مفرد عليهما عقلا إذ يحيل العقل الرمي بدونهما:
الثاني: اللازم عن المفرد باقتضاء الشرع كونه لازما كقولك لمالك العبد اعتق عبدك عني فإنه يدل على استدعاء تمليك العبد إياه لأن العتق
شرعا لا يكون إلا في مملوك.
وهذان القسمان اللازمان عن المفرد يسميان في اصطلاح الأصوليين بدلالة الاقتضاء وإليه أشار بقوله ويسمى اقتضاء.
ومن الأصوليين من جعل دلالة اللفظ على مقدر يتوقف عليه صدق الكلام داخلا في قسم الاقتضاء أيضا كدلالة قوله صلى الله عليه وسلم: "
رفع عن أمتي الخطأ ص -367-…والنسيان" على رفع الإثم وعبارة لا تنافي ذلك ولا تقتضيه لأنها لا تقتضي انحصار الافتضاء في المذكور
فيه.
نعم تقتضي أن يكون ذلك من قبيل ما دل عليه اللفظ بمنطوقه لأنه لم يعده في أقسام المفهوم بل في المنطوق الغزالي على الاقتضاء بجملة أقسامه من المفهوم.
الوجيز في أصول الفقه الإسلامي - د. محمد مصطفى الزحيلي - (2/ 145: 147)
دلالة الاقتضاء:
هي دلالة الكلام على مسكوت عنه ويتوقف صدق الكلام أو صحته شرعًا على تقديره، فالمعنى من النص لا يستقيم إلا بتقديره الاقتضاء؛ لأن صحة الكلام واستقامة معناه يقتضي التقدير فيه، وكذلك صدق الكلام ومطابقته للواقع يقتضي التقدير فيه بما هو خارج عنه، فالدلالة على المعنى المقدر يسمى اقتضاء؛ لأن استقامة الكلام تقتضيه وتستدعيه، والباعث على التقدير والزيادة هو المقتضي، والشيء المقدَّر المزيد هو المقتضَى، والدلالة هو الاقتضاء، وما ثبت بالتقدير والزيادة هو حكم المقتضَى.مثاله: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "رُفِعَ عن أمّتي الخطأُ والنسيانُ وما استُكرِهُوا عليه"، فالحديث يدل بلفظه وعبارته على رفع الفعل الذي يقع من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - خطأ أو نسيانًا أو إكراهًا بعد وقوعه، وهذا يتنافى مع الواقع؛ لأن هذه الأمور موجودة في هذه الأمة، والفعل بعد وقوعه لا يُرفع، فهو محال، مما يقتضي تقدير شيء محذوف من الكلام حتى يكون صحيحًا، وهو الإثم أو الحكم، وتكون دلالة النص بالاقتضاء رفع إثم الخطأ والنسيان والإكراه، أو رفع حكمه وعدم ترتب أثره عليه، وبهذا التقدير يتفق الكلام مع الواقع، فالإثم محذوف، واقتضى تقديره لصحة معنى النص، فهو ثابت بدلالة الاقتضاء.
ومثله حديث: "إنما الأعمال بالنيات" أي: ثوابها، وحديث: "لا صيام لمن لم يُبَيِّتِ الصِّيام من الليل" أي: لا صحة للصيام.
ومثله قوله تعالى: { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء: 23]، أي: زواجهن، وقوله تعالى: { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} [المائدة: 3]، أي: أكلها والانتفاع بها؛ لأن الذات لا يتعلق بها التحريم، وإنما يتعلق التحريم بفعل المكلف، فيقدر المقتضَى في كل نص بما يناسبه، ويكون التقدير ثابتًا بطريق الاقتضاء.
وقد يتوقف التقدير لصحة الكلام على العقل، كقوله تعالى: { وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا} [يوسف: 82]، فالكلام لا يصح من الناحية العقلية؛ لأن القرية لا تُسأل، ولا تتكلم، فاقتضى التقدير: واسأل أهل القرية.