أصول السرخسي - (ج: 1) - (ص: 242 ، 243).
فأما الثابت بدلالة النص:
فهو ما ثبت بمعنى النظم لغةً لا استنباطًا بالرأي؛ لأن للنظم صورة معلومة، ومعنى هو المقصود به، فالألفاظ مطلوبة للمعاني وثبوت الحكم بالمعنى المطلوب باللفظ، بمنزلة الضرب له صورة معلومة ومعنى هو المطلوب به وهو الإيلام، ثم ثبوت الحكم بوجود الموجب له، فكما أن في المسمى الخاص ثبوت الحكم باعتبار المعنى المعلوم بالنظم لغة فكذلك في المسمى الخاص الذي هو غير منصوص عليه يثبت الحكم بذلك المعنى ويسمى ذلك دلالة النص، فمن حيث إن الحكم غير ثابت فيه بتناول صورة النص إياه لم يكن ثابتًا بعبارة النص، ومن حيث إنه ثابت بالمعنى المعلوم بالنص لغة كان دلالة النص ولم يكن قياسًا، فالقياس معنى يستنبطه بالرأي مما ظهر له أثر في الشرع ليتعدى به الحكم إلى ما لا نص فيه لا استنباط باعتبار معنى النظم لغة، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: (الحنطة بالحنطة مثلًا بمثل) جعلنا الغلة هي الكيل والوزن بالرأي فإن ذلك لا تتناوله صورة النظم ولا معناها لغة، ولهذا اختص العلماء بمعرفة الاستنباط بالرأي، ويشترك في معرفة دلالة النص كل من له بصر في معنى الكلام لغة فقيها أو غير فقيه. ومثال ما قلنا في قوله تعالى: فإن للتأفيف صورة معلومة ومعنى لأجله ثبتت الحرمة وهو الأذى حتى إن من لا يعرف هذا المعنى من هذا اللفظ أو كان من قوم هذا في لغتهم إكرام لم تثبت الحرمة في حقه، ثم باعتبار هذا المعنى المعلوم لغة تثبت الحرمة في سائر أنواع الكلام التي فيها هذا المعنى كالشتم وغيره وفي الأفعال كالضرب ونحوه، وكان ذلك معلومًا بدلالة النص لا بالقياس، لأن قدر ما في التأفيف من الأذى موجود فيه وزيادة. ومثال هذا ما روي أن ماعزا زنى وهو محصن فرجم، وقد علمنا أنه ما رجم لأنه ماعز بل لأنه زنى في حالة الإحصان، فإذا ثبت هذا الحكم في غيره كان ثابتا بدلالة النص لا بالقياس، وكذلك أوجب رسول الله صلى الله عليه وسلم الكفارة على الأعرابي باعتبار جنايته لا لكونه أعرابيًّا، فمن وجدت منه مثل تلك الجناية يكون الحكم في حقه ثابتًا بدلالة النص لا بالقياس، وهذا لأن المعنى المعلوم بالنص لغة بمنزلة العلة المنصوص عليها شرعًا على ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهرة: (إنها ليست بنجسة إنها من الطوافين عليكم والطوافات)، ثم هذا الحكم يثبت في الفأرة والحية بهذه العلة، فلا يكون ثابتًا بالقياس، بل بدلالة النص.
قواطع الأدلة لابن السمعاني- (ج: 1) - (ص: 260).
وأما الثابت بدلالة النص: فذكر قوله تعالى: (الحشر: 8) فثبت من دلالة النص ملك الكفار أموال المسلمين لأنه جعل لهم أموالا ثم سماهم فقراء والفقير هو عديم الملك لا البعيد من الملك لأنه ضد الغني، والغني: من ملك لا من أصابه بيده قال وكذلك قوله: (الأحقاف: 15) فيه دلالة على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر وقد اختص بفهمه عبد الله بن عباس رضى الله عنهما
وكذلك قوله تعالى: (البقرة: 187) فيه دلالة على أن الجنابة لا تضاد الصوم لأنه تعالى أباح الجماع إلى مدة الصباح ثم أمره بإتمام الصوم ومن ضرورة إباحة الجماع إلى مدة الصباح وجود الجنابة بعد الصبح.
شرح الكوكب المنير لتقي الدين الفتوحي -(ج: 3) - (ص: 483 ، 484).
الوجيز في أصول الفقه الإسلامي - د. محمد مصطفى الزحيلي - (2/ 143: 145)
دلالة النَّص:
هي دلالة اللفظ على ثبوت حكم المنطوق به للمسكوت عنه لاشتراكهما في علة الحكم التي يمكن فهمها عن طريق اللغة.فإذا كان اللفظ يدل بعبارته على حكم في واقعة لعلة بُني عليها هذا الحكم، ثم وُجدت واقعة أخرى تساوي الواقعة الأولى بعلتها التي تتبادر إلى الفهم بمجرد فهم اللغة من غير حاجة إلى الاجتهاد، فإنه يفهم لغة أن اللفظ يتناول الواقعتين، سواء كانت الواقعة الثانية المسكوت عنها مساوية للأولى المنطوق بها في العلة، أو أولى منها لقوة العلة فيها.
وسميت بدلالة النص لأن الحكم الثابت بها لا يفهم من اللفظ، كما في العبارة أو الإشارة، وإنما يفهم من طريق علة الحكم الأولوي أو المساوي.
مثال دلالة النص الأولوي: قوله تعالى عند الوصية بالوالدين: { فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا} [الإسراء: 23]، فالآية دلت بالعبارة الصريحة على تحريم التأفف، وعلته ما فيه من الأذى، وتدل الآية بدلالة النص على تحريم الضرب والشتم والحبس وغيره؛ لأنه أشد إيذاءً؛ ولأن المتبادر لغةً من النهي عن التأفف النهي عما هو أكثر إيذاء للوالدين، ويكون الحكم في المسكوت عنه (المفهوم بالدلالة) أولى من الحكم المنطوق به (المفهوم من العبارة)، وهذا يفهمه كل عارف باللغة.
ومثال دلالة النص المساوي: قوله تعالى في رعاية مال الأيتام والتحذير من أكله بدون حق: { إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (10)} [النساء: 10]، فالآية تدل بالعبارة على تحريم أكل أموال اليتامى ظلمًا، وعلة ذلك تتبادر بمجرد معرفة اللغة، وهي تبديد هذه الأموال وتضييعها عليهم، فتدل الآية من طريق دلالة النص على تحريم إحراق أموال اليتامى وإتلافها بأي وسيلة، فيكون الإتلاف أو الإحراق حرامًا كالأكل؛ لمساواته له في علة الحكم .
وسميت بدلالة النص لأن الحكم الثابت بها لا يفهم من اللفظ، كما في العبارة أو الإشارة، وإنما يفهم من طريق علة الحكم الأولوي أو المساوي.مثال دلالة النص الأولوي: قوله تعالى عند الوصية بالوالدين: { فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا} [الإسراء: 23]، فالآية دلت بالعبارة الصريحة على تحريم التأفف، وعلته ما فيه من الأذى، وتدل الآية بدلالة النص على تحريم الضرب والشتم والحبس وغيره؛ لأنه أشد إيذاءً؛ ولأن المتبادر لغةً من النهي عن التأفف النهي عما هو أكثر إيذاء للوالدين، ويكون الحكم في المسكوت عنه (المفهوم بالدلالة) أولى من الحكم المنطوق به (المفهوم من العبارة)، وهذا يفهمه كل عارف باللغة.
ومثال دلالة النص المساوي: قوله تعالى في رعاية مال الأيتام والتحذير من أكله بدون حق: { إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (10)} [النساء: 10]، فالآية تدل بالعبارة على تحريم أكل أموال اليتامى ظلمًا، وعلة ذلك تتبادر بمجرد معرفة اللغة، وهي تبديد هذه الأموال وتضييعها عليهم، فتدل الآية من طريق دلالة النص على تحريم إحراق أموال اليتامى وإتلافها بأي وسيلة، فيكون الإتلاف أو الإحراق حرامًا كالأكل؛ لمساواته له في علة الحكم.