أصول السرخسي - (ج: 1) - (ص: 168 ، 169).
وأما الخفي فهو اسم لما اشتبه معناه وخفي المراد منه بعارض في
الصيغة يمنع نيل المراد بها إلا بالطلب، مأخوذ من قولهم: اختفى
فلان إذا استتر في وطنه وصار بحيث لا يوقف عليه بعارض حيلة أحدثه
إلا بالمبالغة في الطلب من غير أن يبدل نفسه أو موضعه، وهو ضد
الظاهر، وقد جعل بعضهم ضد الظاهر المبهم وفسره بهذا المعنى أيضا، مأخوذ من قول القائل: ليل بهيم إذا عم الظلام فيه كل شئ حتى لا يهتدى فيه إلا بحد التأمل. قال رضي الله عنه: ولكني اخترت الاول
لان اسم المبهم يتناول المطلق لغة، تقول العرب: فرس بهيم: أي مطلق اللون. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: أبهموا ما أبهم الله تعالى: أي أطلقوا ما أطلق الله تعالى ولا تقيدوا الحرمة في أمهات النساء بالدخول بالبنات. وبيان ما ذكرنا من معنى الخفي في قوله تعالى: * (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) * فإنه ظاهر في السارق الذي لم يختص باسم آخر سوى السرقة يعرف به، خفي في الطرار والنباش، فقد اختصا باسم آخر هو سبب سرقتهما يعرفان به، فاشتبه الامر أن اختصاصهما بهذا الاسم لنقصان في معنى السرقة أو زيادة فيها، ولاجل ذلك اختلف العلماء. قال أبو يوسف اختصاص النباش باسم هو سبب سرقته لا يدل على نقصان في سرقته كالطرار، وقال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله السرقة اسم لاخذ المال على وجه مسارقة عين حافظه مع كونه قاصدا إلى حفظه باعتراض غفلة له من نوم أو غيره، والنباش يسارق عين من عسى يهجم عليه ممن ليس بحافظ للكفن ولا قاصد إلى حفظه، فهو يبين أن اختصاصه بهذا الاسم لنقصان في معنى السرقة، وكذلك في اسم السرقة
ما ينبئ عن خطر المسروق بكونه محرزا محفوظا، وفي اسم النباش ما ينفي هذا المعنى بل ينبئ عن ضده من الهوان وترك الاحراز، والتعدية في مثل هذا لايجاب العقوبة التي تدرأ بالشبهات باطلة، فأما الطرار فاختصاصه بذلك الاسم لزيادة حذق ولطف منه في جنايته، فإنه يسارق عين من يكون مقبلا على الحفظ قاصدا لذلك بفترة تعتريه في لحظة فذلك ينبئ عن مبالغة في جناية السرقة، وتعدية الحكم بمثله مستقيم في الحدود لانه إثبات حكم النص بطريق الاولى، بمنزلة حرمة الشتم والضرب بالنص المحرم للتأفيف. [ 168 ]
ثم حكم الخفي اعتقاد الحقية في المراد ووجوب الطلب إلى أن يتبين
المراد.
التقرير والتحبير لابن أمير الحاج - (ج: 1) - (ص: 205 ، 206).
التقسيم الثالث" للمفرد "مقابل" التقسيم "الثاني" له؛ لأنه "باعتبار الخفاء" في الدلالة كما أن الثاني باعتبار الظهور فيها "فما كان منه" أي من خفاء اللفظ في المعنى الذي خفي اللفظ فيه "يعارض غير الصيغة فالخفي" أي فاللفظ الذي هو متصف بالخفاء في معنى خفي هو فيه بالنسبة إلى المعنى الذي خفي فيه بسبب عارض له غير صيغته هو الخفي اصطلاحا وقيد بغير الصيغة؛ لأن الخفاء إذا كان بنفس اللفظ فاللفظ أحد الأقسام الآتية، وأورد ينبغي أن يكون الخفي ما خفي المراد منه بنفس اللفظ؛ لأنه في مقابلة الظاهر وهو ما ظهر المراد منه بنفس اللفظ،
وأجيب بأن الخفاء بنفس اللفظ فوق الخفاء بعارض فلو كان الخفي ما يكون خفاؤه بنفس اللفظ لم يكن في أول مراتب الخفاء فلم يكن مقابلًا للظاهر "وهو" أي الخفي "أقلها" أي أقسام هذا التقسيم "خفاء كالظاهر في الظهور" أي كما أن الظاهر في التقسيم الثاني أقل أقسامه ظهورًا "وحقيقته" أي الخفي اصطلاحًا "لفظ" وضع "لمفهوم عرض فيما" أي في محل "هو" أي ذلك المحل "ببادئ الرأي من أفراده" أي المفهوم "ما" أي عارض "يخفى به" أي بالعارض "كونه" أي ذلك المحل. "منها" أي من أفراده، ويوجب استمرار ذلك الخفاء العارض فيه "إلى قليل تأمل" فيزول الخفاء حينئذ "ويجتمعان" الخفي، والظاهر "في لفظ" واحد "بالنسبة" إلى مفهومه وبعض المحال "كالسارق ظاهر في مفهومه الشرعي" وهو العاقل البالغ الآخذ عشرة دراهم أو مقدارها خفية عمن هو متصد للحفظ مما لا يتسارع إليه الفساد من المال المتمول من حرز بلا شبهة "خفي في النباش" أي آخذ كفن الميت من القبر خفية بنبشه بعد دفنه "والطرار" وهو الآخذ للمال المخصوص من اليقظان في غفلة منه بطر أو غيره. وإنما خفي فيهما "للاختصاص" أي اختصاص كل منهما "باسم" غير السارق يعرف به فيتوقف في كونه من أفراد السارق "إلى ظهور أنه" أي إلى أن يتأمل قليلا في وجه الاختصاص فيظهر أن الاختصاص "في الطرار لزيادة" في المعنى وهو حذق في فعله وفضل في جنايته؛ لأنه يسارق الأعين المستيقظة المرصدة للحفظ لغفلة والسارق يسارق النائمة أو الغائبة "ففيه" أي فيكون في الطرار "حده" أي السارق "دلالة" أي من قبيل الدلالة لثبوته فيه بطريق أولى؛ لأنه سارق كامل يأخذ مع حضور المالك ويقظته فله مزية على السارق ممن انقطع حفظه بعارض نومه أو غيبته عنه "لا قياسا" عليه حتى يورد عليه أن الحدود لا تثبت بالقياس؛ لأن الثبوت به لا يعرى عن شبهة، والحدود تدرأ بها غير أن إطلاق قطعه إنما يتأتى على قول أبي يوسف والأئمة الثلاثة، وإلا فظاهر المذهب فيه تفصيل يعرف في الفقه. "والنباش لنقص فلا" أي وأن الاختصاص في النباش لنقص في المعنى وهو قصور مالية المأخوذ؛ لأن المال ما تجري فيه الرغبة والضنة والكفن ينفر عنه كل من علم أنه كفن به ميت إلا نادرا من الناس مع عدم مملوكيته لأحد أو تحقق شبهة فيها ونقصان الحرز وعدم الحافظ له، وإنما يسارق من لعله يهجم عليه من المارة غير حافظ، ولا قاصد فلا يحد حد السرقة عند أبي حنيفة ومحمد خلافا لأبي يوسف والأئمة الثلاثة؛ لأنه لو كان لكان بالقياس، والقياس الصحيح لا يفي بهذا فما الظن بغيره فإنه قد ظهر أنه يكون تعديه للحكم الذي في الأصل إلى الفرع بالمعنى الذي هو في الفرع دونه في الأصل، وأما السمعي في ذلك فأكثره ضعيف، فإن صلح منه شيء للحجية فمحمول على وقوعه سياسة لمعتاده لا حدًّا، وبه نقول ثم على الصحيح لا فرق عندهما بين ما إذا كان القبر في الصحراء أو في بيت مقفل لما ذكرنا. "وما" كان من خفاء اللفظ في المعنى الذي خفي اللفظ فيه "لتعدد المعاني الاستعمالية" للفظ "مع العلم بالاشتراك" أي بكون اللفظ مشتركًا بينها "ولا معين" لأحدها "أو تجويزها" أي أو مع تجويز المعاني الاستعمالية للفظ "مجازية" له "أو بعضها" أي أو تجويز بعض المعاني الاستعمالية له ويستمر ذلك "إلى تأمل" بعد الطلب فذلك اللفظ "مشكل" اصطلاحًا من أشكل عليه الأمر إذا دخل في أشكاله وأمثاله.
التقرير والتحبير لابن أمير الحاج - (ج: 1) - (ص: 207 ، 208).
"والخفي": أي واسم الخفي "مع عروض التسمية والشافعي ما خفي مطلقا" أي سواء كان بنفس الصيغة أو بعارض عليها "مجمل، والإجمال في مفرد للاشتراك" كالعين لتردده بين معانيه "أو الإعلال" كمختار لتردده بين الفاعل والمفعول بإعلاله بقلب يائه المكسورة أو المفتوحة ألفا "أو جملة المركب" نحو قوله تعالى [البقرة: 237] لتردد جملة المركب التي هي الموصول مع صلته بين الزوج كما حمله أصحابنا والشافعي وأحمد عليه.
الوجيز في أصول الفقه الإسلامي - د. محمد مصطفى الزحيلي - (2/ 109: 111)
1 - الخفي:
الخفي لغة: مأخوذ من خفي، أي: استتر، والخفاء هو عدم الظهور والستر والكتمان، وفي الاصطلاح الأصولي عند الحنفية: هو اللفظ الظاهر في دلالته على معناه، ولكن في انطباق معناه على بعض الأفراد نوع غموض وخفاء، ويحتاج إلى نظر واجتهاد، بالرجوع إلى النصوص الأخرى، وعلل الأحكام، ومقاصد الشريعة .
فاللفظ يدل دلالة ظاهرة على معناه، ولكن عرض له عارض من غير الصيغة، فصار فيه غموض وخفاء في انطباقه على بعض أفراده، فيعتبر خفيًّا بالنسبة إلى هذا البعض من الأفراد، ولذلك كان أقل أنواع المبهم خفاء، ويقابله الظاهر في مراتب الوضوح.
مثاله: قال تعالى: { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38]، فلفظ "السارق" له معنى ظاهر في مدلوله، وهو من يأخذ مال غيره خفية من حرز مثله، لكن في دلالته على بعض الأفراد نوع غموض وخفاء، مثل الطَّرَّار (النَّشّال) الذي يأخذ مال غيره في غفلة من صاحبه بنوع من المهارة والخفة ومسارقة الأعين، فهو يغاير السارق بوصف زائد فيه، وله اسم خاص، مما أورث شبهة وخفاء في انطباق حكم السارق عليه، واحتاج إلى بحث واجتهاد.
وبعد الاجتهاد قال الجمهور: إن علة قطع السارق أكثر توفرًا في النَّشال؛ فإنه سارق وزيادة؛ لأن السارق يسارق الأعين النائمة، والنشَّال يسارق الأعين المتيقظة، فقالوا: ينطبق عليه حكم السارق، وتقطع يده بالأَوْلى، ويثبت وجوب القطع فيه بعبارة النص؛ لأنه سارق ماهر.
ومثله النبَّاش الذي يسرق أكفان الموتى من قبورهم، فهو يغاير السارق؛ لأنه يأخذ مالًا غير مرغوب فيه عادة، ومن القبر، وبحث العلماء في ذلك، واختلفوا، فقال جمهور الحنفية: إنَّ النَّباش ينقص فيه معنى السرقة، ولا ينطبق عليه اسم السارق؛ لأن المال غير مرغوب فيه عادة، والقبر ليس حرزًا لما فيه، فلا تقطع يد النباش، وإنما يُعزَّر، وقال الأئمة الثلاثة وأبو يوسف: إنّه يعدُّ سارقًا وتقطع يده.
ومثاله من السنة: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يَرِثُ القاتلُ شيئًا"، فلفظ "القاتل" واضح الدلالة، ودلالته ظاهرة في القتل عمدًا، وأما دلالته على القاتل خطأ، ففيها شيء من الخفاء والغموض، بسبب وصف الخطأ، وأن الحرمان من الميراث عقوبة مالية، فهل لي يعاقب المخطئ في القتل بحرمان الميراث كالعامد؟ ومثل ذلك القتل بالتسبب والدفاع الشرعي، وهذا يحتاج إلى بحث واجتهاد.
اختلف الأئمة في ذلك فقال المالكية: لا يُحرم من الميراث إلا القاتل عمدًا، دون غيره الذين لا يقصدون القتل، وقال الشافعية بالحرمان من الميراث لكل قاتل ولو خطأ، أو بالتسبب أو بالدفاع الشرعي، حتى لو كان القاتل غير مكلف، وفصّل الحنفية والحنابلة، لكنهم قالوا بحرمان القاتل خطأ من الميراث.
ومثل ذلك: البائع إذا أخذ من المشتري نقودًا على أن يأخذ منها ثمن المبيع، ويرد الباقي، فاختفى، فهل يَصْدُق عليه أنه سارق أو خائن الأمانة؟
وهكذا كل لفظ يدل دلالة ظاهرة على معناه، ولكن وُجد خفاء أو اشتباه في انطباق معناه على بعض الأفراد، فإنه يعتبر خفيًّا بالنسبة إلى هذه الأفراد.
الوجيز في أصول الفقه الإسلامي - د. محمد مصطفى الزحيلي - (2/ 112)
حكم الخفي:
هو وجوب النظر على المجتهد والقاضي والبحث لإزالة الخفاء، والتأمل في العارض الذي سبَّب الخفاء، وهذا ما تختلف فيه الأنظار، فإن ترجح أن اللفظ يتناول هذه المسألة، لزيادة في معناه، وبما يتفق مع مقاصد الشريعة، أعطاه المجتهد حكمه، وطبقه عليه كالنّشال بالنسبة للسارق، وإن ترجح نقصان المسألة عن معنى اللفظ الشرعي لم يُلحقه بظاهر اللفظ، ولم يطبِّق عليه حكمه، وكان له حكم آخر .