البحر المحيط في أصول الفقه للزركشي - (ج: 4) - (ص: 426 : 433).
ثم للترجيح شروط:
الأول : أن يكون بين الأدلة, فالدعاوى لا يدخلها الترجيح وانبنى عليه أنه لا يجري في المذاهب, لأنها دعاوى محضة تحتاج إلى الدليل والترجيح بيان اختصاص الدليل بمزيد قوة فليس هو دليلا, وإنما هو قوة في الدليل.
وحكى عبد الجبار في العمدة "عن بعض أصحابهم دخول الترجيح منها, وضعف بأن الترجيح ينشأ من منتهى الدليل, فإذا لم يكن دليلا لم يثبت الترجيح والحق أن الترجيح يدخل المذاهب باعتبار أصولها ونوادرها وبيانها, فإن بعضها قد يكون أرجح من بعض, ولذلك جرى الترجيح في البينات وأما إذا تعارض عند عامي قول مجتهدين, وقلنا: يجب تقليد الأعم, فليس هو من باب الترجيح.الثاني : قبول الأدلة التعارض في الظاهر, ويبنى عليه مسائل:
" أحدها ": أنه لا مجال له في القطعيات, لأن الترجيح عبارة عن تقوية أحد الطرفين على الآخر كي يغلب على الظن صحته والأخبار المتواترة مقطوع بها فلا يفيد الترجيح فيها شيئا وما يوجد من ذلك في كتب المتكلمين فإنما هو تعارض بين دليل وشبهه, وهذا وإن أطبقوا عليه لكن سبق أن التعادل بين القطعيين ممكن في الأذهان, فهلا قيل: يتطرق الترجيح إليه,
بناء على هذا التعارض, كما في الأمارات.
ثم رأيت أبا الحسين صرح بأن العلة المعلومة تقبل الترجيح, ولا شك في جريان هذا النص, وإلا فلا فرق ولا بعد فيه, فإن ما مقدماته أعلى وأوضح راجحا على ما ليس كذلك ورأيت القاضي في التقريب "صرح بأنه منع ذلك, بناء على أن العلوم لا تتفاوت وهي مسألة خلافية سبقت أول الكتاب.و "الثانية": قيل: إن الظنيات لا تتعارض, والمراد به اجتماع ظنين بحكم واحد بأمارتين وسيأتي في أول "ترجيح الأقيسة" عن القاضي أنه يمتنع الترجيح في الأقيسة المظنونة وتأولناه.
" الثالثة ": لا مجال له في العقليات, أعني التقليد نقله إمام الحرمين عن إطلاق الأئمة, وحكاه في "المنخول" عن الأستاذ، وقال: هذا إشارة منه إلى أنها معارف, ولا ترجيح في المعارف, قال: "والمختار أن العقائد يرجح البعض بالبعض فإنها ليست علومًا والثقة بها مختلفة.
وفصل إمام الحرمين بين عقائد العامة وغيرهم, فيجوز في عقائد العامة, بناء على أنهم مكلفون بالاعتقاد لا بالعلم، وقال الأرموي: الحق أنا إن جوزنا للعوام التقليد فيها لم يمتنع ذلك, وقال ابن النفيس في الإيضاح": ينبغي أن يكون المنع مختصًّا
بالبرهانية منها، أما التي تكون فيها الحجج الظنية فلا مانع من دخوله فيها.
وكذا قال الهندي: القطعي منها لا يقبل الترجيح, لكنه ليس مخصوصًا به, بل القطعيات الشرعيات أيضًا لا تقبل الترجيح.الثالث : أن يقوم دليل على الترجيح، وهذا على طريقة كثير من الأصوليين, لكن الفقهاء يخالفونهم وتابعهم في المحصول.
وشرطوا أن لا يمكن العمل بكل واحد منهما, فإن أمكن, ولو من وجه, امتنع, بل يصار إلى ذلك لأنه أولى من إلقاء أحدهما, والاستعمال أولى من التعطيل قال في المحصول": العمل بكل منهما من وجه أولى من العمل بالراجح من كل وجه وترك الآخر, لأن دلالة الدليل على بعض مدلولاته تابعة لدلالته على كلها, لأن دلالة التضمن تابعة لدلالة المطابقة, وترك التبع أولى من ترك الأصل، فإذا عملنا بكل واحد منهما من وجه دون وجه فقد تركنا العمل بالدلالة التضمينية, وإن عملنا بأحدهما دون الثاني فقد تركنا العمل بالدلالة السمعية.
إذا علمت هذا فالعمل بكل واحد منهما من وجه يقع على ثلاثة أوجه:
" أحدها ": توزيع متعلق الحكم إن أمكن, كما تقسم الدار المدعى ملكها عند تعارض البينتين.
" ثانيها ": ينزل على الأحكام بعض كل واحد عند التعدد, بأن يكون كل واحد منهما مقتضيًا أحكامًا, فيعمل بواحد منهما في بعضها, وبالآخر في البعض الآخر, كالنهي عن الشرب والبول قائمًا ثم فعله, فإن فعله يقتضي عدم الأولوية والحرج, ونهيه بالعكس فيحمل النهي على عدم الأولوية والفعل على رفع الحرج وبيان الجواز وكنهيه عن الاغتسال بفضل
وضوء المرأة ثم فعله مع عائشة.
" ثالثها ": التنزيل على بعض الأحوال عند الإطلاق, كقوله: "ألا أخبركم عن خير الشهود؟ أن يشهد الرجل قبل أن يستشهد" وقوله في حديث آخر: " ثم يفشو الكذب حتى يشهد الرجل قبل أن يستشهد" فيحمل الأول على حق الله تعالى والثاني على حق الآدميين.
وهذه الطريقة أطبق عليها الفقهاء, أعني الجمع المستقل بنفسه من غير إقامة دليل, وعزوا ذلك إلى تعارض القراءتين, كقراءة "أرجلكم" بالنصب والخفض, فحملوا إحداهما على مسح الخف والأخرى على غسل الرجلين, وحمل بعضهم قوله: "يطهرن "و "يطهرن "إحداهما على ما دون العشرة, والأخرى على العشرة.
وقد ذكر ذلك من أصحابنا الأصوليين الشيخ في اللمع "فقال: إذا تعارض عامان, فإن أمكن استعمالهما في حالين استعملا, وإلا وجب التوقف وكذا قال سليم في التقريب": إذا ورد مثل "اقتلوا المشركين", "لا تقتلوا المشركين "فإنهما يستعملان, فيحمل كل منهما على بعض ما تناوله, ويخص في الثاني وقيل: يتوقف فيهما.
وأما إمام الحرمين فنقل ذلك عن الفقهاء وقال: هو مردود عند الأصوليين, بل لا بد من دليل خارج عن ذلك وأما أن يجعل أحدهما دليلًا في تخصيص التالي, والثاني في تخصيص الأول فلا سبيل إليه وهذا تابع فيه القاضي, ثم قال: وكأن الفقهاء رأوا تصرفًا في الظواهر مستقلًّا بنفسه, والظاهر أنهما على تعارضهما إلا أن يتجه تأويل وينتصب عليه دليل. قال ابن المنير: وكأن الإمام ظن أن الفقهاء يتحكمون بتعيين صورة من صورة حتى تكون هذه ثابتة وهذه مخرجة وليس كذلك, بل صنيعهم راجع إلى أن العمل مع الإمكان خير من التعطيل والقائل بالتعارض عطلهما جميعًا, والقائل بتخصيص كل منهما ببعض صوره عمل بهما جميعًا حسب إمكانه.
ثم لهم في التعيين طريقة مستأنفة, وذلك لأن صور العام لا بد أن تتفاوت باعتبار ثبوت ذلك الحكم, فتعيين الفقهاء أولى الصور بالحكم لأنهم لو عينوا القسم الآخر لزم عموم الحكم ضرورة أن ثبوته في الأدنى يقتضي ثبوته في الأعلى, مثاله: إذا قابلنا بين حديث "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله" مع قوله: " خذ من كل حالم دينارًا" كان الحديث الأول يقتضي أن لا تقبل الجزية من أحد, والثاني يقتضي قبولها من كل أحد, فإذا حملنا كلًّا منهما على بعض صوره نظرنا في صور الكفار وجدناها قسمين: كتابيًّا وغير كتابي, فعينا الكتابي للجزية, وغيره للسيف وليس هذا احتكامًا, ولكن لما لم يكن بد من التخصيص وجدنا الكتابي أولى بالقبول من غيره, لأنه أقرب إلى أن يستبقى, إذ له عقيدة ما ولهذا أجاز الشرع نكاح الكتابيات دون الوثنيات, ولهذا لما نشبت الحرب بين فارس والروم كان المسلمون يتمنون نصرة الروم, لأنهم أهل كتاب, وكان المشركون يتمنون نصرة فارس, لأنهم مثلهم بلا كتاب فبهذه الطريقة يعين الفقهاء صور الإثبات من صور الإخراج, لا بالاحتكام وبذلك يزول عنهم ألسنة الطاعنين.
وأما قول الإبياري: تخصيص العمومين تعطيل لهما فلا يصح قول الفقهاء: في الجمع عمل بهما فهذا ينتقض عليه بما إذا تعارض عام وخاص, فإنه وافق على أن القضاء بالخاص على العام يتعين لأنه عمل بهما.
قلت: والتحقيق إنه إذا لم نجد متعلقًا سواهما تصدى لنا الإلغاء والجمع, والأليق بالشرع الجمع وإن وجدنا متعلقًا سواهما فالمتعلق هو المتبع وهو الظاهر من تصرف الشافعي, فإنه حمل حديث ابن بريدة على عمومه في أهل الكتاب وحديث أبي هريرة في أهل الأوثان, فقال: لا يقضى بأحدهما على الآخر, لتساويهما في القضاء, إلا أنه ليس له أن يقول: "حتى يقولوا لا إله إلا الله أو يعطوا" إلا وللآخر أن يقول: إنه أمره أن يدعوهم إلى إحدى خلال إذا كانوا من أهل الكتاب وإذ تعارضا رجعنا إلى دلالة الكتاب فقد قال تعالى: [التوبة: 29] فدل على أن من لم يكن من أهل الكتاب لا تؤخذ منه الجزية, ولهذا امتنع عمر من أخذها من مجوس هجر. ومثله اختلاف قوليه في إتمام وضوء الجنابة لأجل اختلاف روايتي عائشة وميمونة ولم يجمع بينهما كما فعل مالك بل رجح حديث عائشة لموافقته تشريع العبادة وكذلك فعل في القراءتين فإنه اختلف قولاه في انتقاض وضوء
الملموس لأجل تعارض قراءة "لمستم" و "لامستم" ورجح النقض بأمر خارجي.تنبيهان:
الأول: لما كثر على عادات المتأخرين طريقة الجمع وتقديمها على طريقة الترجيح أخذها الشيخ في شرح الإلمام" مسلمة وزاد فيها قيدًا فقال: هو عندي فيما إذا كان التأويل في طريقة الجمع مقبولًا عند النفس مطمئنة به, فإن لم يكن كذلك فالأشبه تقديم رتبة الترجيح على رتبة الجمع, فينظر إلى الترجيح بين الرواة بحسب حالهم في الحفظ والإتقان, لأن الأصل في الترجيح هو سكون النفس, وسكونها إلى احتمال الغلط في بعضهم أقوى من سكونها إلى التأويلات المستبعدة المستنكرة عندها, لا سيما مع من كانت روايته خطأ قال: فهذا هو الذي استقر عليه رأيي ونظري, ولا أقول هذا في كل تأويل ضعيف مرجوح بالنسبة إلى الظاهر, وإنما ذلك حيث يشتد استكراهه ذكر ذلك في "اختلاف الأحاديث "في تقدير مدى
حوض النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: ولقد سمعت الشيخ أبا محمد بن عبد السلام يقول قولًا أوجبته شجاعة نفسه, لا أرى ذكره وإن كان صحيحًا. قلت: وذلك أن الشيخ سئل عن حديث أنس المخرج في الصحيحين: "ما بين ناحيتيه كما بين جرباء وأذرح" قال عبد الله: فسألت عنهما فقال: هما قريتان بالشام بينهما مسيرة ثلاث ليال, فأجاب الشيخ: المراد بالناحيتين في حديث الحوض المقدر بما بين مكة وبصرى, ناحيتاه من العرض، قلت: وهذا الجواب ليس بصحيح, كما زعمه الشيخ, للأحاديث المصرحة بالتسوية بين العرض والطول، وفي صحيح مسلم: "
عرضه مثل طوله", وفي الصحيحين روايات: "سواء", أي: عرضه وطوله "سواء".الثاني : سبق أن طريقة التنزيل على حالتين ليست على الحكم, فعلى هذا إذا تعارض الخبران وأمكن استعمالهما في موضع الخلاف فهو أولى من استعمالهما في غير المختلف فيه، ذكره ابن القطان قال: وهذا يقوله أصحابنا في قوله: "لا نكاح إلا
بولي" على الصغار والمجانين, وحملوا "الأيم أحق بنفسها من وليها, وليس للولي مع الثيب أمر" فاستعمله أهل العراق في المرأتين, وحملوا قوله: "لا نكاح إلا بولي" على الصغار والمجانين, وحملوا "الأيم أحق بنفسها" على البالغة العاقلة، قال أصحابنا: ونحن نستعملها في الموضع المختلف فيه, وهي البالغة, لأنا استفدنا كون الصغار لا يعتمد عليهن إلا الولي
بالإجماع, ولا وجه لتخصيص النكاح بذلك دون غيره, فإذا صح هذا كان حملنا أولى, لأنه أكثر فائدة.الشرط الرابع:
أن يترجح بالمزية التي لا تستقل، وهل يجوز الترجيح بالدليل المستقل؟ فيه قولان: "أحدهما": نعم, كالمزية, بل أولى, فإن المستقل أقوى من غير المستقل و "الثاني": واختاره القاضي وعزاه إلى الأكثرين, المنع, لأن الرجحان وصف للدليل, والمستقل ليس وصفًا له, ولأنه إن كان دونه فهو
باطل لا ترجيح فيه, وإن كان فوقه فهو مستمسك به لا بطريق الترجيح, وإن كان مثله رجع البحث إلى الترجيح بالعدد, ولأن الأدلة إذا تماثلت سقط الزائد, لأن أثره مثل الأول, وإلا يلزم اجتماع المثلين والفرق بينه وبين المزية أن الفضلة مستغنى عنها لا اتصال لها بالدليل, بخلاف الدليل, فإنه لا يمكن الاستغناء عنه والصحيح الأول, بناء على رجوعه إلى أوصاف لا
إلى ذوات, وهو كثرة النظائر, وكثرتها وصف في الدليل, ولأن المزية أيضًا مستغنى عنها، ولهذا لو فرضنا خلو الدليل منها لاستقل، وقول النافي: يلزم اجتماع المثلين, ممنوع, بل التقوية ترجع إلى الترجيح بأوصاف لا بذوات, وهو كثرة النظائر, فإن ذلك وصف في الدليل, وكأنا رجحنا بالتأكيد لا بالتأسيس, لأن التأكيد يبعد احتمال المجاز.
وفصل صاحب المقترح "فقال: إن كان الدليل المستقل مغنيًا عن الأول لم يصح الترجيح به, لأنه تطويل بلا فائدة وإن لم يكن مغنيًا عنه صح الترجيح به, لأنه مانع منه ومثل الأول بما إذا تمسك بقياس فعورض بقياس, فرجح قياسه بالنص, فهذا لا يصح, لأن النص الذي رجح به يغني عن القياس, فإن ذكر القياس تطويل بلا فائدة، ومثل الثاني بما إذا تمسك
بنص، وهذا التفصيل لا يرجع إلى أمر أصولي, بل إلى أمر جدلي اصطلاحي.وانبنى على هذا الخلاف في هذا الأصل مسائل كثيرة:
"منها": أنه يجوز الترجيح بكثرة الأدلة عندنا, خلافا للحنفية, لأن الظنين أقوى من الظن الواحد, فيعمل بالأقوى.
و "منها": ترجيح أحد الخبرين على الآخر بكثرة الرواية, لأن العدد إذا كثر قرب من التواتر فالتحق بتقديم المتواتر على الآحاد والخلاف في هذا أضعف ولهذا وافق هنا من خالف ونقل إمام الحرمين عن بعض المعتزلة المنع, كالشهادة, وقال: الذي ذهب إليه الأكثرون الترجيح به, لأنه يورث مزيدًا في غلبة الظن وسيأتي فيه مزيد كلام.
و "منها": أنه انضم إلى أحد الخبرين قياس, قال إمام الحرمين: فالذي ارتضاه الشافعي تقديم الحديث الموافق للقياس وقال القاضي: لا مرجح به, لأنه ظن مستقل فتساقطا, ويرجع إلى القياس, فالمسلكان يفضيان إلى حكم القياس, ولكن الشافعي يرى تعليق الحكم بالخبر الراجح بموافقة القياس فالقاضي يعمل بالقياس ويسقط الخبر.
فإن قلت: فالخلاف لفظي. قلت: بل يرجع إلى أن المسألة توقيفية أو قياسية, ويظهر أثر ذلك فيما لو حكم به حاكم ينقض والصورة أنه غير جلي.
وفي المسألة مذهب ثالث حكاه أبو العز في شرح المقترح": التفصيل بين ما يظهر من قصد الشارع إرادة المجمل الظاهر فلا يصح عضده بقياس, وإن لم يظهر قصده لذلك فيصح, تفرقة بين تأييده ظهور اللفظ في المعنى لظهور القصد وبين ما لم يتأيد بذلك.
وقال إلكيا: إن كان مع أحدهما قياس, وفي الجانب الآخر مزيد وضوح كزيادة الرواة والعدالة فيحتمل أن يعمل بالقياس, لاستقلاله, ويحتمل خلافه من جهة أن القياس حجة ضرورة عند فقد النص, ودلالة النص ثابتة في أحد الجانبين, إلا أن يقال: إنها ضعفت بالتعارض والقياس مستقل فيتعارض النظران, قال: والأشبه بمذهب الشافعي تقديم الخبر الراجح, ثم
حكى قولا أنه كالحكم قبل ورود الشريعة, فيجيء فيه الخلاف المشهور.
و "منها": أن يكون أحد الخبرين أقرب إلى القواعد, والفرق بين هذا والذي قبله أن في هذا له مخالفة القياس, فإذا ثبت أن
مخالف القياس يرجح فكلما كان أقل مخالفة كان أكثر قربا, فكان أرجح, فإنا لو أردنا أن نثبت القياس على وفق أحد الخبرين لعجزنا ولا يجيء هنا خلاف القاضي بالتساقط, إذ لو أسقطناها لم نقدر على إثبات هيئة القياس, فتعين العمل بأحدهما بمرجح القرب.
المهذب في علم أصول الفقه المقارن - د. عبد الكريم النملة - (5/ 2424)
شروط الترجيح بين الدليلين:
ليس كل ترجيح بين دليلين متعارضين يصح، بل إن للترجيح الصحيح شروطاً هي كما يلي:
الشرط الأول: أن يتعذر الجمع بين الدليلين المتعارضين، فإن أمكن الجمع فلا يصح ترجيح أحدهما على الآخر.الشرط الثاني: أن يكون الدليلان ظنيين، حيث إنه لا تعارض أصلاً بين دليلين قطعيين، وبين دليل قطعي، ودليل ظني، وبالتالي لا ترجيح هنا، بل لا بد أن يكون بين ظنيين؛ لأنهما قابلان للتفاوت.
الشرط الثالث: أن يكون الدليلان متساويان في الحجية؛ فلا يصح ترجيح ما كان حُجَّة على ما ليس بحُجَّة، بل لا يسمى ذلك بترجيح أصلاً.
الشرط الرابع: أن يعلم المجتهد تحقق شروط المعارضة بين الدليلين.
الشرط الخامس: أن يكون المرجح قويا، بحيث يجعل المجتهد يغلب على ظنه أن أحد الدليلين أقوى من الآخر.
الوجيز في أصول الفقه الإسلامي - د. محمد مصطفى الزحيلي - (2/ 424: 426)
شروط الترجيح:
تكاد أن تكون شروط الترجيح متفقة مع شروط التعارض التي تواجه المجتهد ليعمل على ترجيح أحد الدليلين، مع بعض الشروط الأخرى التي تتوفر أثناء النظر في الترجيح، وكثير من هذه الشروط مختلف فيها بين المذاهب والعلماء، وقد وضعها بعضهم لتتناسب مع تصوره ونظرته للتعارض والترجيح، وأهمها:
1 - التساوي في الثبوت:
وذلك بأن يكون الدليلان ثابتين بدرجة واحدة، من حيث القطعية والظنية، كآيتين، فهما متواترتان في الثبوت، وآية وحديث متواتر، ولذلك فلا تعارض بين الكتاب وخبر الآحاد من حيث الثبوت، وإن حصل بينهما تعارض ظاهري من حيث الدلالة.
2 - التساوي في القوة:
وذلك بأن يكون الدليلان في قوة واحدة، كالمتواترين، أو خبرين من أخبار الآحاد، ولذلك فلا تعارض بين المتواتر وخبر الآحاد، ويقدم المتواتر باتفاق، ولا تعارض بين حديث صحيح وآخر شاذ أو منكر؛ لأن الحديث الشاذ أو المنكر لا يعتبر معارضًا للحديث الصحيح، حتى ولو تعددت طرق الشاذ أو المنكر، أو كثر رواته مع كونه ضعيفًا.
- الاتفاق في الحكم مع اتحاد الوقت والمحل والجهة:
فإذا اختلف الحكم بحسب الوقت أو المحل أو الجهة، فلا تعارض، ولا ترجيح، فلا تعارض بين النهي عن البيع مثلًا في وقت النداء للجمعة، مع الإذن به في وقت آخر، ولا تعارض بين النهي عن الصلاة في الأوقات المكروهة والترغيب بها في وقت آخر، وكذا النهي عن صيام التطوع للمرأة المتزوجة إلا بإذن زوجها والترغيب به لغير المتزوجة، وهكذا.
4 - عدم إمكان الجمع بين الدليلين:
إذا ورد دليلان متعارضان فيشترط للترجيح بينهما عند جمهور الأصوليين عدم إمكان الجمع بينهما؛ لأنه يجب -حسب طريقة الجمهور تقديم الجمع بين الدليلين على الترجيح، كما سبق؛ لأن في الجمع عملًا بكلا الدليلين، وفي الترجيح يعمل بأحدهما ويهمل الآخر، وإعمال الدليلين أولى من إعمال أحدهما وإهمال الآخر، حسب القاعدة الفقهية: "إعمال الكلام خير من إهماله".
وقال الحنفية: لا يشترط ذلك، ويجب تقديم الترجيح على الجمع؛ لأن العمل بالراجح أولى عقلًا؛ ولأن الدليل المرجوح يفقد حجيته عند معارضته للدليل الراجح، فلم يبق دليلًا معتبرًا حتى يجمع بينه وبين الدليل الراجح، وهو ما سبق بيانه.
5 - عدم النسخ:
يشترط في الترجيح ألا يكون أحد الدليلين ناسخًا للآخر؛ لأنه إذا تحقق النسخ، فلا مجال للترجيح، ويعمل بالناسخ ويترك المنسوخ، وهذا شرط عند بعض العلماء.
وقال آخرون: إن التعارض حاصل بين الدليلين، ويطلب من المجتهد البحث عن الترجيح بينهما، فإن تأكد من تاريخ النصين، وسبق أحدهما، وتأخر الآخر، رجح الناسخ على المنسوخ، وزال التعارض.
6 - استقلال المرجح وعدمه:
اشترط الحنفية أن يكون المرجح لأحد الدليلين وصفًا قائمًا بالدليل، كأن يكون الراوي أفقه من الآخر، أو تكون دلالة الراجح بالمنطوق والآخر بالمفهوم، فإن كان المرجح مستقلًا، فلا يرجح به، كحديث آخر، وكثرة الأدلة، أو كثرة الرواة؛ لأن الرجحان في نظر الحنفية وصف للدليل، والمستقل ليس وصفًا له، ولأن المستقل إن كان فوق الدليل المراد ترجيحه، فيؤخذ به فقط، ولا حاجة للترجيح، وإن كان مثله، فلا ترجيح بالعدد.
ولم يشترط الجمهور هذا الشرط، وأجازوا الترجيح بالوصف القائم بالدليل، أو بالدليل المستقل؛ لأن المستقل أقوى من غير المستقل، والترجيح بالمستقل فيه كثرة للنظائر، وهذا بحد ذاته يعتبر وصفًا للدليل، ولذلك يجوز الترجيح عند الجمهور بكثرة الأدلة، وكثرة الرواية، وبالقياس مع أحد الدليلين، أو بقربه من القواعد،
وسيرد المزيد من ذلك مع الأمثلة عند عرض طرق الترجيح.