المستصفى في علم الأصول لمحمد الغزالي - (ج: 1) - (ص: 136 ، 137).
مسألة (هل يقبل خبر الواحد ؟) خبر الواحد فيما تعم به البلوى مقبول خلافا للكرخي، وبعض أصحاب الرأي، لان كل ما نقله العدل، وصدقه فيه ممكن وجب تصديقه،فمس الذكر مثلا نقله العدل وصدقه فيه ممكن، فإنا لا نقطع بكذب ناقله، بخلاف ما لو انفرد واحد بنقل ما تحيل العادة فيه أن لا يستفيض، كقتل أمير في السوق، وعزل وزير وهجوم واقعة في الجامع منعت الناس من الجمعة، أو كخسف أو زلزلة أو انقضاض كوكب عظيم وغيره من العجائب، فإن الدواعي تتوفر على إشاعة جميع ذلك، ويستحيل انكتامه، وكذلك القرآن لا يقبل فيه خبر الواحد لعلمنا بأنه صلى الله تعبد بإشاعته، واعتنى بإلقائه إلى كافة الخلق، فإن الدواعي تتوفر على إشاعته ونقله لانه أصل الدين والمنفرد برواية سورة أو آية كاذب قطعًا، فأما ما تعم به البلوى، فلا نقطع بكذب خبر الواحد
فيه، فإن قيل: بم تنكرون على من يقطع بكذبه، لان خروج الخارج من السبيلين لما كان الإنسان لا ينفك عنه في اليوم والليلة مرارًا، وكانت الطهارة تنتقض به، فلا يحل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يشيع حكمه ويناجي به الآحاد، إذ يؤدي إلى إخفاء الشرع وإلى أن تبطل صلاة العباد وهم لا يشعرون فتجب الإشاعة في مثله، ثم تتوفر الدواعي على
نقله، وكذلك مس الذكر مما يكثر وقوعه فكيف يخفى حكمه ؟ قلنا: هذا يبطل أولًا بالوتر، وحكم الفصد والحجامة والقهقهة ووجوب الغسل من غسل الميت وإفراد الإقامة وتثنيتها، وكل ذلك مما تعم به البلوى،
وقد أثبتوها بخبر الواحد، فإن زعموا أن ليس عموم البلوى فيها كعمومها في الأحداث، فنقول: فليس عموم البلوى في اللمس والمس كعمومها في خروج الأحداث، فقد يمضي على الإنسان مدة لا يلمس ولا يمس الذكر إلا في حالة الحدث كما لا يفتصد ولا يحتجم إلا أحيانًا فلا فرق. والجواب الثاني: وهو التحقيق أن الفصد والحجامة، وإن كان لا يتكرر كل يوم، ولكنه يكثر، فكيف أخفي حكمه حتى يؤدي إلى بطلان صلاة خلق كثير وإن لم يكن هو الأكثر فكيف، وكل ذلك إلى الآحاد، ولا سبب له، إلا أن الله تعالى لم يكلف رسول الله صلى الله عليه وسلم إشاعة جميع الأحكام، بل كلفه إشاعة البعض، وجوز له رد الخلق إلى خبر الواحد في البعض، كما جوز له ردهم إلى القياس في قاعدة الربا، وكان يسهل عليه أن يقول: لا تبيعوا المطعوم بالمطعوم أو المكيل بالمكيل حتى يستغني عن الاستنباط من الأشياء الستة، فيجوز أن يكون ما تعم به البلوى من جملة ما تقتضي مصلحة الخلق أن يردوا فيه إلى خبر الواحد، ولا استحالة فيه، وعند ذلك يكون صدق الراوي ممكنًا، فيجب تصديقه، وليس علة الإشاعة عموم الحاجة أو ندورها، بل علته التعبد والتكليف من الله، وإلا فما يحتاج إليه كثير، كالفصد والحجامة، كما يحتاج إليه
الأكثر في كونه شرعًا لا ينبغي أن يخفى.
المهذب في علم أصول الفقه المقارن - د. عبد الكريم النملة - (2/ 797: 801)
خبر الواحد إذا خالف القياس:
لقد اختلف في ذلك على ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول: أنه إذا تعارض خبر الواحد مع القياس، فإنه يقدم خبر الواحد مطلقا.ذهب إلى ذلك جمهور العلماء.
وهو الحق " للأدلة التالية: الدليل الأول: حديث معاذ، وهو أنه لما بعثه إلى اليمن قال له: " بِمَ تقضي؛ " قال: بكتاب الله، قال: " فإن لم تجد؟ " قال: بسُنة رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، قال: " فإن لم تجد؟ " قال: أجتهد رأيي ولا آلوا، فصوبه النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وجه الدلالة: أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أقر معاذاً على تقديم السُّنَّة على العمل بالاجتهاد الذي يعتبر القياس نوعا من أنواعه من غير تفريق بين السُّنَّة المتواترة والسنَّة الآحادية، وهذا يفيد تقديم الخبر على القياس إذا تعارضا.
الدليل الثاني: إجماع الصحابة السكوتي على تقدرم خبر الواحد على القياس.
بيان ذلك: أن بعض الصحابة كانوا إذا حدثت حادثة فإنهم يبحثون عن حكمها في كتاب اللَّه، فإن لم يجدوا فيه، بحثوا عنه في السُّنَّة، فإن لم يجدوا حكمها اجتهدوا بأنواع الاجتهادات، ومنها: القياس، فكانوا لا يستدلون بقياس ولا بغيره من أنواع الاجتهادات إلا إذا لم يجدوا نصا، كان هذا فعل بعضهم، ولم ينكر عليهم أحد؛ إذ لو أنكر لبلغنا، ولكن لم يبلغنا شيء من ذلك، فكان إجماعا سكوتيا، والأمثلة على ذلك كثيرة.
ومنها: أن سعيد بن المسيب قال: كان عمر بن الخطاب قضى بالإبهام بخمس عشرة، وفي التي تليها بعشر، وفي الوسطى بعشر، وفي التي تفي الخنصر بتسع، وفي الخنصر بست، فحكم بذلك لما عرف أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى في اليد بخمسين، وكانت اليد خمسة
أطراف مختلفة الجمال والمنافع، فحكم لكل واحد من الأطراف بقدره من دية الكف، وهذا يعتبر قياسا على الخبر، ووافقه من سمع من الصحابة على ذلك، فلما علم بكتاب عمرو بن حزم في الديات، حيث إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال فيه: " وفي كل إصبع مما هنا لك عشر من الإبل " رجع إليه هو ومن وافقه من الصحابة.
ومنها: أنه كان عمر بن الخطاب لا يورث المرأة من دية زوجها اجتهاداً؛ لأن الميراث يثبت بملكه قبل الموت، وهو لا يملك الدية قبله، فلما علم بخبر الضحاك بن سفيان وهو: أنه كتب إليه النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أن أرث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها " رجع إليه، وعمل به دون إنكار من الصحابة، فهذا يدل على أن خبر الواحد مقدم على الاجتهاد مطلقاً، سواء كان قياسا أم لا.
الدليل الثالث: أن خبر الواحد قول للمعصوم، وهو - صلى الله عليه وسلم - وكلامه، أما القياس فإنه اجتهاد المجتهد واستنباطه، وإذا تعارض كلام المعصوم، وكلام غيره، فإنه يقدم كلام المعصوم؛ لأنه يثير غلبة الظن بصورة أبلغ وأقوى من كلام غيره، فخبر الواحد أغلب على الظن من القياس، فيجب تقديمه عليه.
المذهب الثاني: أن القياس يقدم على خبر الواحد مطلقا.
ذهب إلى ذلك بعض العلماء من الحنفية والمالكية.
دليل هذا المذهب: استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن القياس أقوى من خبر الواحد؛ لأن الاحتمالات تتطرق إلى الخبر أكثر من تطرقها إلى القياس، بيان ذلك:
أن خبر الواحد يحتمل فسق أحد الرواة، ويحتمل ذهول أحد الرواة وغفلته وسهوه، ويحتمل الخبر النسخ والتجوز والإضمار، أما القياس فلا يحتمل شيئاً من ذلك، وغير المحتمل يقدم على المحتمل، فيقدم القياس على الخبر.
جوابه: يجاب عنه بجوابين: الجواب الأول: أننا بينا أن الراوي المقبول خبره يشترط فيه أربعة شروط هي: (لإسلام، والتكليف، والضبط، والعدالة، فهذه الاحتمالات بعيدة جداً إذا توفرت هذه الشروط حقيقة في ذلك الراوي.
الجواب الثاني: أن هذه الاحتمالات كما تتطرق إلى الخبر تتطرق - أيضاً - إلى القياس إذا كان أصله خبراً.
المذهب الثالث: التفصيل بين الرواة.
فإن كان الراوي فقيها كالخلفاء الأربعة، والعبادلة، وزيد بن ثابت، ومعاذ، وعائشة، وأبي بن كعب، وأبي موسى الأشعري، فإن خبره يقدم على القياس إذا عارضه.
وإن كان الراوي غير فقيه كأبي هريرة، وأنس، وسلمان، وبلال، فإن القياس يقدم على خبره إذا تعارضا، وهذا عند الضرورة.
ذهب إلى ذلك بعض الحنفية.
دليل هذا المذهب: استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إنه يحتمل أن الراوي نقل الحديث بالمعنى على حسب فهمه وأخطأ في ذلك، ولم يدرك مراد
النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلهذا كان مخالفا للقياس من كل وجه، فلهذه الضرورة يترك الحديث ويعمل بالقياس.
جوابه: يجاب عنه: بأنه هذا التفريق بين الرواة لا دليل صحيح عليه، وما لا دليل عليه فلا يعتد به.
وما ذكرتموه من احتمال أن الراوي نقل الحديث بالمعنى وأخطأ فيه، وأنه لم يدرك مقصود النبي - صلى الله عليه وسلم -، فهذا بعيد جدا مع ظهور عدالة الراوي، لا سيما الصحابة الذين قد عدلهم اللَّه ورسوله - كما سبق بيانه -.
المهذب في علم أصول الفقه المقارن - د. عبد الكريم النملة - (2/ 794: 796)
مخالفة الراوي للحديث الذي رواه:
إذا روى الراوي العدل حديثا، وروي عنه: أنه قد عمل بخلافه، فهل نعمل بالحديث، ونترك عمله المخالف له أو نترك الحديث ونعمل بما رآه وعمل به؟
الحق أن في ذلك تفصيلاً هو كما يلي:
أولاً: إن علمنا مأخذه ودليله على مخالفته للحديث الذي رواه، وكان هذا المأخذ وهذا الدليل مما يوجب حمل الحديث على ما ذهب إليه وجب اتباع ذلك الدليل، وترك الحديث لأجل ذلك الدليل الذي أوجب مخالفته، لا لأن الراوي عمل به؛ لأنه ليس عمل أحد المجتهدين حُجَّة على المجتهد الآخر.ثانياً: إن جهلنا مأخذه ودليل الراوي على مخالفة الحديث الذي رواه، فقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنة يجب العمل بالحديث، وترك عمل الراوي مطلقا.
ذهب إلى ذلك جمهور العلماء. وهو الحق " للأدلة التالية:
الدليل الأول: حديث معاذ، وهو أنه لما بعثه إلى اليمن قال له: " بِمَ تقضي؛ " قال: بكتاب الله، قال: " فإن لم تجد؟ " قال: بسُنة رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، قال: " فإن لم تجد؟ " قال: أجتهد رأيي ولا آلوا، فصوبه النبي - صلى الله عليه وسلم -.وجه الدلالة: أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أقر معاذاً على تقديم السُّنَّة على العمل بالاجتهاد الذي يعتبر القياس نوعا من أنواعه من غير تفريق بين السُّنَّة المتواترة والسنَّة الآحادية، وهذا يفيد تقديم الخبر على القياس إذا تعارضا.
الدليل الثاني: إجماع الصحابة السكوتي على تقدرم خبر الواحد على القياس.
بيان ذلك: أن بعض الصحابة كانوا إذا حدثت حادثة فإنهم يبحثون عن حكمها في كتاب اللَّه، فإن لم يجدوا فيه، بحثوا عنه في السُّنَّة، فإن لم يجدوا حكمها اجتهدوا بأنواع الاجتهادات، ومنها: القياس، فكانوا لا يستدلون بقياس ولا بغيره من أنواع الاجتهادات إلا إذا لم يجدوا نصا، كان هذا فعل بعضهم، ولم ينكر عليهم أحد؛ إذ لو أنكر لبلغنا، ولكن لم يبلغنا شيء من ذلك، فكان إجماعا سكوتيا، والأمثلة على ذلك كثيرة.
ومنها: أن سعيد بن المسيب قال: كان عمر بن الخطاب قضى بالإبهام بخمس عشرة، وفي التي تليها بعشر، وفي الوسطى بعشر، وفي التي تفي الخنصر بتسع، وفي الخنصر بست، فحكم بذلك لما عرف أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى في اليد بخمسين، وكانت اليد خمسة أطراف مختلفة الجمال والمنافع، فحكم لكل واحد من الأطراف بقدره من دية الكف، وهذا يعتبر قياسا على الخبر، ووافقه من سمع من الصحابة على ذلك، فلما علم بكتاب عمرو بن حزم في الديات، حيث إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال فيه: " وفي كل إصبع مما هنا لك عشر من الإبل " رجع إليه هو ومن وافقه من الصحابة.
ومنها: أنه كان عمر بن الخطاب لا يورث المرأة من دية زوجها اجتهاداً؛ لأن الميراث يثبت بملكه قبل الموت، وهو لا يملك الدية قبله، فلما علم بخبر الضحاك بن سفيان وهو: أنه كتب إليه النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أن أرث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها " رجع إليه، وعمل به دون إنكار من الصحابة، فهذا يدل على أن خبر الواحد مقدم على الاجتهاد مطلقاً، سواء كان قياسا أم لا.
الدليل الثالث: أن خبر الواحد قول للمعصوم، وهو - صلى الله عليه وسلم - وكلامه، أما القياس فإنه اجتهاد المجتهد واستنباطه، وإذا تعارض كلام المعصوم، وكلام غيره، فإنه يقدم كلام المعصوم؛ لأنه يثير غلبة الظن بصورة أبلغ وأقوى من كلام غيره، فخبر الواحد أغلب على الظن من القياس، فيجب تقديمه عليه.
المذهب الثاني: أن القياس يقدم على خبر الواحد مطلقا.
ذهب إلى ذلك بعض العلماء من الحنفية والمالكية.
دليل هذا المذهب: استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن القياس أقوى من خبر الواحد؛ لأن الاحتمالات تتطرق إلى الخبر أكثر من تطرقها إلى القياس، بيان ذلك: أن خبر الواحد يحتمل فسق أحد الرواة، ويحتمل ذهول أحد الرواة وغفلته وسهوه، ويحتمل الخبر النسخ والتجوز والإضمار، أما القياس فلا يحتمل شيئاً من ذلك، وغير المحتمل يقدم على المحتمل، فيقدم القياس على الخبر.
جوابه: يجاب عنه بجوابين: الجواب الأول: أننا بينا أن الراوي المقبول خبره يشترط فيه أربعة شروط هي: (لإسلام، والتكليف، والضبط، والعدالة، فهذه الاحتمالات بعيدة جداً إذا توفرت هذه الشروط حقيقة في ذلك الراوي.
الجواب الثاني: أن هذه الاحتمالات كما تتطرق إلى الخبر تتطرق - أيضاً - إلى القياس إذا كان أصله خبراً.
المذهب الثالث: التفصيل بين الرواة.
فإن كان الراوي فقيها كالخلفاء الأربعة، والعبادلة، وزيد بن ثابت، ومعاذ، وعائشة، وأبي بن كعب، وأبي موسى الأشعري، فإن خبره يقدم على القياس إذا عارضه.
وإن كان الراوي غير فقيه كأبي هريرة، وأنس، وسلمان، وبلال، فإن القياس يقدم على خبره إذا تعارضا، وهذا عند الضرورة.
ذهب إلى ذلك بعض الحنفية.
دليل هذا المذهب: استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إنه يحتمل أن الراوي نقل الحديث بالمعنى على حسب فهمه وأخطأ في ذلك، ولم يدرك مراد النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلهذا كان مخالفا للقياس من كل وجه، فلهذه الضرورة يترك الحديث ويعمل بالقياس.
جوابه: يجاب عنه: بأنه هذا التفريق بين الرواة لا دليل صحيح عليه، وما لا دليل عليه فلا يعتد به.
وما ذكرتموه من احتمال أن الراوي نقل الحديث بالمعنى وأخطأ فيه، وأنه لم يدرك مقصود النبي - صلى الله عليه وسلم -، فهذا بعيد جدا مع ظهور عدالة الراوي، لا سيما الصحابة الذين قد عدلهم اللَّه ورسوله - كما سبق بيانه -. على وجود ناسخ للحديث، وقد يكون ناسخا في ظنه، ولا يكون ناسخاً عند غيره من المجتهدين، ومنها: احتمال أنه خالفه لدليل أقوى من الحديث وقد أخطأ فيه، أو هو مما يقول به دون غيره مق المجتهدين كما فعل الإمام مالك، حيث ترك حديث خيار المجلس؟ لأنه خالف إجماع أهل المدينة، وإذا تردد عمل الراوي بين تلك الاحتمالات، فلا يترك ما جزم به، وهو ثبوت الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من أجل شيء دخله الشك والاحتمال.
الدليل الثاني: أن قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - حُجَّة، وقول الراوي أو عمله ليس بحُجَّة، وبناءعلى ذلك لا يقدم ما ليس بحُجَّة على ما هو حُجة.
المذهب الثاني: أنه يقدم عمل الراوي، ويترك الحديث الذي رواه.
ذهب إلى ذلك كثير من الحنفية.
دليل هذا المذهب: استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن الراوي قد ترك العمل بالحديث إما لأمر أوجب الترك، أو فعل ذلك تحكماً.
فإن فعل ذلك تحكماً فهذا باطل؛ لأن عدالته تمنع من ذلك.
فلم يبق إلا الأول وهو: أنه قد ترك العمل بالحديث لأمر أوجب الترك، فيجب متابعته في ذلك؛ لأن حسن الظن بالراوي يقتضي تقديم ما فعله على ما رواه.
جوابه: يجاب عنه: بأن هذا الأمر الذي اقتضى ترك العمل بالحديث قد
يكون ثابتاً عنده بالاجتهاد كما قلنا في الاحتمالات السابقة، وما ثبت عنده قد يكون غير ثابت عند غيره من المجتهدين، فما ظهر في نظره لا يكون حُجَّة على غيره، وإذا احتمل هذا وهذا فلا يترك النص الذي لا احتمال فيه لأمر محتمل.
ويدل على حسن الظن بالراوي المخالف لروايته: أننا قد عملنا بالحديث الذي خالفه؛ إذ لو كنا نسيء الظن به لما علمنا بروايته أصلاً، أما عمله الذي خالف به ما رواه فلا نعمل به؛ نظراً لما يعتريه من الاحتمالات التي ذكرنا بعضها.