والصحيح القول الأول، ويجاب عن أدلة القول الثاني بما يلي:
1- قولهم: إن النهي لا تعرض فيه للصحة والفساد، هو محل النزاع، فلا يصح الاستدلال به، وإذا كان المقصود أنه من حيث اللغة لا تعرض فيه لذلك فإننا نقول: دلالته على الفساد من قبيل العرف الشرعي.
2- قولهم: إن المنهي عنه لابد أن يكون متصور الوقوع. يجاب بأنه يتصور وقوع صورته في الوجود وأما حقيقته الشرعية فلا تقع مع النهي عنه.
3- قولهم: إن الطلاق في الحيض منهي عنه ومع ذلك يقع. عنه جوابان:
الأول: جواب من لا يرى وقوع الطلاق في الحيض ويطرد القاعدة في هذه المسألة وغيرها، وهؤلاء منعوا وقوع الطلاق في الحيض.
الثاني: جواب من يرى وقوع الطلاق في الحيض، وهؤلاء قالوا: إن آثار الفعل إن كانت مما يضر بالفاعل فتقع عقوبة له، وأما إن كانت مما ينفعه فلا تقع والطلاق في الحيض قلنا بوقوعة نكاية بالفاعل.
وأما النهي الذي لم يتجه إلى الفعل وإنما توجه لأمر خارجي له علاقة بالفعل كشرطه أو محله فالظاهر أنه لا يقتضي فساد الفعل المأمور به أو المأذون فيه كما تقدم.
ومثاله: الصلاة في الدار المغصوبة؛ فإنه لم يرد نهي عن الصلاة في الدار المغصوبة، وإنما ورد النهي عن الغصب والأمر بالصلاة، فإذا صلى في الدار المغصوبة صحت صلاته، وعليه إثم الغصب. وكذلك حج المرأة بلا محرم يصح، وتسقط به الفريضة، وتأثم على خروجها بلا محرم.
وكذلك يقال في البيع مع تلقي الركبان، والبيع مع النجش، فإنهما ينعقدان مع الإثم.
والدليل على ذلك أن الأمر والنهي في هذه الصور لم يردا على محل واحد، بل على محلين فيمكن أن يصح الفعل المأمور به أو المأذون فيه، ويترتب الإثم على مخالفة النهي، فالمصلي في الدار المغصوبة يثاب على صلاته ويأثم على غصبه، والبيع مع النجش يصح، ويثبت به الملك، ويأثم الناجش، ويثبت الخيار للمشترى إذا غبن.
ومما يدل على ذلك أيضًا أن الفعل في هذه الصورة مستكمل الشـروط والأركان فيجب الحكم بصحته.
وأدلة القائلين إن النهي لا يقتضـي الفساد مطلقًا تحمل على هذه الصورة دون غيرها. والله أعلم.