السبر والتقسيم مسلك صحيح من مسالك العلة، وقد يؤدي إلى ثبوت العلة قطعًا إذا كان التقسيم حاصرًا قطعًا، وأُبطل التعليل بما عدا الوصف المبقى قطعًا، والإجماع قائم على تعليل الحكم. وفيما عدا ذلك يكون ثبوت العلة ظنيًا.
وأما إذا كان الاتفاق على تعليل الحكم بين الخصمين فحسب فيكون هذا المسلك حجة لإثبات العلة على من وافق على انحصار الأقسام في المذكورات دون غيره.
وقد استدل على كونه دليلاً لإثبات المدعى بقوله تعالى: ﴿ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ﴿٣٥﴾ ﴾ [الطور:35].
ووجه الدلالة: أن الله جل وعلا قد ساق الآية في معرض الاستدلال على من أنكر وجود الخالق، فذكر القسمين الباطلين والقسم الثالث هو الواقع، وفي ذلك تنبيه على حجية مثل هذا الدليل، وإلا لما ساقه في معرض إقامة الحجة على منكري وجود الخالق.
ولو أردنا أن ننظم ما في الآية من الاستدلال على نمط كلام الفقهاء لقلنا: لا يخلو الأمر من ثلاثة احتمالات: إما أن يكون الناس خلقوا هكذا من غير خالق، أو يكونوا قد خلقوا أنفسهم، أو يكون خالقهم هو الله. فالأولان باطلان عقلاً، فلم يبق إلا الثالث. والقرآن حين يستدل على وجود الله وإثبات أنه الخالق لا يكون ذلك غاية مقصوده ونهايتها؛ لأن العرب الذين بعث فيهم الرسول ﷺ كانوا يؤمنون بأن الله هو الخالق، ولكن يؤكد لهم هذه الحقيقة ليصل منها إلى أن الله وحده هو المستحق للعبادة.
وهذا التقرير يدل على أن الاستدلال بالسبر والتقسيم لا يقتصر على إثبات العلة، بل يصلح استعماله للدلالة على أي مدعى متى أمكن حصر الاحتمالات واتفق عليها.
وهو راجع إلى القياس الاستثنائي؛ لأن المستدل يذكر الاحتمالات التي لا يخرج عنها موضع النزاع ثم يبين بطلانها كلها إلا واحدًا، ويستعمل في إثبات بطلانها القياس الاستثنائي، فيقول لو كان كذا لكان كذا، لكن لم يكن فثبت بطلان هذا الاحتمال.
مثال توضيحي: أن يقول الشافعي: تحريم التفاضل في بيع البر بالبر معلل باتفاق، والعلة إما أن تكون الكيل أو الاقتيات والادخار أو الطعم، لا يصلح أن تكون العلة هي الكيل؛ إذ لو كان الكيل علة لما وقع الربا في القليل مما لا يكال، كالحفنة بحفنتين، لكنه واقع بدليل عموم الأدلة الدالة على تحريم الربا، وموافقة أكثر الخصوم عليه، ولو كان الاقتيات لما كان الملح من الربويات لكنه منها بنص الحديث: «والملح بالملح»، فلم يبق إلا أن يكون الطعم هو العلة.