والأقوال والأفعال المؤدية إلى المفسدة أربعة أقسام:
الأول: وسيلة موضوعة للإفضاء إلى المفسدة قطعًا، كشـرب الخمر المفضـي إلى مفسدة السكر، والزنى المفضي إلى مفسدة اختلاط الأنساب وثلم الأعراض.
الثاني: وسيلة موضوعة للإفضاء إلى المباح، ولكن قصد بها التوسل إلى المفسدة، مثل عقد النكاح بقصد تحليل الزوجة لزوجها الأول الذي طلقها ثلاثًا.
الثالث: وسيلة موضوعة للإفضاء إلى المباح، ولم يقصد بها التوسل إلى المفسدة، ولكنها تؤدي إليها غالبًا، ومفسدتها أرجح من مصلحتها، مثل: سب آلهة الكفار علنًا إذا كان يفضي إلى سب الله جل وعلا.
الرابع: وسيلة موضوعة للإفضاء إلى المباح، وقد تفضـي إلى المفسدة، ومصلحتها أرجح من مفسدتها، مثل النظر إلى المخطوبة، والمشهود عليها، والجهر بكلمة الحق عند سلطان جائر.
فالقسم الأول قد جاءت الشريعة بمنعه، إما على سبيل التحريم أو الكراهة، وذلك بحسب درجته في المفسدة ولا خلاف فيه.
والقسم الرابع قد جاءت الشـريعة بمشـروعيته إما على سبيل الوجوب أو الاستحباب؛ بحسب درجته في المصلحة، ولا خلاف فيه.
والقسمان الثاني والثالث هما موضع النزاع، هل جاءت الشريعة بمنعهما؟
ومذهب المالكية والحنابلة ومن وافقهم أن سد الذرائع دليل شرعي تبنى عليه الأحكام، فمتى أفضى الفعل إلى مفسدة راجحة أو كان الغالب فيه الإفضاء إلى المفسدة أو قصد به فاعله الإفضاء إلى المفسدة وجب منعه.
وذهب بعض العلماء من الشافعية والحنفية والظاهرية إلى عدم الاستدلال بهذا الدليل ولم يوجبوا سد الذرائع المؤدية إلى المفسدة، إلا أن يرد بمنعها نص أو إجماع أو قياس، ولكنهم لم يطردوا في فروعهم الفقهية بل قالوا في بعض الفروع بالمنع دون بعضها الآخر.