1- مسألة الاحتجاج بالقياس في الحدود.
فالمسألة الأولى خالف فيها الحنفية وقالوا الحدود لا قياس فيها، واستدلوا بأن الحدود تدرأ بالشبهات، والقياس فيه شبهة فلا يصلح لإثبات حد من حدود الله.
والجمهور أجازوا القياس في الحدود واستدلوا بأنها أحكام لا تختلف عن غيرها من الأحكام الشرعية، فما جاز في غيرها جاز فيها، وبأن الأدلة الدالة على حجية القياس عامة لم تخصص بعض الأحكام دون بعض، ثم إن الصحابة قاسوا شرب الخمر على القذف فأوجبوا فيه ثمانين جلدة لكونه يفضي إلى القذف: (إذا سكر هذى وإذا هذى افترى).
وأجابوا عن استدلال الحنفية بأن الشبهة التي تدرأ بها الحدود ليست موجودة في القياس؛ إذ المراد بها وجود الظن بكون مرتكب المحرم معذورًا، والقياس لا شبهة فيه إلا كونه ظنيا، وهذا ليس مانعًا من العمل به في الحدود؛ بدليل أن الحدود تثبت بشهادة اثنين والشهادة لا توجب العلم القطعي وإنما تورث ظنًا غالبًا، فتبين أن الظن الغالب كاف لإثبات الحدود وهو يحصل بالقياس، ولهذا قضى الجمهور بقطع النباش قياسًا على السارق عند بعضهم، وعند آخرين لكونه سارقًا حقيقة، وكذلك جلد اللوطي عند بعضهم قياسًا على الزاني غير المحصن ورجمه إذا كان محصنًا، والذين قضوا بقتله مطلقًا استدلوا بأدلة نقلية ليس هذا موطن ذكرها.