حجم الخط:

2- العموم المستفاد من اللفظ الموجه لواحد من الصحابة:

الخطاب الموجه لواحد من الصحابة إن اقترن به ما يدل على الخصوصية فهو خاص بمن وجه إليه بلا خلاف، كقوله ﷺ لأبي بردة: «اذبحها ولا تجزي عن أحد بعدك» [متفق عليه]، وإن لم يقترن به ما يدل على الخصوصية، فتذكر كتب الأصول خلافًا في عمومه.

مثاله: قوله ﷺ لعمر حين أردا أن يشتري الفرس الذي وهبه: «لا تفعل»، وقوله ﷺ في رجل وقصته دابته وهو محرم: «لا تقربوه طيبًا ولا تخمروا رأسه».

والظاهر أنهم لا يختلفون في عموم حكم الخطاب لجميع المكلفين الذين حالهم كحال ذلك الصحابي ولا يختلفون عنه في صفة ذات تأثير في الحكم.

ولكن الخلاف بينهم في أن عمومه بطريق النقل العرفي أو بطريق القياس.

فالذين قالوا إنه عام، أرادوا أن عمومه عرف بطريق العرف الشـرعي، فالأصل في التشريع العموم، ولا يخصص به فرد إلا بدليل قوي يدل على الخصوصية.

ويدل على ثبوت العرف الشرعي آيات كثيرة، منها: قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ ﴾ [سبأ:28]، ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴿ ١٠٧ ﴾ ﴾ [الأنبياء:107]، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ﴾ [الأعراف:158] ويؤيد ذلك الإجماع على الاستدلال بكثير من الأحاديث التي وجه الخطاب فيها لواحد من الصحابة بعد موت رسول الله ﷺ.

والذين أنكروا عموم الخطاب الموجه لواحد من الأمة، قالوا: إن اللفظ من حيث الوضع خاص، فلا يصح دعوى العموم فيه، ولكنهم قالوا: يلحق به غيره من المكلفين ممن حاله كحاله بطريق القياس. ومع ذلك فإن القول بالعموم أولى؛ لأن القائل به لا يحتاج إلى البحث عن علة الحكم وتحققها في بقية المكلفين، بخلاف القول بالقياس، فإنه يحتاج إلى ذلك.

وقال إمام الحرمين: (لا ينبغي أن يكون في هذه المسألة خلاف؛ إذ لا شك أن الخطاب خاص لغة بذلك الواحد، ولا خلاف أنه عام بحسب العرف الشرعي).

وقال بعضهم: إن الخلاف معنوي؛ لأن القائلين بالعموم يجعلون الأصل العموم إلا أن يقوم دليل على الخصوص، والقائلين بالخصوص يقولون الأصل تخصيص الخطاب بمن وجه إليه إلا أن يقوم دليل العموم.

وقد بنى بعضهم على هذا الخلاف اختلافهم في بعض الفروع الفقهية، ومنها: حكم المحرم إذا مات، قال أكثر العلماء: إن الخبر الوارد في كيفية تكفينه يحمل على العموم، وهو قوله ﷺ: «لا تخمروا رأسه، ولا تقربوه طيبًا، وكفنوه في ثوبيه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا» [أخرجاه في الصحيحين].

وقال بعض العلماء: إن الخبر خاص بذلك الصحابي دون غيره.

وهو منقول عن الشافعي.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة