يُعد مفهوم المسؤولية الاجتماعية من المفاهيم الحديثة، وقد ظهر نتيجةَ تنامي اقتصاديات الشركات العابرة للقارات التي تُعد بمنزلة مجتمعات ضمن مجتمعات عالمية، بالإضافة إلى انتشار مفاهيم الحفاظ على البيئة وعدم الإضرار بها؛ نتيجة لتوسع الأنشطة الاقتصادية والإنتاجية على كوكب الأرض، وما خلَّفه ذلك من أضرار بيئية تستلزم إعادة النظر في مفهوم الرأسمالية القائم على أساس الحرية الفردية. ولقد وضع الإسلام اللبنات الأولى في مفهوم المسؤولية الاجتماعية، وتجلَّى ذلك في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحُمَّى»، ومن معاني المسؤولية تجاه البيئة والمجتمع ما أصَّلته القاعدة الشرعية: (لا ضرر ولا ضرار) [1].
وحتى وقتنا الراهن لم يتم التوصل إلى مفهوم المسؤولية الاجتماعية بشكل قاطع، ولم تكتسب قوةً إلزامية قانونية أو وطنية ودولية، ولا تزال هذه المسؤولية في جوهرها أدبيةً ومعنوية، فهي تستمد قوتها وقبولها وانتشارها من طبيعتها التطوعية الاختيارية، ومنها برزت عدة تعاريف للمسؤولية الاجتماعية؛ نذكر منها:
تعريف معهد الأمم المتحدة لبحوث التنمية الاجتماعية: (المسؤولية الاجتماعية هي: السلوك الأخلاقي لمنظمة ما تجاه المجتمع، وتشمل سلوك الإدارة المسؤول في تعاملها مع الأطراف المعنية التي لها مصلحة شرعية في منظمات الأعمال، وليس مجرد حاملي الأسهم).
تعريف المجلس العالمي للتنمية المستدامة بأنَّها: (الالتزام المستمر من قبل المنظمات بالعمل والتصرُّف بشكل أخلاقي بما يسهم في تحقيق التنمية الاقتصادية، وتحسين نوعية حياة القوى العاملة وعائلاتهم، والمجتمع المحلي، والمجتمع ككل).
تعريف البنك الدولي المسؤوليةَ الاجتماعية لمنظمات القطاع الخاص بأنها: «الالتزام بالمساهمة في التنمية المستدامة من خلال العمل مع موظفيها والمجتمع المحلي والمجتمع ككل؛ لتحسين مستوى معيشة الناس بأسلوب يخدم قطاع الأعمال والتنمية على حدٍّ سواء).
تعريف (كارول) أن (المسؤولية الاجتماعية هي: التزام المنظمة بأن تضع نُصبَ عينيها عملية صنع القرارات والآثار والنتائج المترتبة عن هذه القرارات على النظام الاجتماعي الخارجي؛ بطريقة تضمن إيجاد توازن بين مختلِف الأرباح الاقتصادية المطلوبة، والفوائد الاجتماعية المترتبة عن هذه القرارات).
ومع تعدد تعريفات المسؤولية الاجتماعية للمنظمات إلا أن هناك جانبَين يمكنُنا التركيز عليهما[2]:
الجانب الأول: قانوني ينطلق أساسًا من العلاقة القائمة بين المجتمع والمنظمة، ويتمثل مضمونه في أن المنظمة لها عمليات تنفذها وسلوك تمارسه وأهداف تحققها؛ ومن ثم لا بد أن يكون لذلك آثارُه التي تمتد لتغطي كل المجتمع؛ أيًّا كانت تلك الآثار.
الجانب الثاني: ويتمثل في الجانب الإنساني، ويقوم على الدور الذي يمكن أن تؤديه المنظمة بصفتها وحدة مستقلة تعمل في مجتمع ما ومدى إسهامها فيه، فالعلاقة التي تتكون في بيئة المنظمات هي التي تشكل المجتمع؛ لذلك هناك التزامات اجتماعية وإنسانية تقع تحت مسؤولية المنظمة.