نظريات الإعلام. أ.د حسن عماد مكاوي- أ.د عاطف عدلي العبد. (ص:262-364).
نظرية الاستخدامات والإشباعات (Uses & Gratifications)
تهتم نظرية الاستخدامات والإشباعات بدراسة الاتصال الجماهيري دراسة وظيفية منظمة. فخلال عقد الأربعينيات من القرن العشرين، أدى إدراك عواقب الفروق الفردية، والتباين الاجتماعي على إدراك السلوك المرتبط بوسائل الإعلام، إلى بداية منظور جديد للعلاقة بين الجماهير ووسائل الإعلام. وكان ذلك تحولا من رؤية الجماهير على أنها عنصر سلبى غير فعال، إلى رؤيتها على أنها فعالة في انتقاء أفرادها لرسائل ومضمون مفضل من وسائل الإعلام.
وكانت النظريات المبكرة مثل نظرية الآثار الموحدة أو الرصاصة السحرية ترى الجماهير عبارة عن كائنات سلبية ومنفصلة، وتتصرف بناء على نسق واحد. أما وقد اتضح الدور القوى للمتغيرات في المعرفة والإدراك والثقافات الفردية.
يرى كاتز (Katz) وزملاؤه في عام 1974 أن الاستخدامات والإشباعات يعتمد على خمسة فروض لتحقيق ثلاثة أهداف رئيسية، وتتضمن فروض النموذج ما يلي:
- أن أعضاء الجمهور مشاركون فعالون في عملية الاتصال الجماهيري ويستخدمون وسائل الاتصال لتحقيق أهداف مقصودة تلبي توقعاتهم.
- يعبر استخدام وسائل الاتصال عن الحاجات التي يدركها أعضاء الجمهور، ويتحكم في ذلك عوامل الفروق الفردية، وعوامل التفاعل الاجتماعي، وتتنوع الحاجات باختلاف الأفراد.
- التأكيد على أن الجمهور هو الذي يختار الرسائل والمضمون الذي يشبع حاجاته، فالأفراد هم الذين يستخدمون وسائل الاتصال، وليست وسائل الاتصال هي التي تستخدم الأفراد.
- يستطيع أفراد الجمهور دائما تحديد حاجاتهم ودوافعهم، وبالتالي يختارون الوسائل التي تشبع تلك الحاجات.
- يمكن الاستدلال على المعايير الثقافية السائدة من خلال استخدامات الجمهور لوسائل الاتصال، وليس من خلال محتوى الرسائل فقط.
ويحقق منظور الاستخدامات والإشباعات ثلاثة أهداف رئيسية هي:
- السعي إلى اكتشاف كيف يستخدم الأفراد وسائل الاتصال، وذلك بالنظر إلى الجمهور النشط الذي يستطيع أن يختار ويستخدم الوسائل التي تشبع حاجاته وتوقعاته.
- شرح دوافع التعرض لوسيلة معينة من وسائل الاتصال والتفاعل الذي يحدث نتيجة هذا التعرض.
- التأكيد على نتائج استخدام وسائل الاتصال بهدف فهم عملية الاتصال الجماهيري.
نظرية الاستخدامات والإشباعات. أ.د هلاس جنيفر. (ص:2-3).
نظرية الاستخدامات والإشباعات
تقوم نظرية الاستخدامات والإشباعات على أن الجمهور نشط ويقوم بدور إيجابي في العملية الاتصالية، حيث يختار بوعي وسائل الإعلام التي يتعرض لها، كما ينتقي نوع المضامين التي تلبي حاجاته.
1. المفاهيم والمصطلحات ذات العلاقة بمدخل الاستخدامات والإشباعات:
أ. الاستخدام:
هو النشاط الاجتماعي الذي يتحول بفعل التكرار إلى عادة في المجتمع، وهو ضروري لسد حاجات معينة كالحاجة إلى المعلومات. وفقًا لـ "لوكوادك"، يتمثل الاستخدام في أنماط تتكرر بصورة منظمة حتى تصبح جزءًا من الممارسات الثقافية اليومية.ب. الإشباع:
يشير إلى تلبية حاجة ملحة أو سد نقص، سواء كان داخليًا أو خارجيًا. ووفقًا للتحليل النفسي، الإشباع هو التخلص من التوتر بعد تحقيق الهدف المطلوب. في هذه النظرية، الإشباعات هي النتائج التي يسعى الجمهور لتحقيقها من خلال استخدام وسائل الإعلام.ج. الدافع:
الدافع هو عامل داخلي يحفز الفرد على اتخاذ إجراءات معينة لتحقيق غاية محددة. ويُعرف بأنه عامل انفعالي، شعوري أو لا شعوري، يُوجه سلوك الفرد نحو هدف معين.
د. الحاجة:
هي الدافع الفطري الذي يحرك الإنسان لتحقيق هدف معين. يمكن أن تكون الحاجة داخلية أو خارجية، شعورية أو لا شعورية.
نظرية الاستخدامات والإشباعات في الإعلام الجديد. مركز القرار للدراسات الإعلامية.
تعد نظرية الاستخدامات والإشباعات من بين أهم النظريات التقليدية المفسرة للظواهر الإعلامية، حيث شاع استخدامها في البحوث والدراسات الإعلامية منذ ظهورها في أربعينيات القرن الماضي، ومع تطور تكنولوجيا الإعلام والاتصال وظهور ما يسمى بالميديا الجديدة أو البيئة الاتصالية الجديدة لم يعزف الباحثون في علوم الإعلام والاتصال عن استخدام هذه النظرية لفهم ما الذي يفعله الجمهور بوسائل الإعلام في البيئة الرقمية، وما الذي تلبيه له من رغبات واحتياجات وما هي الدوافع التي تجعل المستخدم يلجأ إلى استخدام وسيلة معينة دون أخرى.
وفي هذا الإطار، نشرت مجلة رقمنة للدراسات الإعلامية والاتصالية في عددها الصادر في ديسمبر 2023، دراسة بعنوان “نظرية الاستخدامات والإشباعات في الميديا الجديدة محاكاة أم مواكبة؟ (مدخل نظري)” من إعداد الدكتور بن معزوز حميدة من جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية -قسنطينة، والدكتور عرقوب نورة في جامعة الجزائر3.
- تطبيق نظرية الاستخدامات والإشباعات على الميديا الجديدة
في ظل التحول الذي طرأ على البيئة الإعلامية فإن توظيف نظرية الاستخدامات والإشباعات لفهم البيئة الاتصالية الجديدة طرح عدة تساؤلات وإشكاليات حول توظيفها ما إذا كان يحاكي ويتواءم مع الظواهر الإعلامية في الميديا الجديدة أم أنها مجرد مواكبة للتطور الحاصل في وسائل الإعلام، وأن فروض هذه النظرية لم تعد تتواءم مع مستخدمي وسائل الإعلام في البيئة الرقمية الجديدة، وفي هذا الصدد نرصد اتجاهين من الباحثين:
- الاتجاه الأول:
يرى أصحاب هذا الاتجاه أن توظيف نظرية الاستخدامات والإشباعات يلائم ويتواءم مع البيئة الرقمية. وأن هذه النظرية تسهم في فهم ومعالجة الإشكاليات المعاصرة التي تطرحها الميديا الجديدة، حيث لقي اعتماد فرضيات نظرية الاستخدامات والإشباعات الذي نظر لوسائل الاتصال التقليدية استحسانا من جانب الباحثين في مجال الإعلام والاتصال واعتبروها مناسبة لتطبيقها على الإعلام الجديد، فحسب الباحث راي بيرن فإن شكل التفاعلية على مستوى شبكة الإنترنت يتمتع بمستوى أكثر قوة وارتفاع من تلك على مستوى وسائل الإعلام التقليدية، وكون الفرد قصد في تعرضه وتصفحه لمواقع معينة لإشباع حاجاته، فهي تعتبر مناسبة للدراسات الحالية حول شبكات التواصل الاجتماعي والإعلام الجديد عامة.
كما أن بيئة الميديا الجديدة تفرض تفاعلًا نشطًا ومستمرًا من مستخدميها حيث تتيح لهم ممارسة خيار التحكم في اختيار المواقع والمحتوى، وإعادة زيارة الموقع وحفظ وتنزيل المحتوى وغير ذلك من خيارات التحكم، وبذلك تعتبر نظرية الاستخدامات والإشباعات هي المدخل الأكثر ملاءمة لدراسة استخدام الأفراد للبيئة الرقمية، حيث إن الكثير من نظريات التأثير لم تتوسع لمواكبة التغيرات، وهذا ما جعل نظريات الاستخدامات والإشباعات تتصدر الكثير من البحوث التي تدرس استخدام شبكة الإنترنت باعتبار أن الدخول لشبكة الإنترنت أحد بدائل الاستخدام التي يختارها الفرد لتلبية حاجاته ورغباته، وذلك لسهولة تطبيق الفروض الخاصة بنظرية الاستخدامات والإشباعات في هذه البحوث والدراسات.
ويرى محمد عبد الحميد في كتابه نظريات الإعلام واتجاهات التأثير أنه إذا كانت فروض النظرية تشير إلى نشاط جمهور وسائل الإعلام والاستخدام الموجه لتحقيق أهداف معينة، فإن فئات جمهور مستخدمي الشبكة أكثر نشاطًا ومشاركة في العملية الاتصالية بتأثير التفاعلية التي يتميز بها الاتصال الرقمي، وبالتالي فإننا نتوقع أن يتخذ الفرد قراره بالاستخدام عن وعي كامل بالحاجات ومدى إشباعها من استخدام الاتصال الرقمي مقارنة بوسائل الإعلام أو المصادر الأخرى.
- الاتجاه الثاني:
يرى أصحاب هذا الاتجاه أن توظيف النظريات التقليدية عمومًا في دراسة الويب لا يلائم بيئة الإعلام الجديد، ولا بد من تطويرها وتحسينها أو استحداث نظريات جديدة تتلاءم وبيئة الويب، حيث يؤكد كل من كيم سونغتاي ودافيد ويفر أن الحاجة إلى تحسين النظريات التقليدية بما يتلاءم مع الميديا الجديدة من معطيات بالقول بأن نظريات الميديا التقليدية يجب أن يعاد صياغتها لتتلاءم والمعطيات الجديدة لتمدد شبكة الإنترنت في الحياة الاجتماعية وإعادة الصياغة يجب أن تشمل كذلك أدوات البحث الإمبريقي والتأويلي وكذلك إجراء مقارنات بين النظريات لاختيار الأنسب منها لتفسير المتغيرات، ويخص القول الدكتور نصر الدين العياشي على وجه التحديد نظرية الاستخدامات والإشباعات بأنها تبدو عاجزة عن الإلمام بالظاهرة الإعلامية والاتصالية المعقدة في بيئة الويب والغوص في عمقها، فالحاجة العلمية حسب نظره لم تعد قائمة لمعرفة هل الميديا الجديدة تشبع حجة الناس للإعلام في ظل توافر الأخبار والمعلومات في المجتمعات المعاصرة، بل أصبحت تملي على الباحثين الانشغال بالكيفية التي ينتقي بها الناس الأخبار والاهتمام بأساليبهم الخاصة في التأكد من مصداقيتها في ظل تأخر أو عجز الكثير من وسائل الإعلام الكلاسيكية ومواقع الشبكات الاجتماعية عن محاربة الأخبار المزيفة من جهة وضعف الكفاءة التقنية من جهة أخرى، كما أن استخدام مواقع الشبكات الاجتماعية يستلزم إدارة الهوية الرقمية، ولكل مستخدم استراتيجيته في ذلك، ونظرية الاستخدامات والإشباعات لا تستطيع الأخذ بيد الباحثين للكشف عن هذه الاستراتيجية.
وإذا كان من أهداف نظرية الاستخدامات والإشباعات التعرف على استخدام الأفراد لوسائل الاتصال على اعتبار أن الجمهور نشيط ويستطيع أن يختار ويستخدم الوسائل التي تشبع حاجاته وتوقعاته وأن السؤال الذي واظبت على الإجابة عنه طيلة نصف قرن والمتمثل في: ماذا يفعل الجمهور بوسائل الإعلام؟ لم يعد يحظى بالأولوية لأن الجمهور يتجه تدريجيًا لأن يكون شريكًا في منتجات الميديا، وأن ما يقوم به أصبح مرئيًا في مختلف المنصات الرقمية ويمكن ملاحظته وأن السؤال المحوري الذي يتطلب إجابة وافية عنه يتمثل في: ما المعاني التي يمنحها مستخدمو مواقع الشبكات الاجتماعية لما يقومون به في مختلف الشاشات؟
- نتائج الدراسة
توصلت الدراسة إلى عدد من النتائج من أبرزها:
- جمهور الميديا الجديدة جمهور نشط يتفاعل مع المضامين الإعلامية ويساهم في إنتاجها ويود مشاركتها مع الآخرين، لكنه جمهور قلق ومستعجل يبحث عن المعلومات النوعية بأقل جهد وبأسرع وقت ويحبذ المحتويات المشخصنة.
- من أولويات الميديا الجديدة إشباع حاجات الفرد الاتصالية وذلك بتوفير وسائط اتصالية تفاعلية، كما تدعم دوره الاجتماعي من خلال مختلف الشبكات الاجتماعية التي تحقق للفرد إمكانية التواصل مع الغير، وتعزز لديه روح الانتماء.
- تلبي الميديا الجديدة حاجات الأفراد المعرفية والإعلامية من خلال إتاحتها لخلفيات عن الأحداث والوقائع.
- فروض نظرية الاستخدامات والإشباعات مناسبة وملائمة لدراسة بحوث الإعلام الجديد.
- تؤكد الدراسات أنه رغم قدم مدخل الاستخدامات والإشباعات إلا أن مجال البحث في الإعلام الجديد لا يزال يعتمد عليه.
- توصيات الدراسة
قدمت الدراسة سلسلة من التوصيات تمثلت في ضرورة توسيع الاهتمام بدراسة النظريات التقليدية وتبيان مدى ملاءمتها لدراسة ظواهر الميديا الجديدة، وإجراء بحوث لمعرفة خصائص الجمهور في ظل البيئة الرقمية الجديدة وتوحيد الرؤى حول أهم النظريات التي باستطاعتها دراسة ومعالجة ظواهر الميديا الجديدة سواء التقليدية أو المستحدثة.
وتأسيسًا على ما سبق، يمكن القول بأن إشباع حاجة الفرد الاتصالية من أولويات الإعلام الجديد، الذي وفر وسائط اتصالية تفاعلية كثيرة كالبريد الإلكتروني والمنتديات ومواقع التواصل الاجتماعي، حتى تمكن الجمهور من التواصل وتبادل الآراء والأفكار، وتسمح لهم أيضًا بإنتاج مواد إعلامية ونشرها ليحققوا ذاتهم، فهي تشبع لهم حاجة اتصالية كما تشبع لهم حاجات اجتماعية عبر التفاعل مع الآخر.