لقد فرضت التحولات التقنية المتسارعة منذ نهاية القرن الماضي تحديات جديدة على العمل في وسائل الاتصال الجماهيري, وخاصة في مجال الصوت والصورة، وقلبت المفاهيم فيما يتعلق بالمضمون والمحتوى المعرفي للرسالة الإعلامية، ووضعت أمام العاملين في مجال الفضاء السمعي البصري مهمات جديدة لم تكن معروفة من قبل، ومن بعض ذلك: ظهور مهن إعلامية جديدة واختفاء أخرى، واندماج بعض المهن مع غيرها، وانعكاس ذلك على البنى التنظيمية في وسائل الإعلام الإذاعية والتليفزيونية وعلى الترتيب المهني لهذه الوسائل وتوزيع المسؤوليات فيها.
فالآن توجد أجهزة تتيح للمذيع- بالراديو- داخل الأستوديو أن يمارس دور الفني في غرفة التحكم؛ فلديه جهاز يتلقى من خلاله الاتصالات بدلًا من انتظار تحويلها عليه، ويمكنه أيضًا أن يدخل إلى الأرشيف ليرتِّب بعض المؤثرات المصاحبة أو المقاطع والأناشيد لتكون لديه عند البث أو التسجيل، فيتحكم هو في بثها في الوقت الذي يراه مناسبًا.
يطلقون على ذلك الآن (المذيع المخرج)، أي: إنه يوفر وجود مخرج في الأعمال العادية، والاستفادة منه في أعمال أكثر تخصصًا، وإسناد المهام اليسيرة للمذيع وليس للفني الذي يوَجَّه لأعمال أكثر تخصصًا، كالمونتاج، وهذا يفيد أيضًا في إجادة العمل؛ لأن المذيع يكون أكثر اطلاعًا على الوضع الفكري للعمل في أثناء البث، فقد يؤجل المقطع المصاحب أو يستبدله وفقًا للتطورات على الهواء، وهكذا صار ذلك أحد المتغيرات المتنامية في هذا الموضوع.
فهنا يكون المذيع شاملًا، بمعنى أنه مسؤول عن كل شيء في برنامجه، ويمتد الأمر من التقديم والإعداد إلى التعامل بحِرَفيَّة مع فنون العمل الإذاعي، كهندسة الصوت وغيرها.
وفي الوقت نفسه: فالمفروض فيمن يتصدى لعمل إعلامي أن يكون لديه ثقافة متنوعة، اكتسبها من دراسته في الأقل، ومن الحرص على القراءات والمتابعة لما يحدث حوله، وعليه بعدها صقل كل ذلك وتنمية ثقافته بشكل يومي؛ ليعرف في الأقل ما يتحدث فيه بوعي وإدراك.
لقد ذهب- وإلى الأبد- ذلك التقسيم الأفقي الذي كان سائدًا في العمل الإعلامي التليفزيوني، ونعني بذلك: انقسام العاملين بها إلى: إعلاميين، وتقنيين، لا يتدخل أحدهما في عمل الآخر.
فالمجموعة الأولى كانت تهتم بالمضمون المادة التليفزيونية أو الإذاعية وإعدادها من حيث محتواها فقط، أما الجانب التقني فكان يقوم عليه مجموعة من المهندسين والفنيين لا علاقة لهم أبدًا بمضمون المادة الإعلامية.. مع ما يفرضه هذا الفرز بين المجموعتين من متطلبات في الجانب المعرفي والثقافي لكل منهما.