لا يستقبل المتلقي الرسالة ويتأثر بها مباشرة، وإنما يقوم بعمليات تنقيح وتنقية حسب سماته النفسية والاجتماعية ومستوى تعليمه واتجاهاته، وقد يتعرض أيضًا لظروف في أثناء تلقيه للرسالة تمنعه من فهمها، وعمومًا يمكن التغلب على التشويش وعدم التيقن من خلال تكرار الرسالة Redundancy حتى يتفهَّم المتلقي ما يخفى عليه من جوانب الرسائل.
وهذا ما كان يفعله رسول الله ﷺ، عندما كان يكرر قوله مرات حتى يُحفظ عنه، وهذا التكرار قد ينفذ من خلال الفواصل المتكررة التي تُتَداوَل؛ كالتوعية بمخاطر التدخين التي تذاع على شكل إعلان، أو تكرر الرسالة بصورة أخرى من خلال ترديد المعنى واللفظ الغريب أكثر من مرة، أو إعادة صياغته بصورة أخرى، أو تلخيص النقاط كلما انتقل الحوار من فكرة لأخرى، أو تلخيص أهم الأفكار في نهاية اللقاء.
كذلك يتأثر المتلقي بما يطلق عليه: عوامل الانتقائية (selectivity) أي: ما هو موافق لرغباته وقناعاته، وتشمل: التعرض الانتقائي[1]، والإدراك الانتقائي، والاحتفاظ بالمعلومات بشكل انتقائي أيضًا، وهنا دور المتلقي في قبول الرسالة أو عدم قبولها؛ لأنه ينتقي من الرسائل ما يحب أن يتأثر به، ويكون دور المرسل صعبًا في إقناعه أولًا بأن يتابعه، ثم في إقناعه ثانيًا بأن ما يذكره له من رسائل يستحق التأمل أو الاقتناع.
لذا: فمن المعروف أن الرسالة سهلة الوصول هي تلك التي تتناسق مع قناعات المستقبل، والرسالة الصعبة الوصول هي التي تخالف قناعاته أو تصادمها، ونحتاج إلى مزيد من الإلحاح والإقناع بسبل شتى حتى نزحزحه عن تلك القناعات.
وهذا ما اشتكى منه نوح عليه السلام من قومه: { وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا } [نوح: 7].
فبسبب انتقائيتهم الرافضة لتلك الرسالة- وبسبب تعصبات جاهلة- قاوموا وصول الرسالة إليهم بشتى السبل.