مرحلة تحلل نظام بريتون وودز[1]:
في أواخر الستينيات الميلادية اشتد الصراع الاقتصادي بين الدول الرأسمالية في مجال النقود وأسعار الصرف، مما قاد إلى توقف العمل بنظام اتفاقية بريتون وودز، بعد إعلان الرئيس الأمريكي نيكسون آنذاك في خطابه عام 1971م الذي أعلن فيه وقف قابلية تحويل الدولار إلى ذهب.
وتبعًا لذلك اختفت الأسس التي قام عليها هذا النظام، والمتمثلة بقاعدة تحويل الدولار إلى ذهب عند سعر ثابت، وثبات أسعار الصرف، وإلغاء القيود على التجارة الخارجية، وكان من أحد أسباب ذلك الحرب الفيتنامية التي تكبدت فيها الولايات المتحدة خسائر فادحة، بسبب الإنفاق العسكري المتزايد، وتراجع الأرصدة الذهبية الأمريكية، مما أدى إلى انخفاض معدلات النمو، وارتفاع معدلات التضخم (بسبب إصدار العملات بدون أرصدة ذهبية)، من أجل تغطية النفقات العسكرية الكبيرة، وما واكب ذلك من انتقال كثير من الاستثمارات الأمريكية إلى أوروبا وبعض الدول النامية.
إلا أن الولايات المتحدة استطاعت مواجهة تلك التحديات، وواصلت حتى الآن طبع الدولارات بدون رصيد ذهبي، وتفرض بمكانتها الاستراتيجية والاقتصادية على الدول الأخرى قبول الدولار الأمريكي وإن كان بدون رصيد ذهبي، وذلك بسبب ما تتمتع به من قوة عسكرية واقتصادية كبيرة، وهيمنتها على المنظمات الدولية، وما يوجد فيها من شركات عملاقة تتمثل بالشركات المتعددة الجنسية ذات الإمكانات المادية والفنية العالية.
وانعكس التوسع النقدي في الولايات المتحدة على شكل توسع نقدي تضخمي في الدول الأخرى، إلا أن الدول الأوربية الغربية بدأت تتضايق من هيمنة الدولار الأمريكي وآثاره التضخمية، مما ولد شعورًا لدى الدول الغربية بأنه يجب على الولايات المتحدة أن لا تلقي تبعات العجز في ميزان مدفوعاتها على عاتق الدول الأخرى دون أن تخسر هي شيئا، بل عليها أن تسدد حساباتها في الدول الغربية خاصة بالذهب وليس بالأوراق النقدية، وأن تنظم اقتصادها بما يمكنها من القضاء على العجز في ميزان مدفوعاتها.
وعلى أثر ذلك بدأت الدول الغربية بمطالبة الخزانة الأمريكية بصرف ما تمتلكه تلك الدول من دولارات ورقية ذهبا؛ ولأن الولايات المتحدة لا تستطيع فعل ذلك؛ (لأنها تطبع دولارات ورقية بدون أرصدة ذهبية)، ولأن الأرصدة الذهبية التي كانت تمتلكها الولايات المتحدة آنذاك وبالتحديد عام 1998م كانت تقدر بنحو (11 بليون دولار)، في حين كانت الأرصدة الدولارية الورقية الموجودة خارج الولايات المتحدة تقدر بنحو (35 بليون دولار)، وهذا يمثل انخفاضًا شديدًا في الغطاء الذهبي للدولار، بعد ما كان هذا الغطاء يمثل 100% نهاية الحرب العالمية الثانية.
هذا الوضع مثَّل أزمة بالنسبة للاقتصاد الأمريكي، وعلى أثر ذلك وفي عام 1968م طلبت الولايات المتحدة عقد اجتماع مع الدول الغربية الأوربية، لتبلغهم نيتها في إلغاء دور الذهب في نظام النقد الدولي، وطالبتهم بعدم الدعوة لتحويل ما يمتلكونه من دولارات ورقية إلى ذهب إلا عند الضرورة القصوى، وأعلنت الولايات المتحدة عام 1971م عن عجز ميزان مدفوعاتها وتخفيض احتياطها، بمقدار 1.1 بليون دولار، مما أدى إلى ارتفاع حمى المضاربة بالدولار الأمريكي، وزيادة نزوحه خارج الدول الأوربية، واشتداد الطلب على الذهب، ما دفع بالرئيس الأمريكي نيكسون في ذلك الوقت إلى اتخاذ قرار بوقف تحويل الدولار إلى ذهب، (مما أدى إلى تراجع الثقة بالدولار الأمريكي) وقامت الولايات المتحدة بخفض المساعدات عن الدول الأوربية بنسبة 10%، وفرض ضريبة على الواردات من الدول الأوربية بنسبة 10% أيضًا، وتجميد الأجور والأسعار لمدة ثلاثة أشهر للحد من التضخم (ارتفاع الأسعار)، وكان ذلك ضربة قوية لحلفاء أمريكا من الدول الأوربية، وإعلانًا بنهاية عصر بريتون وودز، وبداية ظهور مرحلة جديدة النظام النقد الدولي ساد فيها الدولار بوصفه عملة الاحتياطي الدولي في معظم دول العالم نتيجة لتبعات الحرب العالمية الثانية، ونظام بريتون وودز الذي ربط الدولار بالذهب وبقية العملات بالدولار.