حجم الخط:

تمهيد:

شهد العالم في العقدين الأخيرين تطورًا جارفًا في مجال المعرفة والتِّقنية، وواكب هذا التطور التِّقني تطورًا هائلًا في الوسائل الخدمية للعلوم الشرعية؛ فاحتلت الموسوعات الإسلامية الصدارة في البحث العلمي لدى الباحثين، وعلى رأسهم باحثي علوم السنة النبوية، وظهرت العديد والعديد من البرامج والموسوعات، وتطورت رويدًا رويدًا حتى وصلت إلى ما هي عليه اليوم، ولا زال نموها ناشطًا، والحمد لله.

موسوعات التخريج الورقية هي الأصل الذي استقت منه البرامج التِّقنية مادتها:

لا شك أن صنعة التأليف في التخريج قديمة عتيقة، إلا أن الجهود السابقة التي قدمها العلماء أمثال السيوطي في «الجامع الكبير والصغير»، والمتقي الهندي في «كنز العمال» لا تحيل على موضع الحديث بدقة، وإنما تحيل على المصدر ككل، وكلما كبر الكتاب كان الوصول إلى الحديث أشق.

وحسبك بقول الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: (وها أنا اشتغل بعلوم الحديث منذ خمس وعشرون سنةً، وقد تلقيت منها سماعاً وقراءةً عن أعلام وكبار من الشيوخ... ومع ذلك فإني طالما أعياني تَطَلُّب بعض الأحاديث في مظانِّها، وأغرب من هذا أنى لبثت نحو خمس سنين وأنا أطلب حديثًا معينًا في سنن الترمذي، وهو كتاب تلقيته كله عن والدي سماعاً، ولى به شبهُ اختصاصٍ)[1].

الأمر الذي دفع العلماء والباحثين إلى أفكار أدهشت أهل العصر وقتها؛ فسعوا إلى عمل فهارس موسوعية تجمع أمهات كتب السنة، وتدل على موضع الحديث داخل الكتاب بدقة، وهذه الموسوعات على صورتين:

الأولى: الفهارس الموسوعية الموضوعية المرتبة على الموضوعات.

الثانية: الفهارس الموسوعية التي رُتّبت على ألفاظ المتون.

أما الأولى: فيمثلها كتاب: «مفتاح كنوز السنة».

وأما الثانية فيمثلها كتاب: «المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي».

والبحث بـ (الألفاظ) أو (الموضوعات) هما الركيزة الأساسية التي يعتمد عليها البحث التِّقني في الموسوعات الحديثة والمواقع الإليكترونية، ومن هذه الموسوعات والفهارس الورقية كانت البذرة والنواة الأولى لفكرة سرعة الوصول إلى الحديث، وتحديد مكانه بدقة متناهية في قلب مظانه.

ولذلك: فإن اعتبار استخدام الحاسوب في التخريج طريقة مستقلة يحتاج بعض المراجعة؛ فهي في الحقيقة وسيلة للإفادة القصوى من الطرق الأخرى، وتطوير لها، وتحسين لإصداراتها، وليست طريقة مستقلة عنها كليًّا، جاءت بما لم تأت به الطرق السابقة عليها!


 

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة