محبة الرسول بين الاتباع والابتداع لعبد الرؤوف محمد عثمان ص (123-125) باختصار وتصرف
اتباع الرسول -صلى الله عليه وسلم- أمر واجب وفرض عين على الأمة كلها في عُسْرها ويُسْرِها ومَنْشَطِها ومَكْرَهِها. ولا يصير المسلم مسلمًا حتى يتَّبِعَ الرسول -صلى الله عليه وسلم- في جميع أقواله وأفعاله حسب عِلمه واستطاعته، واتباع الرسول -صلى الله عليه وسلم- مثل محبته من حيث كونه مُقْترِنًا بشواهد تُؤكِّده ومظاهر عملية تُحدِّدُه وبدونها يصير الاتباع دعوى مُجرَّدة عن الدليل.
واتباع الرسول -صلى الله عليه وسلم- له مظاهر عديدة إذا تحقَّقَتْ تحقَّقَ الاتباع وصَدَقَتْ المَحبَّة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فمن أهم هذه المظاهر:
- الاقتداء بالنبي -صلى الله عليه وسلم- والتأسِّي به: قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) [الأحزاب: 21].
قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: "هذه الآية الكريمة أَصْلٌ كبير في التَّأَسِّي برسول اللَّه -صلَّى اللَّه عليه وسلَّم- في أقواله وأفعاله وأحواله؛ ولهذا أُمِرَ النَّاسُ بالتَّأَسِّي بالنَّبِيِّ -صلَّى اللَّه عليه وسلَّم- يوم الأحزاب، في صَبْرِهِ ومُصابرَتِه ومُرابطَتِه ومُجاهدَتِه وانْتِظارِه الفَرَجَ من رَبِّه، عزَّ وجلَّ، صلوات اللَّه وسلامُهُ عليه دائمًا إلى يوم الدِّين؛ ولهذا قال تعالى للذينِ تَقَلَّقُوا وتضْجَّرُوا وتزلْزَلُوا واضْطرَبُوا في أمْرِهِم يوم الأحزاب: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) أيْ: هَلَّا اقْتَدَيْتُم به وتَأَسَّيْتُم بشَمَائِله -صلَّى اللَّه عليه وسلَّم-؟
والتَّأَسِّي بالنبي -صلى الله عليه وسلم- هو: أن نفعل مثلما فعل على الوجه الذي فعله، من وجوبٍ أو نَدْبٍ، وأنْ نترك ما تَرَكَهُ، أو نَهَى عنه من مُحرَّم أو مكروه، كما يشمل التَّأَسِّي به التأدُّب بآدابه والتخلُّق بأخلاقه -صلى الله عليه وسلم- وعلى ذلك فالتَّأَسِّي والاقتداء شامل لكافة أمور الدِّين.
فإذا قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- قولًا قلنا مثل قوله، وإذا فعل فعلًا فعلنا مثله، وإذا تَرَكَ شيئًا تركناه فيما لم يكن خاصًّا به، وإذا عَظَّمَ شيئًا عظَّمْناه، وإذا حَقَّرَ شيئًا حَقَّرْناه، وإذا رَضِيَ لنا أمرًا رضينا به، وإذا وقف بنا عند حد وقفنا عنده ولم يكن لنا أن نتقدَّمَ عليه أو نتأخَّرَ عنه.
وبالجملة فإن الاقتداء بالرسول -صلى الله عليه وسلم- هو تجريد متابعته والتلقِّي عنه وحده فكما أنَّ الربَّ سبحانه واحد فالرسول الذي أُمِرْنا باتباعه واحد فهما توحيدان: توحيد المُرْسِل وهو الله سبحانه وتعالى، وتوحيد متابعة الرسول -صلى الله عليه وسلم-.
وهذا معنى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. وبدون هذا لا يصير المسلم مسلمًا. ذلك هو الاقتداء بالرسول -صلى الله عليه وسلم- وهو المعيار الذي ينبغي أنْ تُوْزَنَ به أفعال الناس وأقوالهم وعقائدهم وسائر أمورهم. وطريق التَّأَسِّي به مبنى على العلم بهَدْيِه -صلى الله عليه وسلم- في كافة أمور الدِّين والعمل به.
وقد وَعَتْ دواوينُ السنة وكتب السِّير والشَّمائل كافَّةَ أقوال النبي -صلى الله عليه وسلم- وأفعاله وسجاياه وأخلاقه وكل ما يتصل به من قريب أو بعيد وحفظت ذلك أتمَّ حفظ.
وقام أولو العلم في كل عصر بتقريب الناس من هذا الهَدْى النبوي الشريف قيامًا بواجبهم في تبليغ هذا الدِّين ونُصْحًا للمسلمين، فما تركوا شيئًا من هَدْيِه -صلى الله عليه وسلم- إلا وبَيَّنُوه أتمَّ بيان، فأبان الله بهم السبيل وقطع بهم المعاذير، فالسعيد من اتَّبَعَ خُطَاهُم والشَّقِيُّ من تنكَّبَ طريقَهُم وجَفَاهُم.
فعلى كلِّ مسلم يُحِبُّ الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يتعلَّمَ من سُننه وهَدْيِه ما يَدْخُلُ به في عِداد المُقْتدِين المُتَّبِعين للرسول -صلى الله عليه وسلم-.
قال ابن القيم: "وإذا كانت سعادة العبد في الدَّارَيْنِ مُعَلَّقَةً بهَدْي النبي -صلى الله عليه وسلم- فيجب على كلِّ من نَصَحَ نفسَهُ، وأحبَّ نجاتها وسعادتها، أن يَعْرِفَ مِن هَدْيِه وسيرته وشأنه ما يَخْرُجُ به عن الجاهلين به، ويَدْخُلُ به في عِداد أتباعه وشيعته وحِزْبه، والناس في هذا بين مُسْتَقِلٍّ ومُسْتَكْثِرٍ ومَحْرُومٍ، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم".
والسبيل العملي للتَّأَسِّي بالرسول -صلى الله عليه وسلم- هو تطبيق السنة في حياة الفرد والجماعة. وهذا التطبيق يشمل كافَّة جوانب الدِّين من اعتقادات وعبادات ومعاملات وأخلاق وآداب ونُظُم اجتماعية وإدارية وسياسية شرعية...