عناية الأنبياء عليهم السلام بتوجيه الدعوة للأقارب في ضوء القرآن، للدكتور عودة عبد عودة وزهران عمر ضمن مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الكويت - ص ( 10 - 12 )
أهمية توجيه الدَّعْوة للأقارب
لا شك أن الدَّعْوة إلى دين الله تعالى هي دعوة إلى الخير والنُّور، وأحق الناس بهذا الخير هم أهل المرء وأقاربه، فليس من المعقول أن يتوجَّهَ المؤمن بالدَّعوة إلى الناس وينسى أهله وأحباءه، فالأقربون أولى بالمعروف والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: " خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي ".
فالأقارب هم أحق الناس بالإحسان الدِّيني والدُّنيوي، فجاءت الآيات التي تحثُّ على توجيه الدَّعوة في البداية للأقارب كقوله تعالى: ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) [الشعراء: 214) لتؤكد على حقِّهم في الإحسان وللدلالة على أن دعوة الأقارب مثال واضح على صلة الرحم، وقيام بالمسئولية الأولى المُلقاة على عاتق الدَّاعية، قال - صلى الله عليه وسلم -: " كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ".
والملاحظ أن الأنبياء - عليهم السلام - قد سلكوا هذا المسلك، فاعتنوا بشكل خاص بدعوة الأقارب وإرشادهم إلى سبيل الحق والإيمان، وتظهر أهمية توجيه الدعوة إلى الأقارب من عدة جوانب، أهمها :
1- تحصين الدَّعوة الإسلامية وحمايتها
فمما لا شك فيه أن إيمان أقارب الدَّاعية بالدَّعوة يعطيه قوة كبيرة، ويجعل له سندًا مهمًا في دعوته، ويجد من يقف معه ويدافع عن هذه الدَّعوة ويحميها. فالنبي - صلى الله عليه وسلم - كان مطلعًا على أن قومه سوف يجابهونه بالعُنْف والشِّّدة ويتأمرون للقضاء عليه قبل تَمَكُّنِه من تحقيق أمنيته، فصيانة الدَّعوة من مكائد الأعداء مرهونة بوجود قوة داخليَّة تُحصِّنُها من غوائلهم ولا يمكن تَصَوُّرها إلا في قومه وعشيرته من آل هاشم.
ويحدثنا القرآن الكريم عن قوم شعيب - عليه السلام -، كيف أن أهله وعشيرته كان لهم دور في تحصينه وحماية دعوته، قال تعالى: ( وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزيز ) [هود: 91]. ورهط الرجل عشيرته الذي يستند إليهم ويتقوَّى بهم. وقال ابن عاشور: " الرَّهْط إذا أضيف إلى رجل أُريد به القَرَابة الأدنون لأنهم لا يكونون كثيرًا، فأطلقوا عليهم لفظ الرَّهْط الذي أصله الطائفة القليلة من الثلاثة إلى العشرة، ولم يقولوا قومك، لأن قومه قد نبذوه ".
2- الدلالة على صِدق الدَّعوة ونزاهة الدَّاعية
تَوَجُّهُ الدَّاعية بدعوته إلى معارفه وأقرب الناس إليه دليل على نزاهته ومصداقيته وثقته من دعوته، لأن دعوة الأهل والأقارب إلى الله تعالى من أصعب الدعوات لا لأن أزهد الناس بالداعية أهله وجيرانه كما يقال فحسب، بل لأن الدَّاعية الحقيقي لا تظهر حقيقته وشمائله وأخلاقه على سجيتها وطبيعتها إلا في البيت مع الزوجة والأولاد، وبين الأهل والأقارب والأرحام، أما خارج المنزل مع الناس والخلق أجمعين، فيمكن للدَّاعية أن يتكلَّفَ من الأخلاق والصِّفات والمزايا، ما لا يمكن أبدًا أن يتكلَّفه في بيته بين أهله وأقاربه.
فإذا وَجَدَتْ هذه الدَّعوة قبولًا عند المُقرَّبين منه فهذا دليل على صِدقه لأن أقاربه هو أدرى الناس، وأعلم الناس بأحواله وأسراره وحقيقة أمره. ومن هنا فقد رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - منذ اللحظة الأولى أن انقياد قومه لدعوته لدليل واضح على قداسته ونزاهته وصِدق كلامه، وأنهم ما رأوا منه إلا الصِّدْق والصَّلاح طيلة أربعين سنة فأجابوا دعوته وصدَّقُوا كلامه. فإنّ الإنسان مهما كان فَطِنًا مُهْتَمًّا بستر عيوبه وزلَّاته لا يتمكَّن من سترها عن بطانته وخاصته، فإيمان البطانة وقبولهم دعوته دليل واضح على صفاء سريرته، فلأجل ذلك بدأ بدعوة العشيرة قبل إعلان الدعوة العامة، وهذا بطبيعة الحال يكون مُؤثِّرًا في إعداد الأرضية الصَّالحة لقبول المرحلة الأخرى. وبعبارة ثانية: إن ضمان نجاح المُصْلِحين في الدَّعوة العامَّة يَكْمُنُ في نجاحهم في دعوة أسرتهم، فلو افترضنا أن الدَّاعي لم ينجح في دعوة أسرته، يكون حظ نجاحه في الدَّعوة العامَّة طفيفًا، لأن رفض الأسرة لدعوة المُصْلِح وعدم إيمانها به سوف يتخذ ذريعة إلى تقوُّل الآخرين وسخريتهم بأنه لو كان الصَّادع مُحِقًّا في كلامه فأسرته أولى بقبول دعوته.