القدوة الحسنة من الوسائل المهمة جدًا في تبليغ الدعوة إلى الله وجذب الناس إلى الإسلام وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، كما أن القدوة الطيبة للداعي وأفعاله الحميدة وصفاته العالية وأخلاقه الزاكية تجعله أسوة حسنة لغيره، يكون بها أنموذجًا يقرأ فيه الناس معاني الإسلام فيقبلون عليه وينجذبون إليه؛ لأن التأثر بالأفعال والسلوك أبلغ وأكثر من التأثر بالكلام وحده. إن الإسلام انتشر في كثير من بلاد الدنيا بالقدوة الطيبة للمسلمين التي كانت تبهر أنظار غير المسلمين وتحملهم على اعتناق الإسلام؛ فالقدوة الحسنة التي يحققها الداعي بسيرته الطيبة هي في الحقيقة دعوة عملية للإسلام يستدل بها سليم الفطرة راجح العقل من غير المسلمين على أن الإسلام حق من عند الله.
ومن السوابق القديمة في أهمية السيرة الحسنة للداعي وأثرها في تصديقه والإِيمان بما يدعو إليه: ما جاء عن عبد الله بن سلام، قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة انجفل الناس إليه، وقيل: قدم رسول الله ﷺ، فجئت في الناس لأنظر إليه، فلما استبنت وجه رسول الله ﷺ عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، وكان أول شيء تكلم به أن قال: ?يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا والناس نيام تدخلون الجنة بسلام»[1].
فعبد الله بن سلام استدلَّ بسَمْت رسول الله ﷺ ووجهه المنير الكريم الذي يكون عليه أهل الصدق والأخلاق الكريمة، استدلَ بذلك على صدقه فيما يدعو إليه ﷺ. كما أن الداعية إلى اللَّه تعالى بحاجة شديدة جدًّا إلى تطبيق ما يقول ويدعو إليه حتى يقتدي به الناس؛ ولهذا بيّن ابن القيم رحمه اللههذه المسألة، وحذَّر من عدم التزامها؛ حيث قال: (علماء السوء جلسوا على باب الجنة يدعون إليها الناس بأقوالهم ويدعونهم إلى النار بأفعالهم؛ فكلما قالت أقوالهم للناس: هلموا، قالت أفعالهم: لا تسمعوا منهم؛ فلو كان ما دعوا إليه حقًّا كانوا أول المستجيبين له. فهم في الصورة أدلاء وفي الحقيقة قطاع الطرق)[2].